خصائص أمير المؤمنين

الصفحة السابقة الصفحة التالية

خصائص أمير المؤمنين

فهرسة الكتاب

فهرس الكتب

ص 4

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 اللهم.. إني أسألك توفيق أهل الهدى.. وأعمال أهل التقوى.. ومناصحة أهل التوبة.. وعزم أهل الصبر.. وحذر أهل الخشية.. وطلب أهل العلم.. وزينة أهل العلم.. وخوف أهل الجزع.. حتى أخافك اللهم مخافة تحجزني عن معاصيك، وحتى أعمل بطاعتك عملا استحق به كرامتك، وحتى أناصحك في التوبة خوفا لك وحتى أخلص لك في النصيحة حبا لك، وحتى أتوكل عليك في الأمور حسن ظن بك..

ص 5

المقدمة

 

في سلسلة من كنوز التراث الإسلامي الذي قررت - المطبعة الحيدرية ومكتبتها في النجف الأشرف - طبعه ونشره.. هذا الكتاب النفيس الجامع لطائفة كبيرة من المناقب والفضائل، الخاصة بالإمام أمير المؤمنين - ع - وهو من أهم المصادر والمراجع النفيسة المؤلفة في الفضائل، ولم يزل موضع التقدير والاكبار والاهتمام لدى المؤلفين والباحثين، لأنه جمع بين دفتيه أحاديث صحيحة بعيدة عن الشك والجرح والقدح، وعن أسانيد ثابتة فهو كما قال ابن حجر: تتبع النسائي ما خص به علي من دون الصحابة فجمع من ذلك شيئا كثيرا بأسانيد أكثرها جياد (1). لقد اعتزمت المطبعة والمكتبة الحيدرية.. أن تنشر من هذه الأعلاق النفيسة القيمة، المخطوطة منها والمطبوعة النادرة لتكون قريبة المنال من الكاتب والمؤرخ والباحث والأديب... والذين يريدون ويرغبون أن يعلموا ويستقصوا حقائق الحضارة الفكرية الإسلامية، ويستنبطوا منها الجوانب العلمية والأدبية عن حياة رجال عملوا في حقل الثقافة، وساروا في ركب الحركة الفكرية، وساهموا في حفظ هذا اليسير من التراث الإسلامي الذي وصل بأيدينا، ولم تبدده الظروف والأحوال القاسية الطارئة على الأمصار والبلدان الإسلامية بشتى الأساليب والصور.. في الحفاظ عليه

(هامش)

(1) الإصابة: 3: 508. (*)

ص 6

وجمع جوانبه المبعثرة، وتوجيهه ودفعه إلى الحق والخير والتقدم والنهوض. ويعتبر القسط الذي نهضت به المطبعة.. في خدمة التراث الإسلامي وبعثه، قسطا واسع المدى، محمود الأثر. فقد نشرت هذه المؤسسة كثيرا من النوادر المطمورة والمخطوطات الغالية التي بعثرتها واستبدت بها أحداث الزمن وعوادي الأيام، فتفرقت في البلاد وامتدت وأخذت طريقها إلى دور الكتب في الغرب واستقرت في رفوفها. ومهما يكن من أمر فالوجيه الكريم والشهم الجليل الأستاذ محمد كاظم الكتبي.. يعني عناية متصلة بالتراث الإسلامي على اختلاف جوانبه ومذاهبه، ويسعى في جمعه المفرق في خزائن الكتب الخاصة والعامة، والتعريف به، وتقريبه إلى الباحثين بصورة متقنة وشكل صحيح.. وكان من نعم الله عليه.. أن أكرمه بلفيف من أحبار البحث والتحقيق أوقفوا أنفسهم إلى تحقيق أي مخطوط أو مطبوع، ووضع مقدمات ودراسات أدبية عن الكتاب الذي يروم - أبو صادق - طبعه ونشره، إلى جانب الكفاءة المالية التي يتمتع بها والنشاط الفكري المتواصل في إخراج الكتب وتوزيعها. ولقد رغب إلى أن أتعهد تحقيق هذا الكتاب وتصحيحه وإخراج أسانيده، وترجمة رجاله، مع وضع دراسة عن شخص مؤلفه أبي عبد الرحمان أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر النسائي، المولود في نساء - بفتح النون والسين المهملة ثم الألف والهمزة بعدها - عام 215 وهي بلدة بخراسان. على أن عملي الكثير كان يفرض عدم قبولي الكتاب والاغضاء عنه والاستمرار في العمل الفكري الذي أنا به مشغول.. غير أني شاهدت رغبة أبي صادق.. وحرصه الكثير، فدفع إلى الكتاب قائلا: اشتغل فيه عند أوقات الفراغ، وإن تطلب الوقت سنة كاملة.. فأخذته

ص 7

وودعته وقلت له: أسأل الله التوفيق والوقت الذي أوفى الكتاب فيه حقه، وانصرفت إلى بحثه ودراسته. والواقع أنني عانيت من التعب والإرهاق الفكري في سبيل تصحيح هذا الكتاب، ما أعجز القول به وذكر الجهد الذي تحملته، وما قاسيته في هذا السبيل، والله وحده يعلم ذلك وعنده احتسبه، لأن لديه جزاء ذلك كله، وأنه لا يجزي على الخير سواه، ولا يعرف خفيات الأمور غيره. هذا ومن المؤسف كله أن الكتاب - الخصائص - على رغم تعدد طبعاته قبل هذه الطبعة في مصر والهند والنجف الأشرف، لم يكن موضع الاستفادة ولم يستلفت النظر لرداءة عرضه، وفشو الأغاليط فيه، بحيث شوهت الكتاب وأسقطته من الاعتبار، إلى جانب قلة العناية بروائه وتصحيح أسانيده، وترجمة رجاله والبحث عنهم. لذلك بعون الله.. وتوفيقه.. انصرفت إلى دراسة الكتاب وتصحيح نصوصه وإخراج أسانيده وتحقيق رواياته، وأخيرا إخراجه في صورة ترضى عنها النفس، وينشرح لها الصدر بقدر الإمكان. لقد قرأت الكتاب وطالعت نصوصه وراجعتها في كتب الأحاديث والسنن والصحاح والمناقب، حتى استقام لي نص صحيح أو قريب من الصحة فأدرجته، ثم رحت أفتش عن رجال السند، فترجمت لهم باختصار مع ذكر المصادر والاسم الصحيح للراوي والمحدث، وحققته من جوانب شتى، وأخرجت مصادر الحديث وبينتها وعلقت عليه، وأنا في كل هذه الأحوال أسأل الله أن يرزقني الإخلاص والسداد. وأنا على يقين بعد تحملي المصاعب والمشاق في سبيل تحقيق هذا الكتاب.. أن هذه المطبوعة من الكتاب، خير ما يقرأ الباحثون

ص 8

والمؤرخون من نسخ الكتاب.. أصلحت فيها الكثير.. والكثير.. مما فشا في سابقتها من الأغاليط والهفوات، وليس احتمال هذا الجهد الجاهد في تحقيقه إلا بيان التراث الفكري الإسلامي في تلك القرون التي كان أمثال النسائي يعيشون فيها، وكيف أنهم تسابقوا إلى حفظ هذا التراث وجمعه وتدوينه وتفسير غامضه ودفعه إلى الإمام والنهضة، في وقت كان فيه التفرق والقلق السياسي والتخاصم على أريكة الخلافة الإسلامية أزهر وأنشط وأبسط من وقت الآداب والثقافة والعلوم. وبهذا أيضا فيما أعتقد أسديت للتراث الفكري الإسلامي يدا لا تجحد بتحقيق هذا الكتاب وتقويم وتصحيح ما اعوج وغلط منه، وبشرح وتعليق ما دعت الحاجة إليه، وأخيرا وضع فهارس حديثة مختلفة له، بعد إن لم يحظ الكتاب قبل هذا من الاهتمام والدرس والملاحظة لدى جمهرة الكتاب والمحققين والباحثين على ضوء البحث العلمي الصحيح. وفي المقدمة هذه.. بحث شامل لحياة النسائي من كافة نواحيه بصورة واضحة مستقاة من مصادر تاريخية وأدبية، مطبوعة وخطية لتكون الفائدة أعم وأشمل. كما وأني ضبطت الأعلام والرجال ضبطا كاملا، وذكرت الاختلاف الوارد في الاسم أو سنة الوفاة أو الكنية، ثم رأيت أن أسهل للباحث الرجوع إليه وأيسر الانتفاع به، فذيلته بالفهارس الفنية المتنوعة تساعد على البحث، وتهدي القارئ، وتوضح معالم الكتاب.

 النسائي في المعاجم:

 في ثنايا كتب السير كلمات عن ثقافة النسائي الفكرية، وهمته العالية وعمله المتواصل، وتصحيحه الأحاديث بجد ونشاط، ورغبته الشديدة

ص 9

في التصنيف والتأليف وأنسه به وانصرافه إلى الراحة والهدوء والطمأنينة الدائمة، من غير اشتغال بأحداث وأمور خارجة عن نطاق العلم، وكفى بالعلم عنده صديقا ومؤنسا، ولرغبته الأكيدة سافر إلى العواصم الإسلامية واتصل فيها بأهل المعرفة والحديث وطفق يتجول ويلقي دروسه في الحديث ويفقه فيه طلابه. إن معاجم السير على الأكثر ذكرت المترجم له.. بإجلال وإعظام وإكبار، وشرحت محاسن علمه وجودة تفكيره وفضله في الحديث وإتقانه له، وهذه الكلمات إن دلت على شيء فإنما تدل بوضوح على شخصية النسائي العلمية، ومكانه المرموق في العلم وبلوغه درجة الكمال في الحديث ولهذا يكبر أهل العصر ومن تبعهم من المؤرخين مزاياه وطبعه ونفسه المشرقة بنور العلم وجمال المعرفة. وقد جمع الحافظ ابن حجر العسقلاني آراء أئمة الحديث في النسائي فقال عند ترجمته له: قال ابن عدي: سمعت منصور الفقيه (1) وأحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي (2) يقولان: أبو عبد الرحمان إمام من أئمة المسلمين. وقال محمد بن سعد البارودي (3): ذكرت النسائي لقاسم المطرز فقال: هو إمام أو يستحق أن يكون إماما. وقال أبو علي النيسابوري (4): سألت النسائي وكان من أئمة

(هامش)

(1) منصور بن محمد بن محمد بن الطيب الفقيه الهروي، كان فقيها مشهورا ذا مروءة، مات سنة 527 وله 83 سنة. لسان الميزان 6 ص 100. (2) الحافظ المحدث المتوفى 321، تذكرة الحفاظ 3: 28، شذرات الذهب 2: 288، حسن المحاضرة 1: 198. (3) لم أهتد إلى ترجمته. (4) الحسين بن علي بن يزيد بن داود الحافظ المتوفى 349، الكنى والألقاب - = (*)

ص 10

المسلمين ما تقول في نفيه، وقال في موضع آخر: إن النسائي الإمام في الحديث بلا مدافعة، وقال في موضع آخر: رأيت من أئمة الحديث أربعة في وطني وأسفاري اثنان بنيسابور محمد بن إسحاق (1)، وإبراهيم ابن أبي طالب (2)، والنسائي بمصر، وعبدان (3) بالأهواز. وقال مأمون المصري: خرجنا إلى طرطوس (4) فاجتمع من الحافظ عبد الله بن أحمد، ومربع (5)، وأبو الأذان، وكيلجة وغيرهم فكتبوا كلهم بانتخاب النسائي. وقال أبو الحسين بن المظفر (6): سمعت مشايخنا بمصر يعترفون لأبي عبد الرحمان النسائي بالتقدم والإمامة، ويصغون من اجتهاده في العبادة بالليل والنهار، ومواظبته على الحج والجهاد، وإقامته السنن المأثورة واحترازه عن مجالس السلطان، وأن ذلك لم يزل دأبه إلى أن استشهد.

(هامش)

- = 2: 156، تاريخ بغداد 8: 71 المنتظم 6: 396، مرآة الجنان 2: 343. (1) المتوفى 313، تاريخ بغداد 1: 248، المنتظم 6: 199، تذكرة الحفاظ 2: 268، البداية 11: 153، الوافي 2: 187. (2) إبراهيم بن محمد بن نوح بن عبد الله المتوفى 295، معجم المصنفين 4: 400، إيضاح المكنون 2: 314. (3) عبد الله بن أحمد بن موسى بن زياد بن عبدان الأهوازي المتوفى 306 المحدث، هدية العارفين 1: 443. (4) بلد بين أنطاكية وحلب وبلاد الروم وكان من ثغور المسلمين، استولى عليه ملك الروم سنة 354. (5) محمد بن إبراهيم الأنماطي المعروف بمربع المتوفى 286، تاريخ بغداد 1: 388. (6) لم أقف على ترجمته. (*)

ص 11

وقال الحاكم: سمعت علي بن عمر الحافظ (1) غير مرة يقول: أبو عبد الرحمان مقدم على كل من يذكر بهذا العلم من أهل عصره. وقال مرة: سمعت علي بن عمر يقول: النسائي أفقه مشايخ مصر في عصره وأعرفهم بالصحيح والسقيم، وأعلمهم بالرجال، فلما بلغ هذا المبلغ حسدوه فخرج إلى الرملة (2) فسئل عن فضائل معاوية فأمسك عنه، فضربوه في الجامع، فقال: أخرجوني إلى مكة. فأخرجوه وهو عليل، وتوفي مقتولا شهيدا. وقال الدارقطني (3) أيضا: سمعت أبا طالب الحافظ يقول: من بصبر على ما يصبر عليه أبو عبد الرحمان كان عنده حديث ابن لهيعة (4) ترجمة ترجمة فما حدث بها، وكان لا يرى أن يحدث بحديث ابن لهيعة، وقال الدار قطني: كان أبو بكر بن الحداد (5) الفقيه كثير الحديث ولم يحدث عن أحد غير أبي عبد الرحمان النسائي فقط، وقال: رضيت

(هامش)

(1) الحافظ علي بن عمر أحمد الدارقطني المتوفى 385، وفيات الأعيان 1: 417، تذكرة الحفاظ 3: 186، شذرات الذهب 3: 116، اللباب 1: 404 النجوم الزاهرة 4: 172. (2) من قرى فلسطين. (3) هو الحافظ علي بن عمر المتقدم. (4) أبو عبد الرحمن عبد الله بن لهيعة الحضرمي المعري المتوفى 174، احترقت كتبه سنة 169، تذكرة الحفاظ 1: 237، فتح الملك العلي: 90. (5) أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد الكناني الفقيه الشافعي المتوفى بمصر سنة 345، صاحب كتاب الفروع في المذهب. الوافي 2: 69، مرآة الجنان 2: 336، تذكرة الحفاظ 3: 108، طبقات الشافعي 1: 2. (*)

ص 12

به حجة بيني وبين الله تعالى (1). وقال أبو سعيد عبد الرحمان بن أحمد بن يونس صاحب تاريخ مصر في تاريخه: إن أبا عبد الرحمن النسائي قدم مصر قديما وكان إماما في الحديث ثقة ثبتا حافظا، سكن بمصر وانتشرت بها تصانيفه، وكان يصوم يوما ويفطر يوما، وكان موصوفا بكثرة الجماع (2). وقال الذهبي: النسائي الحافظ شيخ الإسلام أبو عبد الرحمان القاضي صاحب السنن، برع في هذا الشأن، وتفرد بالمعرفة والاتقان وعلو الإسناد واستوطن مصر، رحل إلى قتيبة (3) وله خمس عشرة سنة، سنة 30 فقال: أقمت عنده سنة وشهرين وكان يكثر الاستماع، له أربع زوجات يقسم لهن ولا يخلو مع ذلك من سرية، وكان يكثر أكل الديوك الكبار تشترى له وتسمن وتخصى. قال مرة بعض الطلبة: ما أظن أبا عبد الرحمان إلا أنه يشرب النبيذ للنضرة التي في وجهه، وقال آخر: ليت شعري ما مذهبه في إتيان النساء في أدبارهن. قال: فسئل، فقال: النبيذ حرام ولا يصح في الدبر شيء لكن حدث محمد بن كعب القرظي (4) عن ابن عباس قال: اسق حرثك من حيث شئت فلا ينبغي أن يتجاوز قوله. قال: ابن الذهبي: ثبت نهي المصطفى صلى الله عليه وآله عن أدبار النساء، ولي فيه مصنف (5). وقد خرج إلى الغزو مع أمير مصر فوصف من شهامته وإقامته السنن المأثورة في فداء

(هامش)

(1) تهذيب التهذيب 1: 37. (2) ابن خلكان 1: 60 ط 1367. (3) قتيبة بن سعيد الثقفي تأتي ترجمته. (4) لم أتوفق إلى ترجمته. (5) تذكرة الحفاظ 2: 242 ط حيدر آباد. (*)

ص 13

المسلمين واحترازه عن مجالس السلطان الذي خرج معه والانبساط في المأكل، وأنه لم يزل ذلك دأبه إلى أن استشهد بدمشق من جهة الخوارج (1). وقال الحاكم: سمعت أبا الحسن الدارقطني غير مرة يقول: أبو عبد الرحمان مقدم على كل من يذكر بعلم الحديث وبجرح الرواة وتعديلهم في زمانه، وكان في غاية من الورع والتقى، إلا ترى أنه يروي في سننه عن الحارث بن مسكين هكذا قرئ عليه وأنا أسمع، ولا يقول في الرواية عنه حدثنا وأخبرنا كما يقول في روايات أخرى عن مشايخه، وكان شافعي المذهب، وكان ورعا متحريا، وكان يواظب على صوم داود. ونقل السبكي عن شيخه الذهبي ووالده السبكي: أن النسائي أحفظ من مسلم صاحب الصحيح، وأن سننه أقل السنن بعد الصحيحين حديثا ضعيفا، بل قال بعض الشيوخ: إنه أشرف المصنفات كلها وما وضع في الإسلام مثله. وقال جماعة: كل ما فيه صحيح لكن فيه تساهل صريح، وشذ بعض المغاربة ففضله على كتاب البخاري، ولعله لبعض الحيثيات الخارجة عن كمال الصحة، وصنف في أول الأمر السنن الكبرى، ثم صنع المجتبى من السنن الكبرى ولخص منها الصغيرة، فإذا قيل: رواه النسائي، فالمراد هو المختصر لا السنن الكبرى، وهي إحدى الكتب الستة، وإذا قالوا: الكتب الخمسة: أو الأصول الخمسة، فهي: البخاري، ومسلم، وسنن أبي داود، وجامع الترمذي، ومجتبى النسائي (2). وقال ابن الجوزي: أبو عبد الرحمان النسائي الإمام، كان أول رحلته إلى نيسابور، ثم خرج إلى بغداد فأكثر عن قتيبة وانصرف على طريق مرو

(هامش)

(1) تذكرة الحفاظ 2: 243. (2) أعيان الشيعة 8: 447 نقلا عن مقدمة السنن الصغرى. (*)

ص 14

فكتب عن علي بن حجر وغيره، ثم توجه إلى العراق فكتب عن أبي كريب وأقرانه، ثم دخل الشام ومصر، وكان إماما في الحديث ثقة ثبتا حافظا فقيها (1). وقال ابن كثير: أبو عبد الرحمان النسائي صاحب السنن، الإمام في عصره والمقدم على أضرابه وأشكاله وفضلاء دهره، رحل إلى الآفاق واشتغل بسماع الحديث والاجتماع بالأئمة الحذاق ومشايخه الذين روى عنهم مشافهة، قد ذكرناهم في كتابنا التكميل وترجمناه أيضا هنالك، وروى عنه خلق كثير، وقد أبان في تصنيفه عن حفظ واتقان وصدق وإيمان قالوا: وكان يقسم للإماء كما يقسم للحرائر، أثني عليه غير واحد من الأئمة وشهدوا له بالفضل والتقدم في هذا الشأن. وقد ولي الحكم بمدينة حمص سمعته من شيخنا المزي عن رواية الطبراني في معجمه الأوسط حيث قال: حدثنا أحمد بن شعيب الحاكم بحمص. وذكروا: أنه كان له من النساء أربع نسوة، وكان في غاية الحسن وجهه كأنه قنديل، وكان يأكل في كل يوم ديكا ويشرب عليه نقيع الزبيب الحلال (2). وقال ابن العماد: أبو عبد الرحمان النسائي سمع قتيبة وإسحاق وطبقتهما بخراسان والحجاز والشام والعراق ومصر والجزيرة، وكان رئيسا نبيلا حسن البزة كبير القدر، له أربع زوجات يقسم لهن، ولا يخلو من سرية لنهمته في التمتع، وكان مع ذلك يصوم صوم داود (3)

(هامش)

(1) المنتظم 6: 131. (2) البداية والنهاية 11: 124. (3) عبادة خاصة تنسب إلى داود بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب - ع - المدني، مذكورة في كتب الأدعية، سفينة البحار 1: 469. (*)

ص 15

ويتهجد (1). وقال السيوطي: أبو عبد الرحمان النسائي القاضي الحافظ الإمام شيخ الإسلام أحد الأئمة المبرزين والحفاظ المتقنين والأعلام المشهورين جلال البلاد واستوطن مصر فأقام بزقاق القناديل، ثم ذكر آراء أئمة الحديث فيه (2). وقال السبكي: الإمام الجليل أبو عبد الرحمان النسائي أحد أئمة الدنيا في الحديث والمشهور اسمه وكتابه، سمع بخراسان والعراق والشام ومصر والحجاز والجزيرة، وقال ابن طاهر المقدسي: سألت سعد بن علي الزنجاني (3) عن رجل فوثقه فقلت: قد ضعفه النسائي، فقال: يا بني إن لأبي عبد الرحمان شرط في الرجال أشد من شرط البخاري ومسلم (4). هذا بعض ما جاء في ثنايا كتب السير والتراجم عن شخصية النسائي العلمية، وهو إن دل على شيء فإنما يدل على تبحره في الحديث وتضلعه فيه بصورة كاملة، فالمصادر بأجمعها ذهبت إلى توثيقه وتصحيح أحاديثه بحيث لم يجد خصومه فيه أي مجال للحط من قدره والطعن فيه. إن النسائي.. كما قرأنا وحدثنا عنه أصحاب المعاجم كان في حياته منقطعا إلى علم الحديث والتبحر فيه وطلبه، فاختلط وعاشر كبار المحدثين في الأمصار الإسلامية والذين أخلصوا لهذا العلم ولا يلتفتون إلى غيره، وإنما يعملون على خدمة خالصة من كل غاية أو شائبة فيتتبعون

(هامش)

(1) شذرات الذهب 2: 240. (2) حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة 1: 147. (3) لم أقف على ترجمته. (4) طبقات الشافعة 2: 84. (*)

ص 16

ما وضع فيه، وينفون الكذب عنه.. فهذه المزايا كلها ظهرت في شخصية النسائي بوضوح، مع العلم أنه لم يكن بأيدينا من النصوص ما يكشف لنا خلاف ذلك. * * *

 شيوخ النسائي: إن حياة النسائي وشخصيته مذكورة ومتوفرة في أكثر الكتب، وآثاره وصفاته مدرجة هنا وهناك، كما أن تعداد مشايخه وتصانيفه وكتبه وارد في المعاجم بصورة موجزة وباختصار قليل من دون أية إشارة إلى حياة شيوخه الثقافية ومبلغهم في العلم والفقه والحديث. فقد وجدنا مؤلفي الكتب يعددون المشايخ الذين تلقف عنهم النسائي.. أكثر علمه، والأقران الذين عاش معهم وأثر فيهم وأثروا فيه، ولكن مع الأسف اقتصروا على ذكر أسمائهم فحسب من دون وضع ترجمة موجزة لهم وحتى عن تاريخ ولادتهم ووفاتهم، ولا شك أن البحث على هذا النحو لا يعطينا فكرة واسعة، ونظرة دقيقة وصحيحة وثابتة عن ثقافة النسائي.. ومبلغ أثره وثقافته. على أننا لا نذكر من شيوخه في هذا الفصل إلا من أجمعت المصادر عليه، وأن النسائي قرأ عليه واستمع عليه. وقد بذلنا قصارى جهدنا في أن ندرج أسماء المشايخ كاملة، مع ذكر المصادر المترجمة لهم دفعا للالتباس والشك. وإليك شيوخه على حروف المعجم الذين ذكرهم أكثر المؤرخين، أمثال ابن الجوزي في المنتظم ج 6 ص 131، وتقي الدين السبكي في طبقات الشافعية 2: 83، وعماد الدين إسماعيل بن كثير في البداية والنهاية 11: 123

ص 17

والحافظ شهاب الدين ابن حجر في تهذيب التهذيب 1: 36، إلى غيرهم من المؤلفين والحفاظ، وفي ذيل كل واحد من مشايخه ذكر ما أمكن جمعه من مصادر ترجمتهم في كتب التاريخ. 1 - أبو شعيب السوسي: صالح بن عبد الله بن إسماعيل بن إبراهيم بن الجارود بن مسرح الرستبي الرقي المقرئ المتوفى 261، ضابط محرر ثقة، أخذ القراءة عرضا وسماعا (1). 2 - أبو كريب: محمد بن العلاء بن كريب الهمداني الكوفي الحافظ المتوفى 243، ثقة جليل روى الحروف عن أبي بكر عن عاصم وأكثر من رواية الحديث، وجاء: أنه كان يحفظ ثلاثمائة ألف حديث، أوصى أن تدفن كتبه معه فدفنت (2). 3 - أبو يزيد الجرمي: لم اهتد إلى اسمه وترجمته. 4 - إسحاق الحنظلي: أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن إبراهيم بن مطر الحنظلي المعروف بابن راهويه المروزي نزيل نيسابور المتوفى 237 / 238، أحد الأئمة، طاف البلاد وروى عن الحفاظ وأئمة الحديث، صنف الكتب

(هامش)

(1) طبقات القراء 1: 332، تهذيب التهذيب 4: 392، اللباب 2: 577، الأعلام 3: 276. (2) تهذيب التهذيب 9: 385، شذرات الذهب 2: 119، طبقات القراء 2: 197. (*)

ص 18

وفرع على السنن وذب عنها وقمع من خالفها (1). 5 - حصين بن منصور السلمي: أبو علي الحسين بن منصور بن جعفر بن عبد الله بن رزين بن محمد بن برد السلمي النيسابوري، كان شيخ العدالة والتزكية في عصره عرض عليه قضاء نيسابور، واختفى ثلاثة أيام ودعا الله فمات في اليوم الثالث سنة 238 (2). 6 - سويد بن نصر: أبو الفضل سويد بن نصر بن سويد المروزي الطوساني ويعرف بالشاه المتوفى 240 / 241، كان ثقة متقنا محدثا فاضلا جليلا صادقا صحيح السماع، يروي عنه أيضا البخاري ومسلم وغيرهما (3). 7 - علي بن حجر: أبو الحسن علي بن حجر بن أياس بن مقاتل بن مخادش بن مشمرخ ابن خالد السعدي المروزي، سكن بغداد قديما ثم انتقل إلى مرو فنزلها كان فاضلا حافظا ثقة مأمونا صدوقا متقنا اشتهر حديثه بمرو، مات سنة 244، وعاش قريب المائة أو أكملها (4). 8 - عمرو بن زرارة: أبو محمد عمرو بن زرارة بن واقد الكلابي بن أبي عمرو النيسابوري

(هامش)

(1) تهذيب التهذيب 1: 217، اللباب 1: 325، وفيات الأعيان 1: 80، شذرات الذهب 2: 89، ميزان الاعتدال 1: 85، حلية الأولياء 9: 234، الكنى والأسماء 2: 158. (2) تهذيب التهذيب 2: 370، خلاصة تهذيب الكمال ص 72. (3) تهذيب التهذيب 4: 280، اللباب 2: 92، خلاصة تهذيب الكمال: 135. (4) تهذيب التهذيب 7: 293، تذكرة الحفاظ 2: 33، هدية العارفين 1: 672. (*)

ص 19

المقري الحافظ المتوفى 238، وقيل: مات قبله. كان ثقة جليلا، روى عنه أكثر أئمة الحديث، وقرأ القرآن على الكسائي، وجاء: أنه كان مجاب الدعوة، وقيل: إنه أنصاري (1). 9 - عيسى بن حماد: أبو موسى عيسى بن حماد بن مسلم بن عبد الله التجيبي المصري الملقب زغبة المتوفى 248، من المحدثين الثقات، روى عنه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وعبد الرحمان بن عبد الله بن الحكم والبجيري وأبو حاتم وعبدان الأهوازي وأبو زرعة، وآخرون من رجال الحديث والعاملين فيه، وقد وثقه غير واحد من أئمة الرجال (2). 10 - قتيبة بن سعيد: قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف بن عبد الله الثقفي مولاهم أبو رجاء البغلاني المتوفى 240، وجاء: إن اسمه يحيى وقتيبة لقب، وقيل: اسمه علي. كان من كبار المحدثين ثقة جليلا ثبتا فيما روى صاحب سنة وجماعة، وكان قد كتب الحديث عن ثلاث طبقات (3). 11 - محمد بن رافع: محمد بن رافع بن أبي زيد واسمه سابور القشيري مولاهم أبو عبد الله النيسابوري الزاهد المتوفى 245، كان من خيار عباد الله وثقة مأمونا وصادقا، بعث طاهر بن عبد الله بن طاهر إليه بخمسة آلاف فردها. قال الحاكم: هو شيخ عصره بخراسان في الصدق والرحلة. وقال الحافظ جعفر بن أحمد بن نصر: ما رأيت من المحدثين أهيب منه، كان يستند

(هامش)

(1) تهذيب التهذيب 8: 35، خلاصة تهذيب الكمال 245. (2) تهذيب التهذيب 8: 209. (3) تهذيب التهذيب 8: 359، معجم المؤلفين 8: 128. (*)

ص 20

فيأخذ الكتاب فيقرأ بنفسه فلا ينطق أحد ولا يتبسم، وكان ثقة حسن الرواية (1). 12 - محمد بن نصر: أبو عبد الله الإمام شيخ الإسلام محمد بن نصر المروزي الفقيه مات 294، كان أعلم الناس باختلاف الصحابة فمن بعدهم، وقد برع في هذا الشأن فأصبح إمام أهل الحديث في عصره بلا مدافعة، وكان يشتغل بالعلم والعبادة، وأينما سافر تجارته مع مضارب له، رحل إلى نيسابور وسمرقند وبغداد، وجاء بحقه: أن زنبورا قعد على جبهته فسال الدم على وجهه ولم يتحرك وذلك لحسن صلاته وخشوعه، يضع ذقنه على صدره وينتصب كأنه خشبة (2). 13 - هشام بن عمار: أبو الوليد هشام بن عمار بن نصير بن ميسرة بن أبان السلمي الظفري الدمشقي خطيب المسجد الجامع بها المتوفى 245، يروي عنه البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي عن البخاري، وكان محدثا صادقا ثقة مأمونا، ما كان في الدنيا مثله في العقل والفصاحة والرواية والعلم والدراية (3). 14 - يونس بن عبد الأعلى: أبو موسى يونس بن عبد الأعلى بن موسى بن ميسرة بن حفص

(هامش)

(1) تهذيب التهذيب 9: 161. (2) تذكرة الحفاظ 2: 202، تهذيب التهذيب 9: 489، تاريخ بغداد 3: 315، المنتظم 6: 63، البداية 11: 102، الكامل في التاريخ 7: 182، هدية العارفين 2: 21. (3) تهذيب التهذيب 11: 53، الأعلام 9: 86، معجم المؤلفين 13: 149. (*)

ص 21

ابن حباب الصدفي المصري مات سنة 264، عالم الديار المصرية وفقيهها. قال الشافعي: ما رأيت بمصر أحدا أعقل من يونس، وهو ركن من أركان الإسلام ثقة صدوق كان يحفظ الحديث وإماما في القراءات ويستسقى بدعائه (1). فهؤلاء هم مشايخ النسائي.. والذين قرأ عليهم وأخذ عنهم بصورة مستمرة، كما نص عليهم التاريخ، وقد كانوا من أئمة الحديث والقراءة مع الإجماع على صدقهم وثقتهم ومكانتهم السامية في الثقافة، ولا شك إن النسائي.. طبع بطابعهم، وأحدث هؤلاء الفطاحل الأثر القيم البالغ في نفس تلميذهم واستأنس بهم. إن المترجم له.. على كل حال تأثر بأساتذته فاختار الحديث والعمل في حقله، ولعله كان مدفوعا تماما إلى معرفة علم أصول الحديث ودفعة إلى الذروة والكمال، والواقع: إنه تلقى علم الحديث بهم، وأقبل عليه يستنطقه ليستخرج القواعد التي قام عليها ويفصلها ويضبطها، معتمدا فيها على ما ظهر له من طرائق المحدثين الذين سبقوه في هذا الحقل، وأسلوب جمعهم، وعلى نهج وطريقة روايتهم. والذي ينبغي القول: أن النسائي.. اشتغل بالحديث وعمله فيه رغبة من نفسه لا إجهادا لها، وحبا لا افتقارا وحاجة إليه، وكفى المرء نجاحا وفوزا أن يطلب لمواهبه العنان فينطلق وراءها حيث تسير وهذا هو السر في نجاحه، فلقد سار النسائي وراء علم دفعته إليه نفسه التواقة إلى الحديث، وقادته نحوه رغبته الشديدة، وأرشده لحقله وصميمه حبه وميله، فنشأ بين جموع المحدثين ومجالس دروسهم، يتنقل من واحد إلى

(هامش)

(1) تهذيب التهذيب 11: 440، تذكرة الحفاظ 2: 98، خلاصة تهذيب الكمال ص 379. (*)

ص 22

آخر ومن مجلس إلى غيره، ولازم مجالستهم من غير أي ملل وكلل يسيطر عليه ويوقفه عند حده. والغريب أننا لم نجد في ضمن مشايخه من أخذ عنه غير الحديث أو أنه تردد ووقف عند غير المحدثين خلال حياته، أو جالس غير أئمة الحديث في عصره، لذلك جاءت مؤلفاته والرسائل التي وضعها تتناول هذه الناحية فحسب وتختص بها، وعند ذكر مؤلفاته نقف على حرص النسائي.. على الحديث وجمع آثاره إلى جانب سعة اطلاعه وحسن معرفته بها. مصنفات النسائي على الحروف: تمتاز رسائل النسائي... وجميع ما كتبه بشيء كثير من الدقة والاستقصاء وعمق النظر وغزارة المعرفة والعلم، وقد طغت هذه الناحية عليه بصورة واضحة، وإذا أمعنا النظر في مؤلفاته ألفيناها كلها تدور حول الحديث بطرف واسع، على أن إقبال النسائي على الحديث وكتبه كما أسلفنا القول عنه واضح في مصنفاته القيمة التي كانت لها فائدة كبرى وأثرا عظيما من بعده، بحيث إن مترجميه كانوا يرمزون شرفه إليها. وقد أصبحت كتبه ذات قيمة خالدة، واعتبر بعضها من الصحاح الست والكتب الجيدة البعيدة المثل، بحيث ذكرها المؤلفون بالإكبار والإجلال، وهذا لا شك دليل على حيوية مؤلفاته وثقافته ومناعة معرفته بالحديث، وبرهان واضح لعلمه واطلاعه وعقله وكمال وجودة تصانيفه. صنف النسائي.. كتبا عدة ورسائل مختلفة وإن أودى بعض مؤلفاته بحياته فاستشهد على أثر تصنيفه، غير أن المصادر مع الأسف لم تذكر تآليفه برمتها، وإنما انفرد كل واحد بذكر بعضها وضرب عن تبيان البعض الآخر، بيد أنني جمعت شتات أسماء مصنفاته مع ذكر المصدر

ص 23

الذي أثبت ذلك الكتاب له وصحح نسبته وإيعازه إليه، وقد وفق الله النسائي.. بتصانيفه ورسائله خير توفيق، إذ كانت غريزة المادة وصادرة عن تتبع واسع وتحقيق كامل. وإليك عرضا لمصنفاته والتعرض ببعض التفصيل إلى وصفها والإشارة إلى تعدد طبعاتها بالاجمال، ولا ريب أنه في جميعها وصل إلى الذروة وأجاد فيها كل الإجادة، وأبقى للعصور والأجيال المتعاقبة خيرا كثيرا. 1 - إغراب شعبة على سفيان، وسفيان على شعبة: كتاب في الحديث، جمع فيه إغراب شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي الأزدي المتوفى 160 على سفيان بن سعيد الثوري الكوفي المتوفى 161، وبالعكس (1). 2 - الخصائص في فضل علي بن أبي طالب: جمع فيه الأحاديث النبوية الواردة بشأن الإمام أمير المؤمنين - ع - وأهل بيته، وهذا الكتاب هو الذي أودى بحياته، فإنه بعد أن ترك مصر في أواخر عمره قصد دمشق ونزلها، فوجد الكثير من أهلها منحرفين عن الإمام علي بن أبي طالب - ع -، فأخذ على نفسه وضع كتاب يضم مناقبه وفضائله - ع - رجاء أن يهتدي به من يطالعه أو يلقى إليه سمعه، فأتى به وألقاه على مسامعهم بصورة محاضرات متواصلة. وبعد أن فرغ منه سئل عن معاوية وما روي من فضائله، فقال: أما يرضى معاوية أن يخرج رأسا برأس حتى يفضل..؟ وفي رواية أخرى: ما أعرف له فضيلة إلا لا أشبع الله بطنك. فهجموا عليه وما زالوا يدفعون في خصييه وداسوه حتى أخرجوه من المسجد، فقال: احملوني إلى مكة. فحمل إليها، فتوفي بها.

(هامش)

(1) كشف الظنون 1: 130. (*)

ص 24

وقد نص التاريخ على هذه الواقعة وأنه مات بسبب ذلك الدوس، ثم حمل إلى الرملة فمات بها، وصرح بهذا الكتاب وصحح نسبته إليه كل من ترجم للنسائي من دون استثناء وتمييز. طبع الكتاب في المطبعة الخيرية سنة 1308 بقطع الربع 40 ص، في ربيع الأول 1348 بتصحيح الأستاذ محمد كامل بن محمد الأسيوطي الأزهري، وفي النجف الأشرف للمرة الأولى المطبعة الحيدرية 1369 / 1949 وأعيد طبعه للمرة الثانية 1389 وهي تمتاز على غيرها من الطبعات من الناحية الفنية، والتحقيق، وإخراج الأسانيد وتصحيحها، ووضع مصادرها ورجالها، وهي الطبعة التي بين يديك. وثمة كلمة قيمة جاءت عن الكتاب ومؤلفه قول ابن حجر العسقلاني: وتتبع النسائي ما خص به - علي - من دون الصحابة فجمع من ذلك شيئا كثيرا بأسانيد أكثرها جياد، روى عن النبي صلى الله عليه وآله كثيرا، وروى عنه من الصحابة ولده الحسن والحسين وابن مسعود وأبو موسى وابن عباس وأبو رافع وابن عمر وأبو سعيد وصهيب، وزيد بن أرقم وجرير وأبو أمامة وأبو جحيفة والبراء بن عازب وأبو الطفيل، وآخرون من التابعين من المخضرمين (1). 3 - السنن الكبرى: كتاب في الحديث وأنه لم يوضع مثل مصنفه في الإسلام، وأنه أشرف المصنفات الكبرى، جمع فيه الأحاديث النبوية كلها الواردة في جميع أبواب الفقه من كتاب الطهارة إلى آخر باب الديات والحدود، أولها: قال الشيخ الإمام العالم الرباني الرحلة الحافظ الحجة الصمداني أبو عبد الرحمان أحمد بن شعيب بن علي بن بحر النسائي رحمه الله تعالى..

(هامش)

(1) الإصابة 2: 508 ط الأولى. (*)

ص 25

وعلى الكتاب تعليقات وشروح غير أنه مفقود لم يطلع عليه أحد. قال الأستاذ عبد الصمد شرف الدين في مقدمته وتصحيحه لكتاب يوسف بن المزي (1): ومن سوء حظنا أننا لم نطلع إلى الآن على وجود نسخة من السنن الكبرى في أي بقعة من الأرض ولا نسخة من كتاب - عمل اليوم والليلة -، ولو وجدت نسخة - الكبرى - لأمكننا عمل فهرس كتبها وأبوابها وعزو أحاديثها إلى تلك الأبواب، ولكنها أمنية لم يقدر الله حصولها إلى انتهاء هذا الجزء، ولا نزال نحاول البحث والتفتيش عنها. 4 - المجتبى: بعد أن انتهى النسائي من وضع كتابه الكبير السنن، سأل بعض الأمراء النسائي أجميع أحاديث كتابك صحيح..؟ فقال: لا، فأمره الأمير بتجريد الصحاح منه، فصنع من السنن الكبرى كتابا أسماه - المجتبى - أو - المجتنى - وكلاهما صحيح لكن الأشهر هو الأخير، وقد استخلصه من السنن الكبرى من كل حديث حسن لم يتكلم في أصله ولا في إسناده ورواته بالتعليل أو التجريح، فإذا أطلق المؤرخون وقالوا: رواه النسائي، فمرادهم هذا المختصر المسمى بالمجتبى لا السنن، وهو أحد الكتب الستة الكبرى. وإذا قالوا: الكتب الخمسة أو الأصول الخمسة، لم يكن مرادهم غير البخاري ومسلم وسنن أبي داود وجامع الترمذي والمجتبى (2). طبع في مجلدين عام 1281 في الهند مع شرح جلال الدين السيوطي له المسمى - زهر الربى - وبهامشها حاشية أبي الحسن محمد بن عبد الله

(هامش)

(1) تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف ص 20 ط الهند. (2) أعيان الشيعة 8: 447. (*)

ص 26

المعروف بالسندي، وأعيد طبعه في مصر الميمنية سنة 1312، والمطبعة المصرية بالأزهر عام 1348 / 1930. معجم المطبوعات العربية 2: 1852. 5 - عمل اليوم والليلة: يحتوي على الدعوات والأذكار والأوراد الواردة في الأحاديث النبوية وكثيرا ما ينقل فيه عن كتابه - السنن الكبرى -، ومن المؤسف جدا كما ذكرنا سلفا أن الكتاب هذا مفقود ولم يوجد له أي أثر رغم ما نصت عليه المراجع والمعاجم (1). 6 - الجمعة: جمع فيه الأحاديث الواردة بيوم الجمعة وما فيه من الأدعية والأذكار كما في كشف الظنون 2: 1409 وقد تفرد بذكره. 7 - مسند علي: الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - ع -. كشف الظنون 2: 1684، معجم المؤلفين 1: 244. 8 - مسند مالك: مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن عثمان بن جثيل بن عمرو بن الحارت الحميري الأصبحي المدني الفقيه المتوفى 179 (2). 9 - المناسك: جمع فيه أحكام الحج وأبوابه والأحاديث الواردة فيه على مذهب الشافعي. كشف الظنون 2: 1833، معجم المؤلفين 1: 244.

(هامش)

(1) كشف الظنون 2: 1173. (2) كشف الظنون 2: 168، معجم المؤلفين 1: 244. (*)

ص 27

10 - الضعفاء والمتروكين: وهو في الحديث، تناول رجال الحديث المتروكين والمجروحين بصورة وافرة، وعلل الحديث، وطبع مع كتاب المنفردات والوحدان للإمام البخاري في الهند سنة 1323. معجم المطبوعات العربية 2: 1852، كشف الظنون 2: 1087، معجم المؤلفين 1: 244. ومنه مخطوطة في مكتبة آية الله السيد الحكيم العامة بالنجف. 11 - فضائل الصحابة: جمع فيه مناقب الصحابة. تفرد بذكره أعيان الشيعة 8: 452، ولم نجد له ذكرا في ساير الكتب، ولم أهتد إلى المصدر الذي نقل عنه السيد الأمين هذا الكتاب ونسبته إلى النسائي مع ذكره كتاب - خصائص أمير المؤمنين - ع -. وقد ألف غير النسائي في فضائل الصحابة من أئمة الحديث مئات الكتب ومنهم عبد الرحمان بن محمد القرطبي المتوفى 402 في مائة جزء (1). هذا ما حفظه التاريخ لنا من أسماء مؤلفاته، وربما كانت له رسائل أخرى في الرجال وعلل الحديث فضاعت بعد وفاته على أثر التحولات والظروف القاسية التي اجتازت البلاد الإسلامية، كما ضاع كتابه الكبير السنن.. وكتابه عمل اليوم والليلة.. ولم يبق منه غير اسمه تتناقله كتب السير والمعاجم.. وهنا ينبغي القول إن النسائي.. لم يشتهر ولم يعرف إلا بكتابية.. السنن الكبرى.. والخصائص.. وما زالا موضع التقدير والاكبار، تتكرر طبعاتهما بين آونة وأخرى، لنفاسة موضوعهما، ولما أودع المؤلف فيهما من مادة علمية دسمة وحيوية فكرية جمة.

(هامش)

(1) كشف الظنون 2: 1276. (*)

ص 28

مصادر دراسة حياة النسائي:

 

 على أثر البحث والتحقيق عن النسائي.. وحياته الفكرية، وضعت هذا الثبت على حروف المعجم والذي يضم أكثر الكتب المترجمة له.. لا كلها، فذكرت اسم الكتاب ومؤلفه ورقم الجلد والصفحة الوارد فيها اسم النسائي.. وترجمته، سواء في ذلك المصادر العربية والفارسية، مع الإشارة إلى المصدر المخطوط وتعيين المكان الذي فيه المخطوطة ورقمها في الخزانة. 1 - الإصابة ابن حجر العسقلاني 3: 508. 2 - أخبار القضاة محمد بن خلف بن حيان 2: 190. 3 - أضواء على السنة المحمدية محمود أبو رية ط صور 1383 ص 265. 4 - الأعلام خير الدين الزركلي 1: 164 ط 2. 5 - أعلام العرب عبد الصاحب الدجيلي ط 2 ج 1: 130. 6 - أعلام المحدثين محمد بن محمد أبو شهبة ط مصر ص 260. 7 - أعيان الشيعة السيد محسن الأمين العاملي 8: 444. 8 - الأنس الجليل مجير الدين الحنبلي ط نجف 2: 70. 9 - البداية والنهاية ابن كثير الدمشقي 11: 123. 10 - تاج التراجم قاسم بن قطلو بغاص 23 ط بغداد. 11 - التاج المكلل صديق البخاري القنوچي ص 30. 12 - تاريخ ابن الوردي زين الدين ابن الوردي 1: 254. 13 - تاريخ التمدن الإسلامي جرجي زيدان 3: 68 ط سنة 1904. 14 - تاريخ كزيده لغته فارسية: 630 ط إيران. 15 - تحفة الأشراف يوسف بن زكي المزي ص 18 ط الهند.

ص 29

16 - تاريخ واسط أسلم بن سهل الرزاز ص 323 ط بغداد تحقيق: كوركيس عواد. 17 - تذكرة الحفاظ شمس الدين الذهبي 2: 241 ط حيدر آباد. 18 - تنقيح المقال الشيخ المامقاني 1: 72 ط نجف. 19 - تهذيب التهذيب ابن حجر العسقلاني 1: 36 ط حيدر آباد. 20 - جامع الرواة محمد بن علي الأردبيلي 1: 51 ط إيران. 21 - الحديث والمحدثون محمد محمد أبو زهو: 409 ط القاهرة. 22 - الحركة الفكرية في مصر عبد اللطيف حمزة: 176، 182، 289. 23 - حسن المحاضرة جلال الدين السيوطي 1: 147 ط مصر. 24 - خريدة القصر ابن العماد، ق العراقي 2: 82 ط بغداد. 25 - خلاصة تهذيب الكمال ابن حجر العسقلاني: 6. 26 - دائرة المعارف محمد فريد وجدي 10: 186 ط مصر. 27 - دانشوران خراسان غلام رضا رياضي: 324 لغته فارسية. 28 - الذريعة الشيخ اغا بزرك الطهراني 7: 163 ط إيران. 29 - الرسالة المستطرفة محمد بن جعفر الكتاني ط بيروت 1322. 30 - روضات الجنات السيد محمد باقر الخونساري 57. 31 - ريحانة الأدب الشيخ محمد علي الخيابانى 4: 188 ط إيران لغته فارسية. 32 - سفينة البحار الشيخ عباس القمي 2: 588 ط نجف حجر. 33 - شذرات الذهب ابن العماد الحنبلي 2: 239 ط مصر. 34 - طبقات الشافعية تقي الدين السبكي 2: 83. 35 - طبقات الصوفية أبو عبد الرحمان السلمي: 9، 17، 57، 187، 213، 222، 253، 274، 417، 459. 36 - طبقات القراء محمد بن الجزري 1: 61 ط مصر.

ص 30

37 العبر شمس الدين الذهبي 2: 123. 38 - عصر سلاطين المماليك محمود رزق سليم 3: 207. 39 - الغدير الشيخ عبد الحسين الأميني 1: 99 ط إيران. فهرست مخطوطات الظاهرية يوسف العش: 235. 42 - فهرست المكتبة الرضوية إدارة المكتبة 5: 264 لغته فارسية ط إيران. 43 - فهرست مكتبة الفيضية الشيخ مجتبى العراقي 2: 425 ط إيران. 44 - فهرست مكتبة نور عثمانية إدارة المكتبة: 49 ط استانبول. 45 - فهرست مكتبة أيا صوفية إدارة المكتبة: 37 . 46 - قاموس الأعلام ش - سامي 1: 735 لغته تركية. 47 - قاموس الرجال الشيخ محمد تقي التستري 1: 352 ط إيران. 48 - الكامل في التاريخ ابن الأثير الجزري 6: 152. 49 - كشف الظنون حاجي خليفة 130، 706، 1006، 1684، 1685 1833، 1173، 1409، 1844. 50 - الكنى والألقاب الشيخ عباس القمي 3: 205 ط صيدا. 51 - اللباب ابن الأثير 3: 223. 52 - لباب الألقاب الشريف الكاشاني: 141 ط إيران. 53 - لغات تاريخية أحمد رفعت 7: 81 لغته تركية. 54 - لغت نامه علي أكبر دهخدا - حرف الألف -: 1196 لغته فارسية. 55 - مجمع الرجال المولى علي القهبائي ط إيران 1: 118. 56 - مختصر دول الإسلام شمس الدين الذهبي 1: 145. 57 - المختصر في أخبار البشر أبو الفداء 2: 72. 58 - مرآة الجنان اليافعي 2: 240 حيدر آباد.  

الصفحة السابقة الصفحة التالية

خصائص أمير المؤمنين

فهرسة الكتاب

فهرس الكتب