الصفحة السابقة الصفحة التالية

جامع السعادات (ج3)

فهرسة الكتاب

فهرس الكتب

ص 246

صغيرها، وشكر الوسائط، لقوله (ص): (من لم يشكر الناس لم يشكر الله). وقال السجاد (ع): (أشكركم لله أشكركم للناس). وقال (ع): (يقول الله - تعالى - لعبد من عبيده يوم القيامة: أشكرت فلانا؟ فيقول: بل شكرتك يا رب! فيقول: لما تشكرني إذ لم تشكره). وقال الصادق (ع): (اشكر من أنعم عليك وانعم على من شكرك). ولا ريب في أنه كلما ازدادت هذه الأحوال في الشكر، وطال زمانه، ازداد فضله. وقد نقل:) أن رجلا (كان يهوى ابنة عم له، وهي أيضا تهواه، فاتفقا مزاوجتهما فقال الرجل ليلة الزفاف لها: تعالي حتى نحيي هذه الليلة شكرا لله على ما جمعنا، فقالت: نعم! فصليا تلك الليلة بأسرها، ولم يتفرغ أحدهما إلى صاحبه. فلما كانت الليلة الثانية، قالا مثل ذلك، فصليا طول الليل... فهكذا يفعلان في ثمانين سنة، وبقيا على تلك الحالة في ثمانين سنة في كل ليلة، من دون رجوع لأحدهما ومن دون اتفاق مضاجعة بينهما، فضلا عن شيء آخر). ولا يخفى أن هذا الشكر أفضل مراتب من صبرهما على بلاء العزوبة لو لم يحصل بينهما الجمع والوصول.

تتميم تفضيل الصبر على الشكر

إعلم أن الظاهر من بعض الأخبار: أن الصبر أفضل وأكثر ثوابا من الشكر. كما روي: (أنه يؤتى يوم القيامة بأشكر أهل الأرض، فيجزيه الله جزاء الشاكرين. ويؤتى بأصبر أهل الأرض، فقال له: أترضى أن نجزيك كما جزينا هذا الشاكر؟ فيقول: نعم يا رب! فيقول الله تعالى: كلا! أنعمت عليه فشكر، وابتليتك فصبرت، لأضعفن عليك الأجر عليه! فيعطى أضعاف جزاء الشاكرين). وكقوله (ع): (الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر). وهذا يدل على أفضلية الصبر من الشكر، لأن المشبه به أعلى رتبة من المشبه. وكقول الباقر (ع): (مروءة الصبر في حال الحاجة والفاقة والتعفف والغنى، أكثر من مروءة الإعطاء). ويؤيد ذلك قوله تعالى: (إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب). وينبغي أن يرتكب في أمثال هذه الأخبار تقييدان:

ص247

247 أحدهما - التقييد ببعض المراتب، بأن يقال: المراد أن بعض مراتب الصبر أفضل من بعض مراتب الشكر. وهذا مما لا ريب فيه، فإن من سلب أعز أولاده وابتلي بالفقر والمرض، ومع ذلك صبر ولم يجزع، فهو أفضل البتة ممن أعطي مالا كثيرا فقال: شكرا لله، الحمد لله، من دون إبداء عمل آخر من الطاعات لا وليس المراد أن كل ما يسمى صبرا أفضل من كل درجة من درجات الشكر. إذ البديهة حاكمة بأن الشكر على نعمة بالاشتغال بالطاعة والعبادات، وترك المعاصي سنين كثيرة متتالية، من دون فتور، أفضل وأعلى رتبة من منع النفس عن الجزع لأجل عشرة دراهم سرقت منه. وثانيهما - التقييد بخروجها على ما هو الظاهر عند جمهور الناس من الانفكاك بين الصبر والشكر. فإن الجمهور لا يفهمون من حبس النفس عن الجزع عند الابتلاء ببلية إلا الصبر، ولا يلتفتون إلى أن هذا الحبس نوع عبادة حصلت تعظيما لله، وهو عين الشكر. وكذا لا يفهمون من إظهار التحميد والاشتغال بالصلاة عند وصول نعمة إلا الشكر، ولا يلتفتون إلى أن هذا العمل عين منع النفس عن الكفران، وهو الشكر بعينه. ومنها:

• الفسق

وهو الخروج عن طاعة المبدأ الحقيقي وعبادته. وضده الطاعة، وهي تمجيد المبدأ والتخضع له بأداء ضروب العبادات المقررة في الشريعة. وعمدة العبادات الموظفة في الشريعة هي: الطهارة، والصلاة، والذكر، والدعاء، وتلاوة القرآن، والصوم، والحج، وزيارة النبي (ص) والأئمة عليهم السلام: والجهاد في سبيل الله، وأداء المعروف، الشامل للزكاة، والخمس، والصدقة المندوبة، وغيرها. والأخير - أعني أداء المعروف بأقسامه - قد تقدم. والجهاد في هذا الزمان ساقط. فنشير إلى بعض الأسرار والدقائق والآداب الباطنة المتعلقة بالبواقي، في مقاصد وخاتمة. وأما آدابها وأحكامها وشرائطها الظاهرة، فهي مذكورة في الفقهيات.

المقصد الأول الطهارة

- حقيقة الطهارة - ما ينبغي للمؤمن في الطهارة - إزالة

ص 248

الأوساخ - آداب الحمام - السر في إزالة الأوساخ. إعلم أن الطهارة والنظافة أهم الأمور للعباد. إذ الطهارة الظاهرة وسيلة إلى حصول الطهارة الباطنة، وما لم تحصل الأولى لم تحصل الثانية. ولذا ورد في مدحها ما ورد، قال الله سبحانه: (فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المتطهرين) (2). وقال: (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم) (3). وقال رسول الله (ص): (بني الدين على النظافة). وقال (ص): (الطهور نصف الإيمان). وقال (ص): (مفتاح الصلاة الطهور). وقال (ص): بئس للعبد القاذورة). وقال (ص): ((من اتخذ ثوبا فلينظفه). وقال أمير المؤمنين (ع): (النظيف من الثياب يذهب الهم والحزن، وهو طهور للصلاة). ثم للطهارة أربع مراتب: الأولى - تطهير الظاهر من الأحداث والأخباث والفضلات. الثانية - تطهير الجوارح من الجرائم والآثام والتبعات. الثالثة - تطهير القلب من مساوي الأخلاق ورذائلها. الرابعة - تطهير السر عما سوى الله تعالى، وهي تطهير الأنبياء والصديقين. والطهارة في كل مرتبة نصف العمل الذي فيها، إذ الغاية القصوى في عمل السر أن ينكشف له جلال الله وعظمته، وتحصل له المعرفة التامة، والحب والأنس. ولا يمكن حصول ذلك ما لم يرتحل عن ما سوى الله، ولذلك قال الله تعالى: (قل الله ثم ذرهم) 4. فإن الله وغيره لا يجتمعان في قلب واحد: (وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه) (5). فتطهير السر عما سوى الله نصف عمله، والنصف الآخر شروق نور

(هامش)

(2) التوبة، الآية: 109 (3) المائدة، الآية: 7 (4) الأنعام الآية: 91. (5) الأحزاب الآية: 4 (*)

ص 249

الحق فيه. والغاية القصوى في عمل القلب عمارته بالأخلاق المحمودة، والعقائد الحقة المشروعة. ولا يتصف بها ما لم ينظف عن نقائضها، من الأخلاق المذمومة، والعقائد الفاسدة. فتطهيرها عنها أحد الشطرين، والشطر الآخر تحليته بالفضائل والعقائد الحقة. وأما عمل الجوارح، فالمقصود منه عمارتها بالطاعات. ولا يمكن ذلك ما لم يطهر عن المعاصي والمناهي. فهذا التطهير نصف عملها، ونصفه الآخر عمارتها بالطاعات. وقس على ذلك الحال في المرتبة الأولى. وإلى ذلك الإشارة بقول النبي (ص): (الطهور نصف الإيمان). فإن المراد: أن تطهير الظاهر، والجوارح، والقلب، والسر، من النجاسات والمعاصي ورذائل الأخلاق وما سوى الله نصف الإيمان، ونصفه الآخر عمارتها بالنظافة والطاعات ومعالي الأخلاق، والاستغراق في شهود جمال الحق وجلاله. ولا تظنن أن مراده (ص) إن مجرد تطهير الظاهر عن النجاسات بإضافة الماء نصف الإيمان، مع تلوث الجوارح بأخباث المعاصي، وتنجس القلب بأقذار مساوي الأخلاق، وتشوش السر وتكدره بما سوى الله. فالمراد التطهير في المراتب الأربع، التي هي من مقامات الدين، وهي مرتبة يتوقف بعضها على بعض، ولا يمكن أن ينال العبد ما هو الفوق، ما لم يتجاوز ما دونه، فلا يصل إلى طهارة السر مما سوى الله، وعمارته بمعرفة الله، وانكشاف جلاله وعظمته، ما لم يفرغ عن طهارة القلب عن الأخلاق المذمومة، وتحليته بالملكات المحمودة. ولا يصل إلى ذلك ما لم يفرغ عن طهارة الجوارح من المعاصي وعمارتها بالطاعات. ولا يصل إلى ذلك ما لم يفرغ عن إزالة الخبث والحدث عن الظاهر، وعمارته بالنظافة والنزاهة.

فصل حقيقة الطهارة

طهارة الظاهر، إما عن الخبث، أو عن الحدث، أو عن فضلات البدن، وما يتعلق بها من الأحكام الظاهرة الواجبة والمحرمة والمندوبة والمكروهة، مستقصاة في كتب الفقه. وأما الآداب الباطنة لطهارة الخبث وإزالته عند التخلي لقضاء الحاجة،

ص 250

أن يتذكر عنده نقصه وحاجته، وخبث باطنه، وخسة حاله، وما يشتمل عليه من الأقذار، وكونه حامل النجاسات، ويتذكر باستراحة نفسه عند إخراجها، وسكون قلبه عن دنسها، وفراغه للعبادات والمناجات، وأن الأخلاق الذميمة التي في باطنها نجاسات باطنة، وأقذار كامنة، لتستريح نفسها عند إخراجها، ويطمئن قلبه من إزالة دنسها، وعند إخراجها يصلح للوقوف على بساط الخدمة، ويتأهل للقرب والوصول إلى حريم العزة. فكما يسعى أخراج النجاسات الظاهرة لاستراحة البدن مدة قليلة في الدنيا، فينبغي أن يجتهد أيضا في إخراج الأقذار الباطنة، والنجاسات الداخلة الغائضة (6) في الأعماق، المفسدة على الإطلاق، لتستريح الروح والبدن في الدنيا والآخرة أبد الآباد. قال الصادق (ع): (إنما سمي المستراح مستراحا لاستراحة النفس من أثقال النجاسات، واستفراغ الأقذار والكسافات فيها. والمؤمن يعتبر عندها أن الخالص من حطام الدنيا كذلك تصير عاقبته، فيستريح بالعدول عنها وتركها، ويفرغ نفسه وقلبه عن شغلها، ويستنكف عن جمعها وأخذها استنكافه عن النجاسة والغائط والقذر، ويتفكر في نفسه المكرمة في حال كيف تصير ذليلة في حال، ويعلم أن التمسك بالقناعة والتقوى يورث له راحة الدارين. فإن الراحة في هوان الدنيا، والفراغ من التمتع بها، وفي إزالة النجاسة من الحرام والشبهة. فيغلق عن نفسه باب الكبر بعد معرفته إياها، ويفر من الذنوب، ويفتح باب التواضع والندم والحياء، ويجتهد في أداء أوامره واجتناب نواهيه، طلبا لحسن المآب، وطيب الزلفى. ويسجن نفسه في سجن الخوف والصبر والكف عن الشهوات، إلى أن يتصل بأمان الله تعالى في دار القرار، ويذوق طعم رضاه، فإن المعلول على ذلك، وما عداه فلا شيء) (7). وينبغي أن يتأمل في أن ما دفع عنه من الغائط والقذر هو ما كان يشتهيه، ويحترص في طلبه من لذائذ الأطعمة وكلما كانت ألذ عفونتها أشد، فما

(هامش)

(6) الغائضة: الغائر. غيض الدمع حبسه وأخفاه (7) الحديث مذكور في (مصباح الشريعة)، الباب التاسع وفي (مستدرك الوسائل): 1 / 37 - 38، كتاب الطهارة. وفي الموضوعين اختلاف كثير عما ذكر هنا، فصححناه كما كان في الموضوعين. (*)

ص 251

كانت عاقبة ذلك، فليحذر من أن يأخذه من غير حله، فيعذب أبد الآباد لأجله

فصل ما ينبغي للمؤمن في الطهارة

ينبغي لكل مؤمن أن يستحضر عند اشتغاله بالطهارة عن الحدث: أن تكليفه بها للدخول في العبادات والمناجات مع خالق البريات إنما هو لكون أعضائه التي أمر بغسلها مباشرة للأمور الدنيوية، منهمكة في الكدورات الطبيعية، فخرجت عن أهلية القيام بين يدي الله سبحانه، والاشتغال بعبادته. فالأمر بغسلها، لتتطهر عن هذه الكدورات، فيتأهل للمناجاة. ولا ريب في أن مجرد غسلها لا يطهرها عن الأدناس الدنيوية والكدورات الجسمانية، ما لم يطهر قلبه عن الأخلاق الذميمة، والعلائق الدنيوية، ما لم يعزم على الرجوع إلى الله، والانقطاع عن الدنيا وشهواتها. فينبغي أن يكون قلبه عند الطهارة مطهرا عن ذمائم الصفات وخبائث الشهوات، جازما على فطام الأعضاء التي هي أتباعه وخدامه عن شهوات الدنيا، لتسري نوريته وطهارته إلى تلك الأعضاء، ثم أمر في الوضوء أولا: بغسل الوجه، الذي هو مجمع أكثر الحواس الظاهرة، التي هي أعظم الأسباب الباعثة على مطالب الدنيا، ليتوجه ويقبل بوجه للقلب على الله، وهو خال من تلك الأدناس، وثانيا: بغسل اليدين، له مباشرتهما أكثر الأمور الدنيوية والمشتهيات الطبيعية المانعة من الإقبال على الآخرة، وثالثا: بمسح الرجلين، للتوصل بهما إلى أكثر المطالب الدنيوية، والمقاصد الطبيعية. فأمر بتطهير جميعهما ليسوغ له الدخول بها في العبادات والاقبال عليها. وأمر في الغسل بغسل جميع البشرة، لأن أدنى حالات الإنسان وأشدها تعلقا بالملكات الشهوية حالة الوقاع، ولجميع بدنه مدخل في تلك الحالة. ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (تحت كل شعرة جنابة) فحيث كان جميع بدنه بعيدا عن المرتبة العلية، منغمسا في اللذات الدنية، كان غسله أجمع من أهم المطالب الشرعية، ليتأهل لمقابلة الجهة الشريفة، والدخول في العبادة المنيفة. وأمر في التيمم بمسح الأعضاء بالتراب، عند تعذر غسلها بالماء، وضعا لتلك

ص 252

الأعضاء الرئيسة، وهضما لها بملاقاتها أثر التربة الخسيسة. ثم لما كان القلب هو الرئيس الأعظم لهذه الجوارح والأعضاء، والمستخدم لها في تلك الأمور المبعدة عن جنابه تعالى، وهو الموضع لنظر الله سبحانه، كما قال (ص): (إن الله لا ينظر إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم)، فله من ذلك الحظ الأوفر والنصيب الأكمل. فيكون الاشتغال بتطهيره من الرذائل والتوجهات المانعة من درك الفضائل أولى من تطهير الأعضاء الظاهرة عند اللبيب العاقل. وإذا لم يمكن تطهيره من الأخلاق الرذيلة، وتحليته بالأوصاف الجميلة، لرسوخه على حب الدنيا الدنية، فليقمه في مقام الهضم والإزراء، ويسقيه بسياط الذل والاغضاء. كما إنه عند تعذر غسل الأعضاء بالماء يهضمها ويذللها بالوضع على التراب، عسى أن يرحم ربه تواضعه وانكساره، فيهبه نفحة من نفحات نوره اللامع، فإنه عند المنكسرة قلوبهم، كما ورد في الأثر، فترق من هذه الإشارات ونحوها إلى ما يوجب لك الإقبال، ويتدارك سالف الإهمال. ثم ما ذكر من السر في الطهارة، يمكن استنباطه - مع زيادة - من كلام مولانا الصادق (ع) في (مصباح الشريعة)، حيث قال: (إذا أردت الطهارة والوضوء، فتقدم إلى الماء تقدمك إلى رحمة الله، فإن الله تعالى قد جعل الماء مفتاح قربته ومناجاته، ودليلا إلى بساط خدمته، وكما أن رحمة الله تطهر ذنوب العباد كذلك النجاسات الظاهرة يطهرها الماء لا غيره، قال الله تعالى: (وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماء طهورا) (8). وقال الله - تعالى -: (وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون) (9). فكما أحيى به كل شيء من نعيم الدنيا، كذلك برحمته وفضله جعل حياة القلوب بالطاعات. وتفكر في صفاء الماء ورقته، وطهره وبركته، ولطيف امتزاجه بكل شيء. واستعمله في تطهير الأعضاء التي أمرك الله

(هامش)

(8) الفرقان، الآية: 48 (9) الأنبياء، الآية: 30 (*)

ص 253

بتطهيرها، وتعبدك بآدابها في فرائضه وسنته فإن تحت كل واحدة منها فوائد كثيرة، فإذا استعملتها بالحرمة انفجرت لك عيون فوائده عن قريب. ثم عاشر خلق الله تعالى كامتزاج الماء بالأشياء، يؤدي كل شيء حقه، ولا يتغير عن معناه، معتبرا لقول الرسول (ص): (مثل المؤمن الخالص كمثل الماء). ولتكن صفوتك مع الله تعالى في جميع طاعاتك كصفوة الماء حين أنزله من السماء وسماه طهورا، وطهر قلبك بالتقوى واليقين عند طهارة جوارحك بالماء) (10) ومن الأسرار الواردة في الطهارة وتخصيص بعض الأعضاء بالتطهير في الوضوء، ما أشار إليه مولانا الرضا (ع) بقوله: (إنما أمر بالوضوء ليكون العبد طاهرا إذا قام بين يدي الجبار عند مناجاته إياه مطيعا له، فيما أمره، نقيا من الأدناس والنجاسة، مع ما فيه من ذهاب الكسل، وطرد النعاس، وتزكية الفؤاد للقيام بين يدي الجبار. وإنما وجب ذلك على الوجه واليدين والرأس والرجلين، لأن العبد إذا قام بين يدي الجبار، فإنما ينكشف من جوارحه ويظهر ما يحب فيه الوضوء، وذلك أنه بوجهه يسجد ويخضع، وبيده يسأل ويرغب ويرهب ويتبتل، وبرأسه يستقبل في ركوعه وسجوده، وبرجليه يقوم ويقعد. وأمر بالغسل من الجنابة دون الخلاء، لأن الجنابة من نفس الإنسان، وهو شيء يخرج من جميع جسده والخلاء ليس هو من نفس الإنسان، إنما هو غذاء يدخل من باب ويخرج من باب) (11)

(هامش)

(10) صححنا الحديث على (مصباح الشريعة) الباب العاشر وعلى المستدرك): 1 / 51 - 52 كتاب الطهارة (11) هذه الرواية نقلها العلامة المجلسي قدس سره في (البحار) 18 / 56، باب علل الوضوء وثوابه وعقاب تركه، وعن (العيون والعلل) لشيخ المحدثين مولانا (الصدوق) - رضوان الله عليه - ولم أعثر عليها إلا في الموضع المذكور من (بحار الأنوار). ولا يخفى لأن ما نقله العلامة (المجلسي) - قدس الله روحه - في الوضع المذكور فيه اختلاف كثير عما ذكر في نسخ (جامع السعادات) الخطية والمطبوعة، بحيث لا يمكن تصحيح الرواية إلا بنقلها من (البحار) وذكرها في هامش الكتاب وذلك غير ممكن، لضيق المقام، فلأجله تركنا تصحيحها، لعل القارئ الكريم يقف على مصدر آخر لها فمن أراد الإطلاع على الرواية، فعليه بمراجعة (البحار) في الموضع المذكور (*)

ص 254

فصل في إزالة الأوساخ

ينبغي لكل مؤمن أن يطهر بدنه من فضلاته ودرنه وأوساخه، كشعر الرأس بالحلق، وشعر الأنف والشارب وما طال من اللحية بالقبض، وشعر الإبط والعانة وسائر الأعضاء بالنورة، وكأظافر اليدين والرجلين بالقلم، وما يجتمع من الوسخ والقمل في شعر الرأس واللحية بالغسل والتسريح بالمشط، وما يجتمع من الوسخ في معاطف الأذنين بالمسح ومثله، وما يجتمع منه على الأسنان وأطراف اللسان بالسواك والمضمضة، وما يجتمع في الأنف من الرطوبات الملتصقة بالاستنشاق، وما يجتمع من الوسخ تحت الأظافر بالطعام والغسل، وما يجتمع من الدرن على جميع بدنه، وترشيح العرق وغبار الطريق بالدخول في الحمام

تنبيه آداب الحمام

ينبغي لمن يدخل الحمام، أن يتذكر بحرارته حر النار، ويقدر نفسه محبوسا في البيت ساعة، ويقيسه إلى جهنم، ويستعيذ بالله منها. قال الصادق (ع): (فإذا دخلت البيت الثالث، فقل: نعوذ بالله من النار ونسأله الجنة. وترددها إلى وقت خروجك من البيت الحار) وقال أمير المؤمنين (ع): نعم البيت الحمام، يذهب بالدرن، وتذكر فيه النار). وفيه إشارة إلى أنه ينبغي للعاقل ألا يغفل عن ذكر الآخرة في لحظة، فإنها مقره ومستقره. فيكون له في كل ما يراه، من ماء أو نار أو غيرهما، عبرة وموعظة. فإن المرء ينظر في كل شيء بحسب همته. فالبزاز إذا دخل دار معمورة مفروشة ينظر إلى الفرش ويتأمل في قيمتها. والحائك إذا دخلها ينظر إلى الثياب ويتأمل في كيفية نسجها، والنجار إذا دخلها ينظر إلى أبوابها وشبابيكها ويتأمل في كيفية نجرها وتركيبها، والبناء إذا دخلها ينظر إلى الحيطان والسقف وكيفية بنائها وأحكامها واستقامتها. فكذلك سالك طريق الآخرة، لا ينظر إلى شيء إلا وتكون له موعظة وعبرة من

ص 255

الآخرة، فإن نظر إلى ظلمة تذكر ظلمة اللحد، وإن نظر إلى نار تذكر نار جهنم، وإن نظر إلى حية تذكر أفاعي جهنم، وإن سمع صوتا هائلا تذكر نفخة الصور، وإن نظر إلى صورة قبيحة تذكر صورة النكيرين والزبانية، وإن رأى المحاسبة بين قوم تذكر محاسبة الآخرة، وإن سمع كلمة رد أو قبول تذكر ما ينكشف له في آخر أمره بعد الحساب من الرد والقبول، وإن رأى شيئا حسنا تذكر نعيم الجنة... إلى غير ذلك.

تتميم السر في إزالة الأوساخ

السر في إزالة الأوساخ المذكورة عن البدن ظاهر، فإنها توجب تنوير القلب، وانشراح الصدر، وطرد الشيطان. إذ هي كسافات مانعة عن النورية والتجرد، فتشمئز منها الملائكة، ويرغب إليها الشياطين. ومن تأمل في الأحكام والآداب التي جاء بها رسول الله (ص)، وكانت له بصيرة ناقدة، يعلم أن شيئا منها لا يخلو عن حكمة، حتى أن ما صدر عنه في الآداب والحركات والأفعال والأقوال، من ترتيب خاص، أو تخصيص بعدد معين، أو ابتداء من موضع خاص، أو بواحد معين من الأشياء المتماثلة، يتضمن حكما أو حكمة البتة. مثال ذلك: أنه (ص) كان يكتحل في عينه اليمنى ثلاثا وفي عينه اليسرى اثنين، والسر في هذا الترتيب وهذا التخصيص: أن اليمنى أشرف العينين فبدأ بها، وتفاوته بين العينين لتكون الجملة وترا، فإن للوتر فضلا على الزوج، لأن الله وتر يحب الوتر، فلا ينبغي أن يخلو فعل العبد عن مناسبة لوصف من أوصاف الرب، وإنما لم يقتصر على الثلاث وهو وتر، لأن اليسرى حين إذ لا تخصها إلا واحدة، والغالب أن الواحدة لا تستوعب أصول الأجفان بالكحل، وإنما خصص اليمين بالزيادة لأن التفضل لا بد منه للإيثار، واليمين أفضل، فهو بالزيادة أحق، وإنما اقتصر على الاثنين لليسرى مع كونه زوجا، إذ الزوجية في أحداهما لازمة ضرورية، إذ لو جعل لكل واحد وترا لكان المجموع زوجا إذ الوتر مع الوتر زوج، ورعاية الإيثار في مجموع الفعل وهو في حكم الخصلة الواحدة أحب من رعايته في الآحاد. مثال آخر. روى الجمهور

ص 256

في تقليم الأظافر: (أن رسول الله (ص كان يبدأ) عند تقليم أظافره الشريفة بمسبحة اليمنى، ويختم بإبهام اليمنى، بأن يبتدأ من مسبحتها إلى خنصرها، ثم يبتدأ من خنصر اليسرى إلى إبهام اليمنى). وفي طريقنا روايتان: إحداهما أن يبدأ بخنصر اليمنى ويختم بخنصر اليسرى. وأخراهما بعكس ذلك، وهي أشهر. فالسر على رواية الجمهور - كما قيل - أن اليد اليمنى أشرف من اليسرى فيبتدأ بها، ثم على اليمنى خمسة أصابع والمسبحة أشرفها فيبتدأ بها، ثم ينبغي بما يبتدأ بما على يمينها لكون اليمنى أشرف، ولذا استحب في الشرع وضع الطهور وغيره على اليمنى. ولا ريب في أنه إذا وضعت الكف على الأرض فيمين مسبحة اليمنى هي الوسطى، ووضع ظهر اليد على الأرض وإن اقتضى كون الإبهام هو اليمنى، إلا أن الاعتبار الأول أولى، إذ اليد إذا تركت بطبعها كانت الكف مائلة إلى جهة الأرض، لأن جهة حركة اليد اليمنى إلى جهة اليسرى، واليسرى إلى جهة اليمنى، واستتمام حركة كل منها في جهة بجعل الكف على الأرض وظهرها عاليا، وإذا كانت الكف مائلة إلى جهة الأرض فاعتبار ما يقتضيه الطبع أولى، فتكون يمين المسبحة هي الوسطى. ثم إذا وضعت الكف على الكف، صارت الأصابع في حكم حلقة دائرة، فيقتضي ترتيب الدور الذهاب من يمين المسبحة إلى أن يعود إلى المسبحة، فتقع البداءة بخنصر اليسرى والختم بإبهامها، ويبقى إبهام اليمنى، وإنما قدرت الكف موضوعة على الكف حتى تصير الأصابع كأشخاص في حلقة ليظهر ترتيبها، وتقدير ذلك أولى من تقدير وضع الكف على ظهر الكف، فإن ذلك لا يقتضيه الطبع. هذا، وأما السر على الرواية الأولى من طريقنا، فكأنه اعتبار الأصابع العشرة في حكم صنف واحد ثابت على الأرض والابتداء باليمين، فاكتفى بما يرى بالنظر الجليل مع ترك اليد بطبعها. وأما الرواية الثانية، فلعل السر فيها تحصيل التيامن في كل إصبع بعد الأولى مع الترتيب فيها، ووضع اليدين على ما يقتضيه الطبع. هذا، وأما أصابع الرجل، فلم نعثر على خبر يدل على كيفية الابتداء والترتيب فيها، فينبغي اعتبار أحد الطريقين

ص 257

المرويين عندنا فيها، ولعل اعتبار الأولى لأظهرية سرها أولى، وينبغي أن يكون تقليم أظافرها بعد تقليم أظافر اليدين أن وقعا في وقت واحد، إذ اليد أشرف من الرجل. وقس على ما ذكر سائر ما ورد من الآداب والتخصيصات، فإنه لا يخلو شيء منها على سر حكمي، وإن كانت عقولنا قاصرة عن أدراك أكثرها.

المقصد الثاني الصلاة

- حقيقة الصلاة - حضور القلب - دفع إشكال - شرائط الصلاة - طريق تحصيل المعاني الباطنة - أسرار الصلاة - الوقت - آداب الصلاة - آداب المصلي - الاستقبال - القيام - التكبيرات - النية - تكبيرة الاحرام - دعاء الاستفتاح - الاستعاذة - الركوع - السجود - التشهد - التسليم - إفاضة الأنوار على المصلي على قدر صفائه - ما ينبغي في إمام الجماعة - ما ينبغي في صلاة الجمعة والعيدين - ما ينبغي لمؤمن عند ظهور الآيات. إعلم أن الصلاة معجون سماوي وتركب إلهي، ركبت من أجزاء كثيرة مختلفة، متفاوتة في الفضل والاهتمام بها. فبعضها بمنزلة الروح، وبعضها بمثابة الأعضاء الرئيسة، وبعضها بمنزلة سائر الأعضاء. وتوضيح ذلك: إن الإنسان - مثلا - لما كان حقيقة مركبة من أجزاء معينة، فهو لا يكون إنسانا موجودا كاملا إلا بمعنى باطن هو الروح، وأعضاء محسوسة بعضها في جوفه وبعضها في ظاهرة. وهذه الأعضاء متفاوتة المراتب، إذ بعضها مما ينعدم الإنسان بعدمه وتزول الحياة بزواله، كالقلب والدماغ والكبد والمعدة وأمثالها، وبعضها وإن لم ينعدم بعدمه أصل الحياة، إلا أنه ترتفع به تمامية الإنسان ويصير ناقصا، كاليد والرجل والعين وأمثالها، وبعضها يفوت بفواته الحسن، كالحاجبين واللحية والأهداب وأمثالها، وبعضها يفوت بفواته كمال الحسن لا أصله، كاستقواس الحاجبين وتناسب الخلقة، وسواد شعر اللحية، وامتزاج البياض بالحمرة، وأمثال ذلك. وكذلك الصلاة حقيقة مركبة، وصورة صورها الشرع من أمور متفاوتة، وتعبدنا باكتسابها. فروحها: النية، والقربة، وحضور القلب،

ص 258

والاخلاص. وأعمالها الأركانية: من تكبيرة الاحرام، والركوع، والسجود، والقيام، بمنزلة الأعضاء الرئيسية، فتفوت بفواتها الصلاة على الإطلاق، ولا يمكن تحققها وصحتها بدونها. وسائر الأعمال الواجبة: من الفتحة، والسور، وإذ كان الركوع، والسجدتين، والطمأنينة فيها، وفي رفع الرأس عنها، والتشهد، والتسليم، وغير ذلك من الأعمال الواجبة التي تبطل الصلاة بتركها عمدا لا سهوا، بمنزلة اليدين والرجلين وآلات التناسل وغير ذلك، مما قد تفوت الحياة بزوالها وقد لا تفوت به، والأعمال المسنونة والهيئات المندوبة، والآداب المستحبة: من القنوت، ودعاء الافتتاح، وغير تكبير الاحرام من التكبيرات والتعوذ عن زائد قدر الواجب في التشهد والتسليم من الأذكار، وغير ذلك مما لا تبطل الصلاة بتركها عمدا أو سهوا، ولكن تخرج بها عن الحسن والكمال وزيادة الأجر والثواب، فهي بمنزلة، الحاجبين واستقواسهما واللحية والأهداب وتناسب الخلقة وغير ذلك مما يفوت بعضها الحسن والجمال وبفوات بعض كمالها، ويصير الشخص بسببه مشوه الخلقة مذموما غير مرغوب فيه. وإذا عرفت ذلك: فاعلم - يا حبيبي - أن صلاتك قربة وتحفة تتقرب بها إلى حضرة ملك الملوك، كوصيفة يهديها طالب القرب والجاه من السلاطين إليهم. وهذه التحفة تعرض على الله ثم ترد إليك في يوم العرض الأكبر، فإليك الخيرة في تحسين صورتها أو تقبيحها، فمن أداها على النحو المأمور به، بأعمالها الواجبة والمندوبة، وشرائطها الظاهرة والباطنة، مع الإخلاص، وحضور القلب، كان كمن أهدى عبدا صحيحا سويا شابا جميلا عاقلا كاملا إلى ملك من الملوك. ومن اقتصر على أعمالها الظاهرة، وغفل من الحضور والتوجه والقربة والاخلاص، كان كمن أهدى عبدا ميتا بلا روح إلى ملك من الملوك. ومن ترك عمدا شيئا من واجباته، كان كمن أهدى عبدا مقتولا إليه. ومن اقتصر على أقل ما يجزي كان كمن أهدى إليه عبد حي أعمى، أو أصم، أو أبكم، أو مقطوع الأطراف، أو هرما، أو قبيح المنظر، أو مجروح الأعضاء، أو أمثال ذلك. فتنبه أيها الغافل، وتأمل في أنك إذا أهديت تحفة إلى ملك من ملوك الدنيا، بل إلى من دونه بمراتب كثيرة،

ص 259

من الأمراء والحكام، كيف تجتهد وتسعى في تجويدها وتحسينها ليقبلها، فما بالك أيها المغرور تغفل وتتساهل من تحسين هديتك وتحفتك إلى ملك الملوك الذي منه بدؤك وإليه عودك؟! وقد ورد: أن كل صلاة لا يتم الإنسان ركوعها وسجودها فهي الخصم الأول على صاحبها يوم العرض الأكبر، وتقول (ضيعك الله كما ضيعتني!)

فصل حقيقة الصلاة

لا بحث لنا عما يتعلق بظاهرها من الأجزاء والشرائط والأحكام، إذ بيانها على عهدة الفقه فالنشر إلى المعاني الباطنة التي بها تتم حياتها، وإلى الأسرار والآداب الخفية الباطنة المتعلقة بأجزائها وشرائطها الظاهرة، لتكون ملحوظة للعبد عن فعلها. فنقول: المعاني الباطنة التي هي روح الصلاة وحقيقتها، سبعة: الأول - الإخلاص والقربى، وخلوها من شوائب الرياء. وقد تقدم تفصيل القول في ذلك. الثاني - حضور القلب: وهو أن يفرغ القلب من غير ما هو ملابس له ومتكلم به، حتى يكون العلم مقرونا بما يفعله وما يقوله، من غير جريان الفكر في غيرها. فمهما انصرف الفكر عن غير ما هو فيه، وكان في قلبه ذكر لما هو فيه من غير غفلة عنه، فقد حصل حضور القلب. ثم حضور القلب قد يعبر عنه بالاقبال على الصلاة والتوجه، وقد يعبر عنه بالخشوع بالقلب فإن الخشوع في الصلاة خشوعان: خشوع القلب: وهو أن يتفرغ لجمع الهمة لها، والإعراض عما سواه، بحيث لا يكون في قلبه غير المعبود. وخشوع بالجوارح: وهو أن يغض بصره، ولا يلتفت، ولا يعبث، ولا يتثائب، ولا يتمطى، ولا يفرقع أصابعه وبالجملة: لا يتحرك لغير الصلاة ولا يفعل شيئا من المكروهات، وربما عبر ذلك بالخضوع. الثالث - التفهم لمعنى الكلام: وهو أمر وراء حضور القلب. فربما يكون القلب حاضرا مع اللفظ، ولا يكون حاضرا مع معناه فالمراد بالتفهم هو اشتمال القلب على العلم بمعنى اللفظ. وهذا مقام يتفاوت

ص 260

فيه الناس، إذ ليس يشترك الناس في تفهم معاني القرآن والتسبيحات، فكم من معان لطيفة يفهمها بعض المصلين في أثناء الصلاة ولم يكن قد خطر بقلبه قبل ذلك ولا يفهمها غيره. ومن هذا الوجه كانت الصلاة ناهية عن الفحشاء والمنكر، فإنها تفهم أمورا تمنع تلك الأمور عن الفحشاء والمنكر لا محالة. الرابع - العظيم: وهو أمر وراء حضور القلب والتفهم. إذ الرجل ربما يخاطب غيره، وهو حاضر القلب فيه، ومتفهم لمعناه، ولا يكون معظما له. الخامس - الهيبة: وهي زائدة على التعظيم لأنها عبارة عن خوف منشأه التعظيم، لأن من لا يخاف لا يسمى هائبا. ثم كل خوف لا يسمى مهابة، بل الهيبة خوف مصدره الاجلال. السادس - الرجاء: ولا ريب في كونه زائدا عما ذكر. فكم من رجل يعظم ملكا من الملوك، ويهابه ويخاف سطوته، ولا يرجو بره وإحسانه، والعبد ينبغي أن يكون راجيا بصلاته ثواب الله، كما أنه خائف بتقصيره عقابه السابع - الحياء: ومستنده استشعار تقصير وتوهم ذنب، وهو زائد على التعظيم والخوف والرجاء، لتصورها من غير حياء، حيث لا يكون توهم وتقصير ارتكاب ذنب.

فصل حضور القلب

إعلم أن كون الأمور المذكورة روح الصلاة وحقيقتها، والمقصود الأصلي منها، أمر ظاهر. إذ الغرض الأصلي من العبادات والطاعات هي تصفية النفس وتصقيلها، فكل عمل يكون أشد تأثيرا فيهما يكون أفضل. ولا ريب في أن المقتضي لصفاء النفس وتجردها وتصقيلها عن الكدورات من الصلاة ليس إلا الأمور المذكورة، وليس لنفس الحركات الظاهرة كثير مدخلية فيها، وكيف لا يكون حضور القلب والخشوع روح الصلاة ولا يتوقف كمال الصلاة عليه، مع أن المصلي في صلاته ودعائه مناج ربه؟ ولا شك أن الكلام مع الغفلة ليس بمناجاة، وأيضا الكلام إعراب عما في الضمير، ولا يأتي الإعراب عما في الضمير إلا بحضور القلب، فأي سؤال في قوله: (اهدنا السراط

ص 261

المستقيم) إذا كان القلب غافلا؟ ولا شك أيضا أن المقصود من القراءة والأذكار الثناء والحمد والتضرع والدعاء، والمخاطب هو الله - تعالى -، فإذا كان قلب العبد محجوبا عنه بحجاب الغفلة، ولا يراه ولا يشاهده، بل كان غافلا عن المخاطب، ويحرك لسانه بحكم العادة، فما أبعد هذا المقصود بالصلاة التي شرعت لتصقيل القلب، وتجديد ذكر الله، ورسوخ عقد الإيمان بها. هذا حكم القراءة والذكر. وأما الركوع والسجود، فالمقصود منهما التعظيم قطعا، والتعظيم كيف يجتمع مع الغفلة، وإذا خرج عن كونه تعظيما لم يبق إلا مجرد حركة الظهر والرأس وليس فيه المشقة ما يقصد الامتحان به، كما في أفعال الحج وإعطاء المال في الزكاة، وإمساك النفس عن الشهوات في الصوم. فكيف يجعل مجرد هذه الحركة مع خفتها وسهولتها عماد الدين، والفاصل بين الكفر والإسلام، وتقدم على سائر العبادات، ويجب القتل بسبب تركها على الخصوص، ولكون الحضور والخشوع والخشية عمدة ما يقصد به من الصلاة تظاهرت الآيات والأخبار على الترغيب عليها وفضيلتها ومدح أهلها وعلى ذم الغفلة والتفكر في أمور الدنيا والوساوس الباطلة عند الاشتغال بالصلاة، وقد تظاهرت الأخبار أيضا بأن الأنبياء والأوصياء وأكابر الأولياء كانوا عند اشتغالهم في الصلاة في غاية الإقبال والخشوع والخوف. قال الله - سبحانه -: (الذين هم في صلاتهم خاشعون) (12). وقال: (وأقم الصلاة لذكري) (13). والغفلة تضاد الذكر، فمن كان غافلا في صلاته لا يكون مقيما للصلاة لذكره. وقال: (ولا تكن من الغافلين) (14). وقال: (فويل للمصلين، الذين هم عن صلاتهم ساهون) (15)، ذمهم على الغفلة عنها مع كونهم مصلين، لا لأنهم سهوا عنها وتركوها. وقال: (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون) 16.

(هامش)

(12) المؤمنون، الآية: 2. (13) طه، الآية: 14 (14) الأعراف، الآية: 204 (15) الماعون، الآية: 4 - 5. (16) النساء، الآية: 42. (*)

ص 262

قيل المراد: سكارى من كثرة الهم، قيل: من حب الدنيا، ولو حمل على ظاهره ففيه تنبيه على سكر الدنيا، إذ بين فيه العلة، وقال: حتى تعلموا ما تقولون. وكم من مصل لم يشرب الخمر وهو لا يعلم ما يقول في صلاته وقال رسول الله (ص) (من صلى ركعتين، لم يحدث فيهما نفسه بشيء من الدنيا، غفر له ما تقدم من ذنبه). وقال (ص): (إذا صليت صلاة فريضة، فصل لوقتها صلاة مودع يخاف ألا يعود فيها). وقال (ص): (لا ينظر الله إلى صلاة لا يحضر الرجل فيها قلبه مع بدنه). وقال (ص): (إنما فرضت الصلاة، وأمر بالحج والطواف، وأشعرت المناسك، لإقامة ذكر الله، فإذا لم يكن في قلبك للمذكور الذي هو المقصود والمبتغى عظمة ولا هيبة، فما قيمة ذكرك،!). وعن أبي عبد الله (ع) قال: (قال الله - تبارك وتعالى -: إنما أقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي، ويكف نفسه عن الشهوات من أجلي، ويقطع نهاره بذكري، ولا يتعاظم على خلقي ويطعم الجائع، ويكسو العاري، ويرحم المصاب، ويؤوي الغريب، فذلك يشرق نوره مثل الشمس، أجعل له في الظلمات نورا، وفي الجهالة علما، أكلأه بعزتي، وأستحفظه بملائكتي يدعوني فألبيه، ويسألني فأعطيه. فمثل ذلك عندي كمثل جنات الفردوس لا تيبس ثمارها، ولا تتغير عن حالها) (17). وفي أخبار موسى: (يا موسى، إذا ذكرتني فاذكرني وأنت تبغض أعضاءك، وكن عند ذكري خاشعا مطمئنا. وإذا ذكرتني فاجعل لسانك من وراء قلبك. وإذا قمت بين يدي فقم قيام العبد الذليل، وناجني بقلب وجل ولسان صادق). وأوحى إليه (ع): - (قل لعصاة أمتك: لا تذكروني، فإني آليت على نفسي أن من ذكرني ذكرته، وإذا ذكروني ذكرتهم باللعنة). وفي بعض الأحاديث القدسية: (ليس كل مصل أتقبل صلاته، إنما أقبل صلاة من تواضع لعظمتي، ولم يتكبر على عبادي، وأطعم الفقير الجائع لوجهي). وقال أمير المؤمنين: (طوبى لمن أخلص لله العبادة والدعاء، ولم يشتغل

(هامش)

(17) الحديث مروي في (بحار الأنوار): 18 / 196 آداب الصلاة عن (المحاسن)، وفيه اختلاف كثير عما ذكر في نسخ (جامع السعادات) فصححناه على الموضع المذكور من (بحار الأنوار).

ص 263

قلبه بما تراه عيناه، ولم ينس ذكر الله بما تسمع أذناه، ولم يحزن صدره بما أعطي غيره). وقال (ع): (لا تجتمع الرغبة والرهبة في قلب إلا وجبت له الجنة، فإذا صليت، فأقبل بقلبك على الله - عز وجل -، فإنه ليس من عبد مؤمن يقبل بقلبه على الله - عز وجل - في صلاته ودعائه، إلا أقبل عليه بقلوب المؤمنين، وأيده مع مودتهم إياه بالجنة). وقال الباقر (ع): (إن العبد ليرفع له من صلاته نصفها وثلثها وربعها وخمسها، فما يرفع له إلا ما أقبل عليه بقلبه، وإنما أمروا بالنوافل ليتم لهم ما نقصوا من الفريضة). وروي: (أن إبراهيم الخليل كان يسمع تأويله على حد ميل، وكان يسمع له في صلاته أزيز كأزيز المرجل) (18). وكذلك كان يسمع من صدر سيدنا رسول الله (ص) مثل ذلك. وقال بعض أزواجه: (كان النبي (ص) يحدثنا ونحدثه، فإذا حضرت الصلاة، فكأنه لم يعرفنا ولم نعرفه). وكان أمير المؤمنين (ع) إذا أخذ في الوضوء، يتغير وجهه من خيفة الله. وكان (ع) إذا حضر وقت الصلاة يتزلزل ويتلون، فقيل له: مالك يا أمير المؤمنين؟ فيقول: (جاء وقت أمانة عرضها الله على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان). وروي: (أنه وقع نصل في رجله (ع)، فلم يمكن أحدا من إخراجه. فقالت فاطمة - عليها السلام -: أخرجوه في حال صلاته، فإنه لا يحس حينئذ بما يجري عليه. فأخرج وهو في صلاته، فلم يحس به أصلا). وكانت الصديقة فاطمة - عليها السلام) تنهج (19) في الصلاة من خيفة الله. وكان الحسن ابن علي - عليهما السلام - إذا فرغ من وضوءه، تغير لونه، فقيل له في ذلك، فقال: (حق على من أرادا أن يدخل على ذي العرش أن يتغير لونه). وكان الإمام علي بن الحسين - عليهما السلام - إذا توضأ أصفر لونه، فيقال له: ما هذا الذي يعتريك عند الوضوء؟ فيقول: (أني أريد الوقوف بين يدي ملك عظيم). وقال أبو حمزة الثمالي: (رأيته يصلي، فسقط رداؤه عن منكبه، فتركه حتى فرغ من صلاته، فسألته عن ذلك،

(هامش)

(18) الأزيز: صوت غليان القدر. والمرجل - وزان منبر -: القدر من الحجارة. (19) النهج - بالتحريك -: تتابع النفس واللهاث. (*)

ص 264

فقال: ويحك! أتدري بين يدي من كنت؟ شغلني والله ذلك عن هذا! أتعلم أنه لا يقبل من صلاة العبد إلا ما أقبل عليه. فقلت له: يا ابن رسول الله، هلكنا إذا. قال: كلا! إن الله يتم ذلك بالنوافل). وروي: أنه (ع) إذا قام إلى الصلاة تغير لونه، وإذا سجد لم يرفع رأسه حتى يرفض عرقا). وروي: (أنه (ع) كان إذا قام إلى الصلاة كأنه ساق شجرة، لا يتحرك منه إلا ما حركت الريح منه). وسئل مولانا الصادق (ع) عن حالة لحقته في الصلاة حتى خر مغشيا عليه، فقال: (ما زلت أكرر آيات القرآن حتى بلغت إلى حال كأنني سمعتها مشافهة ممن أنزلها) (20). قيل: وكان لسان الإمام (ع) في تلك الحال كشجرة طور حين قالت: (أني أنا الله). وسئل بعض الأكابر عن صلاته، فقال: ((إذا جاءت الصلاة، أسبغت الوضوء وأتيت الموضع الذي أريد الصلاة فيه، فأقعد فيه حتى تجتمع جوارحي، ثم أقوم إلى الصلاة فأجعل الكعبة بين حاجبي، والصراط تحت قدمي والجنة عن يميني، والنار عن شمالي، وملك الموت ورائي، وأظنها آخر صلاتي، ثم أقوم بين الرجاء والخوف وأكبر تكبيرا بتحنن، وأقرأ القرآن بترتيل، وأركع ركوعا بتواضع، وأسجد سجودا بتخشع، وأقعد على الورك اليسرى، وأفرش ظهر قدميها، وأنصب القدم اليمنى على الإبهام وأتبعها الإخلاص، ثم لا أدري أقبلت مني أم لا!). ثم، على ما عرفت من كيفية صلاة الأنبياء والأولياء مع مشاهدة كيفية صلاتك وصلاة الناس، تعلم: أن الناس ينقسمون في صلاتهم: إلى غافل يتم صلاته ولا يحضر قلبه في لحظة. وإلى من يغفل في بعض صلاته ويحضر قلبه في بعض منها، وهذا تختلف حاله بحسب قلة كل من الحضور والغفلة وكثرتهما، وزيادة أحدهما على الآخر، فله مراتب غير متناهية. وإلى من يتم صلاته ولا يغيب قلبه لحظة، بل يكون حاضر القلب في جميع صلاته وربما كان مستوعب الهم بها، بحيث لا يحس بما يجري بين يديه كما لم يحس مولانا أمير المؤمنين (ع) بإخراج النصل من رجله الشريفة.

(هامش)

(20) صححنا الأحاديث الواردة في الصلاة على بحار الأنوار: 18 / 169 - 202، باب آداب الصلاة. (*)

ص 265

وبعضهم حضر الجماعة مدة، ولم يعرف قط من على يمينه ويساره. وكان وجيب الخليل يسمع على ميلين. وكان جماعة تصفر وجوههم، وترتعد فرائضهم عند الصلاة. وكل ذلك غير مستبعد، فإن إضعافه مشاهدة في هم الدنيا وخوف ملوك الدنيا، مع ضعفهم وعجزهم، وخساسة الحظوظ الحاصلة منهم. وحتى يدخل الرجل على ملك أو وزير، ويحدثه بمهم ويخرج، ولو سئل عمن كان على حواليه، وعن ثوب الملك، لكان غير قادر على الإخبار عنه، لاشتغال همه به عن ثوبه وعن الحاضرين حوله: (ولكل درجات مما عملوا) (21). فحظ كل واحد من صلاته بقدر خوفه وخشوعه وتعظيمه. فإن موضع نظر الله القلوب، دون ظاهر الحركات. ولذا قال بعض الصحابة: (يحشر الناس يوم القيامة على مثال هيئتهم في الصلاة، من الطمأنينة والهدوء، ومن وجود النعم واللذة والبهجة بها) فالمحفوظ حال القلب لا حال الشخص. ولذا قيل (من صفات القلوب تصاغ الصور في دار الآخرة، ولا ينجو: (إلا من أتى الله بقلب سليم)) (22)

تنبيه دفع إشكال

إن قيل: المستفاد من الظواهر المذكورة، أن صلاة الغافل ليست مقبولة إلا بقدر ما أقبل عليه منها، والفقهاء لم يشترطوا إلا حضور القلب عند النية والتكبير، فكيف التوفيق؟ قلنا: فرق بين القبول والإجزاء، فإن المقبول من العبادة ما يقرب العبد إلى الله ويترتب عليه الثواب في الآخرة، والمجزي منها ما يسقط التكليف عن العبد، وإن لم يترتب عليه ثواب ولم يقربه إلى الله. والناس مختلفون في تحمل التكليف، فإن التكليف إنما هو بقدر الوسع والطاقة، فلا يمكن أن يكلف الجميع بإحضار القلب في جميع الصلاة، إذ لا يقدر على ذلك إلا الأقلون. وإذ لم يمكن اشتراط الإستيعاب الضرورية فلا

(هامش)

(21) الأنعام، الآية: 132. الأحقاف، الآية: 19 (22) الشعراء، الآية: 89 (*)

ص 266

مرد له إلا أن يشترط ما ينطلق عليه الاسم، ولو في اللحظة الواحدة، وأولى اللحظات به لحظة التكبير والتوجه، فاقتصر على التكليف بذلك. ونحن - مع ذلك - نرجو ألا يكون حال الغافل في جميع صلاته مثل حال التارك بالكلية، فإنه على الجملة أقدم على الفعل ظاهرا، واحضر القلب لحظة، وكيف لا والذي صلى مع الحدث ناسيا صلاته باطلة عند الله، ولكن له أجر ما بحسب فعله وعلى قدر قصوره وعذره؟ والحاصل: أن الإقبال والحضور هو روح الصلاة، وإن أقل ما يبقى به الروح الحضور عند التكبير، فالنقصان منه هلاك، وبقدر الزيادة عليه تنبسط الروح في أجزاء الصلاة، وكم من حي لا حراك فيه قريب من الميت، فصلاة الغافل في جميعها، إلا عند التكبير، حي لا حراك فيه.

فصل شرائط الصلاة

إعلم أن للمعاني الباطنة المذكورة أسبابا لا تتحقق بدونها. أما حضور القلب: فسببه الاهتمام. فإن قلت: كل واحد تابع لهمه، فلا يحضر إلا فيما يهمه، ومهما أهمه أمر حضر فيه قلبه، شاء أو لم يشأ، فهو مجبول عليه مسخر فيه، والقلب إذا لم يحضر في الصلاة لم يكن متعطلا، بل كان حاضرا فيما يهمه من أمور الدنيا. فلا حيلة ولا علاج لإحضار القلب في الصلاة إلا بصرف الهمة إليها، والهمة لا تنصرف إليها ما لم يتيقن أن الآخرة خير وأبقى، وإن الصلاة وسيلة إليها. وإذا أضيف إلى هذا العالم بحقارة الدنيا ومهانتها، حصل من مجموع ذلك حضور القلب في الصلاة. ولكون الباعث والسبب لإحضار القلب في أمر إنما هو الاهتمام والاعتناء بشأنه، ترى قلبك يحضر إذا حضرت بين يدي ملك من ملوك الدنيا، بل بين يدي بعض الأكابر ممن لا يقدر على نفعك وضرك. فإذا كان لا يحضر قلبك عند المناجاة مع ملك الملوك الذي بيده الملك والملكوت، والنفع والضر، فلا تضنن أن له سببا سوى ضعف الإيمان واليقين. فينبغي حينئذ السعي في تقوية اليقين والإيمان. وأما التفهم: فسببه - بعد حضور القلب - أدمان الفكر، وصرف

ص 267

الذهن إلى إدراك المعنى. وعلاجه ما هو علاج إحضار القلب، مع الإقبال على الفكر، والتشمر لرفع الخواطر الشاغلة بقطع موادها، أعني النزوع عن الأسباب التي تنجذب الخواطر إليها. وما لم تنقطع تلك المواد لا تنصرف عنها الخواطر. فإن من أحب شيئا أو أبغض شيئا أو خاف من شيء، أكثر ذكره. فذكر المحبوب والمبغوض والمخوف يهجم على القلب بالضرورة. ولذا ترى أن من أحب غير الله أو كان قلبه مشغولا بعداوة أحد أو بالخوف عنه، لا تصفو له صلاة عن الخواطر. وأما التعظيم: فهو حالة للقلب يتولد من معرفتين: إحداهما: معرفة جلال الله وعظمته، فإن من لا يعتقد عظمته لا تذعن النفس لتعظيمه، وهذه المعرفة حقارة النفس وخستها وذلتها، وكونها عبدا مسخرا مربوبا لا يقدر شيئا من النفع والضر وتتولد من المعرفتين الاستكانة والانكسار والخشوع لله، فيعبر عنه بالتعظيم، وما لم تمتزج معرفة حقارة النفس بمعرفة جلال الرب لا تنتظم حالة التعظيم والخشوع، فإن المستغني عن غيره الآمن على نفسه، يجوز أن يعرف من غيره صفات العظمة والجلال، ونعوت القدرة والكمال، ولا يكون خاشعا معظما له، لأن معرفة حاجة النفس وحقارتها لم تقترن إليه. وأما الهيبة والخوف: فحالة للنفس تتولد من المعرفة بقدرة الله تعالى وسطوته ونفوذ مشيته فيه، مع قلة المبالاة به، وأنه لو أهلك الأولين والآخرين لم تنقص من ملكه ذرة، مع تذكر ما جرى على الأنبياء والأولياء من المصائب وأنواع البلاء مع القدرة على الدفع. وكلما زاد العلم بالله وبصفاته وأفعاله زادت الخشية والهيبة. وأما الرجاء: فسببها معرفة لطف الله تعالى وكرمه وعميم أنعامه ولطائف صنعه، ومعرفة صدقه في وعده الجنة بالصلاة. فإذا حصل اليقين بوعده والمعرفة بلطفه، انبعث منها الرجاء. وأما الحياء: فسببه استشعار التقصير بالعبادة، وعلمه بالعجز عن القيام بعظيم حق الله، ويقوى ذلك بمعرفة عيوب النفس وآفاتها، وقلة إخلاصها وخبث باطنها، وميلها إلى الحظ العاجل في جميع أفعالها، مع

ص 268

العلم بجميع ما يقتضيه جلال الله وعظمته، والعلم بأنه مطلع على السرائر وخطرات القلب، وإن دقت وخفيت. وهذه المعارف إذا حصلت يقينا، انبعثت منها - بضرورة - حالة تسمى بالحياء.

فصل طريق تحصيل المعاني الباطنة

إعلم أن العلاج في تحصيل المعاني الباطنة المذكورة، أعني الحضور والتفهم والتعظيم والهيبة والرجاء والحياء، هو تحصيل أسباب هذه المعاني، وقد عرفت أسبابها. وطريق العلاج في تحصيل هذه الأسباب إنما يتم بأمرين: الأول - معرفة الله، ومعرفة جلاله وعظمته واستناد الكل إليه، ومعرفة كونه عالما بذرات العالم وبسرائر العباد. ويلزم أن تكون هذه المعرفة يقينية، ليترتب عليها الأثر. إذ ما لم يحصل اليقين بأمر، لا يحصل التشمر في طلبه والهرب عنه. وهذه المعرفة هي المعبر عنها بالإيمان. ولا ريب في كونها موجبة لحصول المعاني المذكورة وأسبابها. إذ المؤمن يكون البتة حاضر القلب مع ربه عند مناجاته، وتفهما لما يسأله عنه، معظما له، وخائفا منه، وراجيا منه، ومستحييا من تقصيره. الثاني - فراغ القلب، وخلوه من مشاغل الدنيا. فإن انفكاك المؤمن العارف، المتيقن بالله وبجلاله وعظمته، وباطلاعه عليه من المعاني المذكورة في صلاته، لا سبب له إلا تفرق الفكر، وتقسم الخاطر، وغيبة القلب عن المناجاة، والغفلة عن الصلاة، ولا تلهي عن الصلاة إلا الخواطر الردية الشاغلة. فالدواء في إحضار القلب هو دفع كل تلك الخواطر، ولا يدفع الشيء إلا بدفع سببه. وسبب توارد الخواطر، إما أن يكون أمرا خارجا، أو أمرا في ذاته باطنا. والأول: ما يظهر للبصر، أو يقرع على السمع. فإن ذلك قد يختطف الهم حتى يتبعه، ويتصرف فيه ثم ينجر منه الفكر إلى غيره، ويتسلسل فيكون الإبصار أو الاستماع سببا للافتكار، ثم يصير بعض تلك الأفكار سببا للبعض. ومن قويت رتبته وعلت همته، لم يلهه ما يجري

ص 269

على حواسه. ولكن الضعيف لا بد وأن يتفرق فيه فكره. فعلاجه: قطع هذه الأسباب، بأن يغض بصره، أو يصلي في بيت مظلم، ولا يترك بين يديه ما يشغل حسه، ويقرب من حائط عند صلاته، حتى لا تتسع مسافة بصره، ويتحرز من الصلاة على الشوارع، وفي المواضع المنقوشة المصبوغة، والعمارات العالية المرتفعة. ولذلك كان المتعبدون يصلون في بيت مظلم صغير، سعته بقدر السجود، ليكون أجمع للهم. والأقوياء كانوا يحضرون المساجد، ويغضون البصر، ولا يجاوزونه موضع السجود، كما ورد الأمر به، ويرون كمال الصلاة في ألا يعرفوا من على يمينهم وشمالهم. وأما الثاني: أعني الأسباب الباطنة، فهي أشد. فإن من تفرقت همومه وتشعبت خواطره في أودية الدنيا لم ينحصر فكره في فن واحد، بل لا يزال يطير من جانب إلى جانب. وغض البصر لا يغنيه، فإن ما وقع في القلب من قبل كاف للشغل. فهذا علاجه: أن يرد نفسه قهرا إلى فهم ما يقرؤه، ويشغلها به عن غيره، ويعينه على ذلك أن يستعد له قبل التحريم، بأن يجدد على نفسه ذكر الآخرة، وخطر المقام بين يدي الله تعالى، وهول المطلع، ويفرغ قلبه قبل التحريم بالصلاة عما يهمه من أمر الدنيا، فلا يترك لنفسه شغلا يلتفت إليه خاطره، فهذا طريق تسكين الأفكار فإن لم تسكن أفكاره بهذا الدواء المسكن، فلا ينجيه إلا المسهل الذي يقمع مادة الداء من أعماق العروق، وهو أن ينظر في الأمور الشاغلة الصارفة له عن إحضار القلب. ولا ريب في أنها تعود إلى مهماته، وهي إنما صارت مهمة لأجل شهواته ، فليعاقب نفسه بالنزوع عن تلك الشهوات وقطع تلك العلائق. فكل ما يشغله عن صلاته فهو ضد دينه، وجند إبليس عدوه، فإمساكه أضر عليه من إخراجه، فيتخلص عنه بإخراجه. وهذا هو الدواء القامع لمادة العلة، ولا يغني غيره. فإن ما ذكر من التلطف بالتسكين والرد إلى فهم الذكر، إنما ينفع في الشهوات الضعيفة والهم الذي لا يشغل إلا حواشي القلب. وأما الشهوة القوية المرهقة، فلا ينفع معها التسكين، بل لا تزال تجاذبها وتجاذبك، ثم تغلبك وتقضي جميع صلاتك في شغل المجاذبة. ومثاله مثال رجل تحت شجرة أراد أن يصفو له فكره، فكانت أصوات

ص 270

العصافير تشوش عليه، فلم يزل يطيرها بخشبة هي في يده ويعود إلى فكره، فتعود العصافير، فيعود إلى السفير بالخشبة، فقيل له: إن هذا سير الواني ولا يتقطع، فإن أردت الخلاص فأقطع الشجرة. فكذلك شجرة الشهوة، إذا استعملت وتفرعت أغصانها، إنجذبت إليها الأفكار انجذاب العصافير إلى الأشجار، وانجذاب الذباب إلى الأقذار، والشغل يطول في دفعها. فإن الذباب كلما ذب آب، ولأجله سمي ذبابا، وكذلك الخواطر. وهذه الشهوات كثيرة قلما يخلوا العبد منها، ويجمعها أصل واحد، وهو حب الدنيا، وذلك رأس كل خطيئة، وأساس كل نقصان، ومنبع كل فساد. ومن انطوى باطنه على حب الدنيا حتى مال إلى شيء منها لا يتزود منها ويستعين بها على الآخرة، فلا يطمعن في أن تصفو له لذة المناجاة في الصلاة. فإن من فرح بالدنيا فلا يفرح بالله وبمناجاته، وهمة الرجل مع قرة عينه، فإن كانت قرة عينه في الدنيا انصرف همه لا محالة إليها. ولكن - مع هذا - لا ينبغي أن تترك المجاهدة، ورد القلب إلى الصلاة، وتقليل الأسباب الشاغلة، فهذا هو الدواء، ولمرارته استبشعته الطباع، وبقيت العلة مزمنة، وصار الداء عضالا. حتى أن الأكابر اجتهدوا أن يصلوا ركعتين لا يحدثون أنفسهم فيهما بأمور الدنيا، فعجزوا عنه. فإذا لا مطمع فيه لأمثالنا، ويا ليت سلم لنا من الصلاة ثلثها أو ربعها من الوساوس، لنكون ممن خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا. وعلى الجملة: فهمة الدنيا وهمت الآخرة في القلب مثل الماء الذي يصب في قدح فيه خل، فبقدر ما يدخل فيه الماء يخرج منه الخل لا محالة، ولا يجتمعان. ثم جميع ما ذكر إنما هو في الخواطر المتعلقة بالأمور المهمة من الدنيا، حتى إذا خرجت هذه الأمور من القلب، خرجت منه هذه الخواطر أيضا. وقد تكون الخواطر من مجرد الوساوس الباطنة والخيالات الفاسدة، من دون تعلقها بشغل وعمل دنيوي يكون لها، ومن دون اختيار للعبد في خطورها وعدم خطورها، والأمر فيها أصعب، وإن كان لقلع حب الدنيا وشهواتها عن القلب مدخلية عظيمة في زوالها أيضا، إذ مادة هذه الوساوس أيضا، إما حب المال وحب الجاه، أو حب غيرهما من الأمور الشهوية

ص 271

الدنيوية. وقد تقدم تفصيل القول فيها وفي طريق علاجها في بحث الوساوس.

فصل أسرار الصلاة

في تحصيل كل واحد من شروط الصلاة وأفعالها وأركانها أسرار وتنبيهات، فينبغي للمؤمن المريد للآخرة ألا يغفل عنها، فها هي نذكرها: أما الأذان: فإذا سمعت نداء المؤذن، فأخطر في قلبك هول النداء يوم القيامة، وتشمر بباطنك وظاهرك للإجابة والمسارعة، فإن المسارعين إلى هذا النداء هم الذين ينادون باللطف يوم العرض الأكبر، فأعرض قلبك على هذا النداء، فإن وجدته مملوءا بالفرح والاستبشار، مشحونا بالرغبة إلى الابتداء، فاعلم أنه يأتيك النداء بالبشرى والفوز يوم القضاء، ولذلك قال سيد الأنبياء: (أرحنا يا بلال!) أي أرحنا بها وبالنداء إليها، إذا كانت قرة عينه فيها. واعتبر بفصول الأذان وكلماته كيف افتتحت بالله واختتمت بالله، واعتبر بذلك أن الله جل جلاله هو الأول والآخر والظاهر والباطن، ووطن قلبك بتعظيمه عند سماع التكبير، واستحقر الدنيا وما فيها لئلا تكون كاذبا في تكبيرك، وأنف عن خاطرك كل معبود سواه بسماع التهليل. وأحضر النبي (ص)، وتأدب بين يديه، وأشهد له بالرسالة مخلصا، وصل عليه وآله وحرك نفسك، واسع بقلبك وقالبك عند الدعاء إلى الصلاة، وما يوجب الفلاح، وما هو خير الأعمال وأفضلها. وجدد عهدك بعد ذلك بتكبير الله وتعظيمه، واختمه بذلك كما افتتحت به، واجعل مبدءك منه، وعودك إليه، وقوامك به، واعتمادك على حوله وقوته. فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

فصل الوقت

وإذا دخل الوقت، استحضر أنه ميقات جعله الله لك، لتقوم فيه بخدمته، وتتأمل للمثول في حضرته، والفوز بطاعته، وليظهر على قلبك السرور، وعلى وجهك البهجة عند دخوله، لكونه سببا لقربك ووسيلة إلى فوزك. فاستعد له بالطهارة والنظافة، ولبس الثياب الصالحة للمناجاة،

ص 272

كما تتأهب عند القدوم على ملك من ملوك الدنيا، وتلقاه بالسكينة والوقار والخوف والرجاء، واستحضر عظمة الله وجلاله، وعدم تناهي قدرته وكماله ونقصان قدرك ومرتبتك، وعدم قابليتك للقيام بخدمته، وقصورك عن أداء وظائف طاعته.

فصل آداب الصلاة

إذا أتيت بالطهارة في مكانك، وهو ظرفك الأبعد، ثم في ثيابك، وهو غلافك الأقرب، ثم في بشرتك، وهي قشرك الأدنى، فلا تفعل عن لبك وذاتك، وهو قلبك، فطهره بالتوبة والندم على ما فرط، وتصميم العزم على الترك في المستقبل، فطهر بها باطنك، فإنه موضع نظر ربك. ثم إذا سترت مقابح بدنك عن أبصار الخلق باللباس، فأخطر بالك فضائح سرك التي لا يطلع عليها إلا ربك، وطالب نفسك بسترها، وتحقق أنه لا يستر عن عين الله ساتر، وإنما يكفرها الخوف والندم والحياء، فتستفيد بإظهارها في قلبك انبعاث جنود الخوف والندم والحياء من مكامنها، فتذل به نفسك، ويستكين تحت الخجلة قلبك، وتقوم بين يدي الله تعالى قيام العبد المجرم المسئ الآبق، الذي ندم فرجع إلى مولاه، ناكسا رأسه من الخوف والحياء. قال الصادق (ع): (أزين اللباس للمؤمن لباس التقوى، وأنعمه الإيمان، قال الله تعالى: (ولباس التقوى ذلك خير) (23) وأما اللباس الظاهر، فنعمة من الله تعالى تستر بها عورات بني آدم، وهي كرامة أكرم الله بها ذرية آدم ما لم يكرم بها غيره، وهي للمؤمنين آلة لأداء ما افترض الله عليهم. وخير لباسك ما لا يشغلك عن الله عز وجل، بل يقربك من ذكره وشكره وطاعته، ولا يحملك على العجب والرياء والتزين والتفاخر والخيلاء، فإنها من آفات الدين، ومورثة للقسوة في القلب. فإذا لبست ثوبك، فأذكر ستر الله عليك ذنوبك برحمته، والبس باطنك بالصدق كما البست ظاهرك بثوبك، وليكن باطنك من الصدق في ستر

(هامش)

(23) الأعراف، الآية: 25. (*)

ص 273

الهيبة، وظاهرك في ستر الطاعة. واعتبر بفضل الله، حيث خلق أسباب اللباس ليستر بها العورات الظاهرة، وفتح أبواب التوبة والإنابة والإغاثة ليستر بها عورات الباطن من الذنوب وأخلاق السوء. ولا تفضح أحدا حيث ستر الله عليك ما أعظم منه. واشتغل بعيب نفسك واصفح عما لا يعنيك حاله وأمره. واحذر أن يفنى عمرك بعمل غيرك، ويتجر برأس مالك غيرك وتهلك نفسك، فإن نسيان الذنوب من أعظم عقوبة الله في العاجل، وأوفر أسباب العقوبة في الآجل. وما دام العبد منشغلا بطاعة الله تعالى، ومعرفة عيوب نفسه، وترك ما يشين في دين الله عز وجل، فهو بمعزل عن الآفات، خائض في بحر رحمة الله عز وجل، يفوز بجواهر الفوائد من الحكمة والبيان. وما دام ناسيا لذنوبه، جاهلا بعيوبه، راجعا إلى حوله وقوته، لا يفلح إذا أبدا) (24).

فصل آداب المصلي

إذا أتيت مصلاك، فاستحضر فيه أنك كأن بين يدي ملك الملوك، تريد مناجاته، والتضرع إليه، والتماس رضاه، ونظره إليك بعين الرحمة. فاختر مكانا يصلح، كالمساجد الشريفة، والمشاهد المطهرة، مع الإمكان. فإنه تعالى جعل تلك المواضع محلا لإجابته، وموضع تزول فيوضاته ورحمته، على مثال حضرة الملوك، الذين يجعلونها وسيلة لنيل المقاصد والمطالب. فأدخلها بالسكينة والوقار، ومراقبا للخشوع والانكسار. قال الصادق (ع): (إذا بلغت باب المسجد، فاعلم أنك قد قصدت باب ملك عظيم، لا يطأ بساطه إلا المطهرون، ولا يؤذن لمجالسته إلا الصديقون، فهب القدوم إلى بساط هيبة الملك، فإنك على خطر عظيم إن غفلت، فاعلم أنه قادر على ما يشاء من العدل والفضل معك وبك. فإن عطف عليك برحمته وفضله، قبل منك يسير الطاعة، وأجزل لك عليها ثوابا كثيرا. وإن طالبك باستحقاقه الصدق والاخلاص عدلا بك، حجبك ورد طاعتك وإن كثرت. وهو فعال لما يريد. واعترف بعجزك وتقصيرك وانكسارك وفقرك بين يديه، فإنك قد

(هامش)

(24) صححنا الحديث على مصباح الشريعة: الباب 7 137 - 138 (*)

ص 274

توجهت للعبادة له، والمؤانسة به. وأعرض أسرارك عليه، ولتعلم أنه لا تخفى عليه أسرار الخلائق أجمعين وعلانيتهم. وكن كأفقر عباده بين يديه. واخل قلبك عن كل شاغل يحجبك عن ربك، فإنه لا يقبل إلا الأطهر والأخلص. وأنظر من أي ديوان يخرج اسمك، فإن ذقت حلاوة مناجاته ولذيذ مخاطباته، وشربت بكأس رحمته وكراماته من حسن إقباله عليك وأجابته، فقد صلحت لخدمته فادخل فلك الإذن والأمان، وإلا فقف وقوف من قد انقطع عنه الحيل، وقصر عنه الأمل، وقضى عليه الأجل. فإن علم الله عز وجل من قلبك صدق الالتجاء إليه نظر إليك بعين الرأفة والرحمة والعطف، ووفقك لما تحب وترضى، فإنه كريم يحب الكرامة لعباده المضطرين إليه، المقيمين على بابه لطلب مرضاته. قال الله تعالى: (أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء) (25) (26)

فصل الاستقبال

وأما الاستقبال، فهو صرف لظاهر وجهك عن سائر الجهات إلى جهة بيت الله. وهذا إشارة إلى أنه ينبغي أن يصرف وجه القلب عن سائر الأشياء إلى الله، فإن الأعمال الظاهرة تحريكات للبواطن على ما يناسبها، فضبط الجوارح وتسكينها بالاثبات في جهة واحدة، لأجل ألا تبقى على القلب، لأنها إذا توجهت إلى جهات متعددة يتبعها القلب بالتوجه إلى أشياء متعددة، فأمر الله بصرفها إلى شطر بيته، ليتذكر القلب صاحبه، ويتوجه إليه، ويثبت على ذلك كما تثبت الأعضاء على جهة واحدة. قال رسول الله (ص): (إن الله تعالى مقبل على المصلي ما لم يلتفت)، وهذا الإلتفات يشمل التفات القلب أيضا، فكما يجب حراسة الرأس والعين عن الالتفات إلى الجهات، فكذلك يجب حراسة السر عن الالتفات إلى غير الله وغير الصلاة، فإن التفت إلى غير الله وغير الصلاة، فذكره بأطلاع الله عليه، وقبح غفلة المناجي عمن يناجيه وعما يقول له حين المناجاة، لا سيما إذا كان

(هامش)

(25) النحل، الآية: 62 (26) صححنا الحديث على (مصباح الشريعة): الباب 12 / 140 - 141. (*)

ص 275

من يناجيه ملك الملوك. والزم قلبك الخشوع، فإن الخلاص عن الالتفات ظاهرا وباطنا ثمرة الخشوع، ومهما خشع الباطن خشع الظاهر، ولذا قال رسول الله (ص) وقد رأى مصليا يعبث بلحيته: (أما هذا، لو خشع قلبه لخشعت جوارحه، فإن الرعية بحكم الراعي). وفي الدعاء: (اللهم أصلح الراعي والرعية)، وهو القلب والجوارح. وبالجملة: ينبغي لكل مؤمن صرف وجهه إلى بيت الله للصلاة، أن يصرف وجه قلبه إلى صاحب البيت، وكما لا يتوجه الوجه إلى جهة البيت إلا بالصرف عن غيرها، فكذلك لا ينصرف وجه القلب إلى الله إلا بالتفرغ عما سوى الله، وقد قال رسول الله (ص): (إذا قام العبد إلى صلاته، وكان هواه وقلبه إلى الله، انصرف كيوم ولدته أمه). وقال (ص): (أما يخاف الذي يحول وجهه في الصلاة أن يحول الله وجهه وجه حمار؟!) قيل: هذا نهي عن الالتفات عن الله، وملاحظة عظمته في حال الصلاة، فإن الملتفت يمينا وشمالا غافل عن الله وعن مطالعة أنوار كبريائه، ومن كان كذلك فيوشك أن تدوم تلك الغفلة عليه، فيتحول وجه قلبه كوجه قلب الحمار في قلة عقله للأمور العلوية وعدم فهمه للمعارف. وقال الصادق (ع) (إذا استقبلت القبلة، فآيس من الدنيا وما فيها، والخلق وما هم فيه، واستفرغ قلبك من كل شاغل يشغلك عن الله - تعالى -، وعاين بسرك عظمة الله - عز وجل -، واذكر وقوفك بين يديه، قال الله - تعالى -: (هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق) (27). وقف على قدم الخوف والرجاء) (28).

فصل القيام

وأما القيام، فهو مثول بالشخص والقلب بين يدي الله - سبحانه - فليكن رأسك الذي هو أرفع أعضائك مطوقا متطأطأ متنكسا، تنبيها للقلب على لزوم التواضع والتذلل والانكسار، والتبري عن التكبير والترؤس.

(هامش)

(27) يونس، الآية: 30. (28) صححنا الحديث على (مصباح الشريعة) الباب 13 / 141. (*)

ص 276

وينبغي أن تتذكر هاهنا خطر المقام بين يدي الله في هول المطلع عند التعرض للسؤال، وتذكر في الحال أنك قائم بين يدي الله وهو مطلع عليك، فليكن قيامك بين يديه على ما يليق بعظمته وجلاله، وأن كنت تعجز عن معرفة كنه جلاله، فلا تجعل مالك الملك والملكوت أنزل من بعض ملوك عصرك، فقم بين يديه قيامك بين يدي ملك زمانك، بل قدر في دوام قيامك في صلاتك أنك ملحوظ بعين كالئة من رجل صالح من أهلك، أو ممن ترغب أن يعرفك بالصلاح، فإنه تهد عند ذلك أطرافك، وتخشع جوارحك ويسكن جميع أجزائك، خيفة أن ينسبك ذلك العاجز المسكين إلى قلة الخشوع. وبالجملة الخضوع والخشوع والاستحياء والانفعال، يقتضيها الطبع بين يدي من يعظم من أبناء الدنيا، فكيف لا يقتضيها بين يدي ملك الملوك عند من يعرفه؟ فمن يكون بين يدي غير الله خاشعا، ولا يكون بين يدي الله كذلك، فذلك لقصور معرفته عن جلال الله وعن اطلاعه على سره وضميره، وعدم تدبره في قوله - تعالى -: (الذي يراك حين تقوم، وتقلبك في الساجدين) (29). فتبا لمن يدعي معرفة الله والعلم بعظمته وجلاله وحبه والخشية منه، ومع ذلك يستحي من أحد عبيده المساكين الذي لا يقدر على نفع ولا ضر، ولا يستحي من الله، ويخشى الناس، ولا يخشاه!

فصل التكبيرات

وأما التوجه بالتكبيرات، فينبغي أن تستحضر عندك عظمة الله وجلاله وصغر نفسك وذلتها في جنب عظمته، وقصورك عن القيام بوظائف خدمته. وإذا قلت: (اللهم أنك أنت الملك الحق) فتذكر عظيم ملكه، وعموم قدرته واستيلاءه على جميع العوالم، ثم ارجع على نفسك بالذل والانكسار. وإذا قلت: (لبيك وسعديك! والخير في يديك، والشر ليس إليك)، مثل نفسك بين يديه، وتيقن أنه أقرب منك من نفسك، يسمع نداءك، ويجيب دعاءك، وإن خير الدنيا والآخرة بيده لا بيد غيره، وإنه خير محض

(هامش)

(29) الشعراء، الآية: 218 - 219. (*)

ص 277

منزه عن الشر. وإذا قلت: (عبدك وابن عبديك، منك وبك ولك وإليك) فقد اعترفت له بالعبودية، وبأنه ربك وخالقك ومالكك، وموجدك ومخترعك وأنت أثره وفعله ومنه وجودك، وبه قوامك، وله ملكك، وإليه معادك فأنت منه، فلا يتركك ويرحمك، فألق نفسك الضعيفة العاجزة بين يديه، وكل أمورك في الدنيا والآخرة إليه، ولا تعتمد في مقاصدك إلا عليه فأحضر في ذهنك في هذه الفقرات وغيرها من الكلمات التي ينطق بها لسانك أمثال هذه الحقائق، وترق منها إلى ما يفتح عليك من الأسرار والدقائق، واحفظ نفسك عن الوقوع في أودية الوساوس والهوى، فتلق الفيض من العالم الأعلى.

فصل النية

وأما النية، فحقيقتها القصد إلى الفعل، امتثالا لأمر الله، وطلبا لتقربه ورجاء لثوابه، وخوفا من عقابه. فينبغي أن تجتهد في خلوصها ألا يشوبها غرض دنيوي فتفسد، وحقيقة الإخلاص وما يتعلق بها قد تقدمت مفصلة في محلها. وينبغي أن تتذكر هاهنا عظيم لطفه ومنته عليك، حيث أذنك في المناجاة مع سوء أدبك وكثرة جنايتك، وعظم في نفسك قدر مناجاته. وانظر من تناجي، وكيف تناجي، وبماذا تناجي، وعند هذا ينبغي أن يعرق جبينك من الخجلة، وترتعد فرائصك من الهيبة، ويصفر وجهك من الخوف والخشية .

فصل تكبيرة الاحرام

وإذا كبرت تكبيرة الاحرام، تذكر أن معناها: أنه - تعالى - أكبر من أن يوصف أو أكبر من كل شيء، أو أكبر من أن يدرك بالحواس، أو يقاس بالناس. فانتقل منه إلى غاية عظمته وجلاله، واستناد ما سواه إليه، بالإيجاد والاختراع والإخراج من كتم العدم. وينبغي أن تكون على يقين بذلك، حتى لا يكذب لسانك قلبك، فإن كان في قلبك شيء هو أكبر من الله - تعالى - عندك، فالله يشهد أنك كاذب، وإن كان الكلام صدقا، كما

ص 278

شهد على المنافقين في قولهم: أن النبي رسول الله. وإن كان هواك أغلب عليك من أمر الله - تعالى - وأنت أطوع له منك لله ولأمره فقد اتخذته إلهك وكبرته، فيوشك، أن يكون قولك (الله أكبر) كلاما باللسان المجرد وقد تخلف القلب عن مساعدته، وما أعظم الخطر في ذلك، لولا التوبة والاستغفار وحسن الظن بكرمه - تعالى - وعفوه. قال الصادق (ع): فإذا كبرت فاستصغر ما بين السماوات العلا والثرى دون كبريائه، فإن الله - تعالى - إذا اطلع على قلب العبد وهو يكبر، وفي قلبه عارض عن حقيقة تكبيره، قال: يا كذاب أتخدعني؟! وعزتي وجلالي! لأحرمنك حلاوة ذكري، ولأحجبنك عن قربي والمسرة بمناجاتي!) (30) فاعتبر أنت قلبك حين صلاتك، فإن كنت تجد حلاوتها وفي نفسك سرورها وبهجتها وقلبك مسرور بمناجاته، وملتذ بمخاطباته، فاعلم أنه - تعالى - قد صدقك في تكبيرك، وإن سلبت لذة المناجاة، وحرمت حلاوة العبادة، فاعلم أنه تعالى كذبك في تكبيرك، وطردك عن بابه، وأبعدك عن جنابه، فابك على نفسك بكاء الثكلى، وبادر إلى العلاج قبل أن تدركك الحسرة العظمى.

فصل دعاء الاستفتاح

وأما دعاء الاستفتاح، فأول كلماته: (وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض)، ومعلوم أن المراد بالوجه هنا وجه القلب دون الوجه الظاهر، لأن الله سبحانه منزه عن الأمكنة والجهات حتى توجه إليه الوجه الظاهر. فأنت تدعي في هذا الكلام أن قلبك متوجه إلى فاطر السماوات والأرض، فإياك أن يكون أول مفاتحتك للمناجاة بالكذب والاختلاق، إذ لو كان قلبك متوجها إلى أمانيه، وهمه في البيت والسوق أو واقعا في أودية الوساوس، أو كان غافلا، لم يكن مقبلا على الله متوجها إليه، وكنت كاذبا في أول مخاطبتك مع ربك. فأجتهد أن ينصرف قلبك عما سواه، وتقبل عليه في هذا الوقت، وإن عجزت عنه على الدوام، لئلا تكون كاذبا في أول كلامك. وإذا قلت: (حنيفا مسلما)، فأخطر

(هامش)

(30) صححنا الحديث على (مصباح الشريعة): الباب 13 / 141. (*)

ص 279

ببالك أن المسلم هو الذي سلم المسلمون من يده ولسانه، فإن لم تكن موصوفا بهذا الوصف، كنت كاذبا فأجتهد أن تعزم عليه في الاستقبال، وأن تندم على ما سبق من الأحوال. وإذا قلت: (وما أنا من المشركين، فأخطر ببالك الشرك الخفي، وكونه داخلا في الشرك، لإطلاق الشرك على القليل والكثير. فلو قصدت بجزء من عبادتك غير الله، من مدح الناس وطلب المنزلة في قلوبهم، كنت مشركا كاذبا في هذا الكلام. فأنف هذا الشرك عن نفسك، واستشعر الخجلة في قلبك، بأن وصفت نفسك بوصف ليست متصفة به في الواقع. وإذا قلت: (محياي ومماتي في الله رب العالمين)، فاعلم أن هذا حال عبد مفقود لنفسه، موجود لسيده، فإن عن ذاته باق بربه، لا يرى لذاته من حيث هي قدرة وقوة، بل يعلم حياته وبقاءه من الله - تعالى -، ولا تكون حركاته وسكناته إلا لله تعالى. فالقائل بهذا الكلام، إذا رأى لنفسه من حيث هي قدرة وأثرا، أو صدر عنه فعل: من الرضا، أو الغضب، أو القيام، أو القعود، أو الرغبة في الحياة، أو الرهبة من الموت لأمور الدنيا، كان كاذبا.

فصل الاستعاذة

فإذا قلت: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) ينبغي أن تعلم أن الشيطان أعدى عدوك، مترصد لصرف قلبك عن الله، حسدا لك على مناجاتك مع الله وسجودك له مع أنه لعن وطرد عن مقام القرب بترك السجدة. وينبغي ألا تكون استعاذتك بالله منه بمجرد القول، لتكون مثل من قصده سبع أو عدو ليفترسه أو يقتله، فقال: أعوذ منك بهذا الحصن الحصين، وهو ثابت على مكانه، فإن ذلك لا يفيده ولا ينفعه ما لم يتحرك ويدخل الحصن فكذلك مجرد الاستعاذة لا ينفعه ما لم يترك ما يحب الشيطان، وما لم يأت بما يحبه الله. فمن اتبع الشهوات التي هي محاب الشيطان ومكاره الرحمن لا يغنيه مجرد القول، فليقترن قوله بالعزم على التعوذ بحصن الله عن شر الشيطان، وحصنه (لا إله إلا الله)، إذ قال: (لا إله إلا الله حصني، ومن دخل حصني أمن من عذابي). والدخول في حصن (لا إله إلا الله) ليس أيضا

ص 280

بمجرد التكلم به، بل الإذعان القلبي واليقين القطعي بأن كل معبود سواه باطل، وكل شيء منه وله وبه وإليه، ولا مؤثر في الوجود إلا هو. فالمتحصن للتوحيد من لا معبود له سوى الله، وأما من اتخذ إلهه هواه، فهو في ميدان الشيطان لا في حصن الله. ومن مكائد اللعين أن يشغلك في الصلاة بفكر الآخرة وتدبير فعل الخيرات، لتمنع من الحضور وفهم ما تقرأ، فاعلم أن كل ما يشغلك عن الإقبال إلى الله وعن فهم معاني القرآن والأذكار، فهو وساوس، إذ حركة اللسان غير مقصودة، بل المقصود المعاني. وإذا قلت: (بسم الله الرحمن الرحيم)، فانو به التبرك لابتدائك بقراءة كلام الله، والمراد بالاسم هنا المسمى، فمعناه: إن كل الأشياء والأمور بالله، فيترتب عليه انحصار (الحمد لله)، إذ المراد بالحمد الشكر، والشكر إنما يكون على النعم، فإذا كانت النعم بأسرها من الله فيكون منحصرا به، فمن يرى نعمة من غير الله أو يقصد غيره سبحانه بشكر لا من حيث أنه مسخر من الله، ففي تسميته وتحميده نقصان بقدر التفاته إلى غير الله سبحانه. وإذا قلت: (الرحمن الرحيم)، فأحضر في قلبك أنواع لطفه، وضروب إحسانه، لتتضح لك رحمته، فينبعث بها رجاؤك. وإذا قلت: (مالك يوم الدين)، فاستشعر من قلبك التعظيم والخوف، أما العظمة فلأنه لا ملك إلا هو، وأما الخوف فلهول يوم الجزاء والحساب الذي هو مالكه. ثم جدد الإخلاص بقولك: (إياك نعبد). وجدد العجز والافتقار والتبري من الحول والقوة بقولك: (وإياك نستعين)، وتحقق أنه ما تيسرت طاعتك إلا بإعانته وأن له المنة، إذ وفقك لطاعته، واستخدمك لعبادته، وجعلك أهلا لمناجاته ولو حرمك التوفيق لكنت من المطرودين مع الشيطان الرجيم، واستحضر أن الإعانة لا تكون إلا منه، ولا يقدر غيره أن يعين أحدا، فأخرج عن قلبك الوسائل والأسباب إلا من حيث أنها مسخرة منه تعالى. وإذا قلت: (إهدنا السراط المستقيم)، فاعلم أنه طلب لأهم حاجاتك، وهي الهداية إلى النهج الحق الذي يسوقك إلى جوار الله، ويفضي بك إلى مرضاته ويوصلك إلى مجاورة من أنعم الله عليهم نعمة الهداية من الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، دون الذين غضب الله عليهم من الكفار والزائفين

 

الصفحة السابقة الصفحة التالية

جامع السعادات (ج3)

فهرسة الكتاب

فهرس الكتب