قمر بني هاشم (عليه السلام) والشهداء

الصفحة السابقة الصفحة التالية

قمر بني هاشم (عليه السلام) والشهداء

فهرسة الكتاب

فهرس الكتب

ص 3

الفصل الأول: قمر بني هاشم

 

المقدمة

 

أبو الفضل العباس بن الإمام علي (عليه السلام) نموذجا رائعا وفريدا من أولاد الأئمة الطاهرين (عليهم السلام)، بعد الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام) فهم معصومون وأئمة بالنص، ولقد حاز أبي الفضل العباس قصب السبق في الفضائل ومكارم الأخلاق، فضلا عن الشجاعة والعلم والإخلاص. وقد أخذ أبو الفضل العباس بأطراف رداء المجد من أبيه الإمام علي بن أبي طالب، ابن عم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ووصية وخدنه وإليه ينتهي طيب الأرومة ومكارم الأخلاق وهو غني عن التعريف، أما من جهة الأم فهي السيدة الزكية فاطمة بنت حزام بن خالد - بيت شجاعة وكرم - وأبوها حزام من أعمدة الشرف في العرب، في

ص 6

الجاهلية والإسلام. أما نسب أبي الفضل العباس، فهو من صميم الأسرة العلوية، والدوحة الهاشمية، التي هي من أجل وأشرف الأسر التي عرفتها الإنسانية في جميع أدوارها بعد شرف الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام)، تلك الأسرة الكريمة والعريقة في الشرف والمجد. أسئلة تعالى أن يتقبل مني هذا اليسير ويعفو عني الكثير فإنه سميع بصير.

 قم المشرفة - دار الهجرة الفاتح من رجب الأصب سنة

1420 حسين الشاكري

ص 7

 

نشأته ومعالم شخصيته

 

لما أراد الإمام علي (عليه السلام) أن يتزوج ندب أخاه عقيلا، وكان عالما بأنساب العرب، أن يخطب له امرأة قد أولدتها الفحول من العرب يتزوجها لتلد منه غلاما زكيا شجاعا حتى ينصر ولده الإمام الحسين (عليه السلام) في يوم الطف بكربلاء (1) فأشار عليه عقيل بالسيدة فاطمة بنت حزام الكلابية - المكنات بأم البنين، فإنه ليس في العرب من هو إشجع من أهلها، ولا أفرس، وكان لبيد الشاعر يقول فيهم، نحن خير عامر بن صعصعه فلا ينكر عليه أحد من العرب، فندب الإمام (عليه السلام) عقيلا لخطبتها. فانبرى عقيل إلى أبيها فعرض عليه الأمر، فأسرع فرحا إليها يبشرها فاستجابت باعتزاز وفخر.

(هامش)

(1) تنقيح المقاتل: ج 2 ص 128. (*)

ص 8

يروى: حينما كان عقيل يحدث أبيها حزام بشأن خطبة ابنته فاطمة، كانت فاطمة تحدث أمها بحلم رأتها في منامها، كأنها هي جالسة في دارها إذ وقع القمر في حجرها، وتبعه أربع كواكب نجوم ولما انتهت من حديثها دخل أبيها يبشرها ويبشر أمها بقدوم عقيل ابن أبي طالب لخطبة فاطمة إلى أخيه الإمام علي (عليه السلام) ولما سمع أبيها الحلم استبشر، وقال: لقد حقق الله رؤياك يا بنيتي فابشري بسعادة الدنيا والآخرة. وزفت إلى الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، وقد رأى فيها النضج والعقل الراجح، وهي لم تزل في ريعان شبابها ولم تبلغ العشرين من عمرها، بالإضافة إلى الإيمان العميق، وسمو الأخلاق، ومحاسن الصفات، والإخلاص فأعزها (عليه السلام) فكانت جديرة أن تكون قرينة الإيمان وسمو الذات. ويروى ليلة زفافها قالت للإمام علي (عليه السلام) لي إليك حاجة

ص 9

قال: (عليه السلام) وما حاجتك؟ قالت أرجو آن لا تسميني فاطمة لألا ينكسر قلب الإمامين الحسنين وأختيهما ويتذكروا أمهم، عند ذلك سماها بكنيتها أم البنين، وهذه واحدة من ضروب الأدب والوفاء لسيدة نساء العالمين بعد رحيلها. رعايتها لسبطي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). تزوج الإمام علي (عليه السلام) من فاطمة ابنة حزام العامرية، بعد شهادة الصديقة فاطمة الزهراء كما يراه بعض المؤرخين (1) أو بعد أن تزوج بأمامة بنت زينب كما يراه البعض الآخر (2) كل هذا حصل بعد وفاة السيدة فاطمة الزهراء (عليه السلام) لأن الله سبحانه وتعالى حرم النساء على

(هامش)

(1) الطبري ج 6 ص 89، وابن الأثير ج 3 ص 158، وأبو الفداء ج 1 ص 181. (2) مناقب ابن شهرآشوب ج 2 ص 117، ومطالب السؤل ص 63 والفصول المهمة ص 145، والإصابة بترجمة الإمامة. (*)

ص 10

علي (عليه السلام) ما دامت فاطمة موجودة عنده (1) على قيد الحياة، كما حرم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على نفسه الزواج في حياة السيدة خديجة. فولدت فاطمة بنت حزام أربعة بنين، فهم، العباس، وعبد الله، وجعفر، وعثمان، وعاشت بعده مدة طويلة إلى ما بعد واقعة الطف واستشهاد أولادها الأربعة، ولم تتزوج من غير الإمام (عليه السلام) كما أن أمامة، وأسماء بنت عميس، وليلى النهشلية لم يخرجن إلى أحد بعده على الرغم ممن تقدم لخطبتهن فامتنعن وروت إحداهن حديثا عن الإمام علي (عليه السلام) أن أزواج النبي والوصي لا يتزوجن بعده فلم يتزوجن الحرائر الأربعة وأمهات الأولاد اللاتي توفي عنهن الإمام علي (عليه السلام) عملا بالرواية.

(هامش)

(1) كشف الغمة ص 32، والفصول المهمة ص 145، ومطالب السؤل ص 63 ومناقب ابن شهر آشوب ج 2 ص 93. (*)

ص 11

 

العباس بن علي و أخوته:

 

1 - العباس بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) يكنى أبا الفضل، وأمه أم البنين فاطمة بنت حزام من بني عامر بن كلاب بن صعصعة، وهو أكبر ولدها، وآخر من قتل من إخوته لأمه وأبيه، بين يدي أخيه سيد الشهداء الإمام الحسين بن علي يوم عاشوراء، وعمره أربع وثلاثون عاما. 2 - عبد الله بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) وأمه أم البنين بنت حزام، عن عبد الله بن العباس قال: قتل عبد الله بن علي يوم عاشوراء بين يدي أخيه الحسين (عليه السلام) وهو ابن خمس وعشرين سنة، ولا عقب له. 3 - عثمان بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) وأمه أم البنين - قال: عبد الله بن العباس، قتل عثمان

ص 12

بن علي وهو ابن واحد وعشرين سنة، فتقدم وقاتل، رماه خولي بن يزيد بسهم، فاوهطه، وشد عليه رجل من بني أبان بن دارم فقتله وأخذ رأسه، ألا لعنة الله على الظالمين. وعثمان بن علي الذي روى عن أبيه علي (عليه السلام) أنه قال. إنما سميته باسم أخي عثمان بن مظعون - رضوان الله عليه. 4 - جعفر بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) وأمه أم البنين بنت حزام، بالإسناد إلى عبد الله بن العباس قتل جعفر بن علي (عليه السلام) وهو ابن تسع عشرة سنة، أن العباس بن علي (عليه السلام) قدم أخاه جعفرا بين يديه ليحتسبه عند الله، ولا عقب له. وقال: نصر بن مزاحم: إن خولي بن يزيد الأصبحي - لعنه الله - قتل جعفر بن علي.

ص 13

رعايتها لسبطي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

 

وقامت السيد أم البنين برعاية سبطي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وريحانتيه وسيدي شباب أهل الجنة الحسن والحسين (عليهما السلام)، وقد وجدا عندها من العطف والحنان ما عوضهما بعض الخسارة الأليمة التي منيا بها بفقد أمهما سيدة نساء العالمين، فقد ترك فقدها اللوعة والحزن في نفسيهما. لقد كانت السيدة أم البنين تكن في نفسها من المودة والحب للحسن والحسين (عليهما السلام) ما لا تكنه لأولادها اللذين كانوا مل ء العين في كمالهم وآدابهم. لقد قدمت أم البنين أبناء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، على أبنائها في الخدمة والرعاية، ولم يعرف التاريخ أن ضرة تخلص بناء ضرتها وتقدمهم على أبنائها سوى هذه السيدة الزكية، والسيدة فاطمة بنت أسد الهاشمية لرسول

ص 14

الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقد كانت ترى ذلك واجبا دينيا لأن الله أمر بمودتهما في كتابه الكريم، وهما وديعة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وريحانتاه، وقد عرفت أم البنين ذلك فوفت بحقهما وقامت بخدمتهما خير قيام.

 

الوليد العظيم:

 

وكان أول مولود زكي للسيدة أم البنين هو سيدنا المعظم أبو الفضل العباس (عليه السلام)، وقد ازدهرت يثرب، وأشرقت الدنيا بولادته وسرت موجات من الفرح والسرور بين أفراد الأسرة العلوية، فقد ولد قمرهم المشرق الذي أضاء سماء الدنيا بفضائله ومآثره، وأضاف إلى الهاشميين مجدا خالدا وذكرا نديا عاطرا. وحينما بشر الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بهذا المولود المبارك سارع إلى الدار فتناوله، وأوسعه تقبيلا، وأجرى عليه مراسيم الولادة الشرعية فأذن في أذنه

ص 15

اليمنى، وأقام في اليسرى، لقد كان أول صوت قد اخترق سمعه صوت أبيه رائد الإيمان والتقوى في الأرض، وأنشودة ذلك الصوت. الله أكبر.. . لا إله إلا الله . وارتسمت هذه الكلمات العظيمة التي هي رسالة الأنبياء، وأنشودة المتقين في أعماق أبي الفضل، وانطبعت في دخائل ذاته. وفي اليوم السابع من ولادة أبي الفضل (عليه السلام)، قام الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بحلق شعر رأسه، والتصدق بزنته ذهبا أو فضة على المساكين وعق عنه بكبش كما فعل ذلك مع الحسن والحسين (عليهما السلام) عملا بالسنة. سنة ولادته: أفاد بعض المحققين أن أبا الفضل العباس (عليه السلام) ولد سنة (26 ه‍) في اليوم الرابع من شهر شعبان (1).

(هامش)

(1) قمر بني هاشم. (*)

ص 16

تسميته:

 

سمى الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وليده المبارك (بالعباس) وقد استشف من وراء الغيب أنه سيكون بطلا من أبطال الإسلام، وسيكون عبوسا في وجه المنكر والباطل، ومنطلق البسمات في وجه الخير، وكان كما تنبأ فقد كان عبوسا في ميادين الحروب التي أثارتها القوى المعادية لأهل البيت (عليهم السلام)، فقد دمر كتائبها وجندل أبطالها، وخيم الموت على جميع قطعات الجيش في يوم كربلاء، ويقول الشاعر فيه: عبست وجوه القوم خوف الموت * والعباس فيهم ضاحك متبسم

 

كنيته:

 

وكني سيدنا العباس (عليه السلام) بما يلي:

ص 17

1 - أبو الفضل: كني بذلك لأن له ولدا اسمه الفضل، ويقول في ذلك بعض من رثاه: أبا الفضل يا من أسس الفضل والإبا * أبى الفضل إلا أن تكون له أبا وطابقت هذه الكنية حقيقة ذاته العظيمة فلو لم يكن له ولد يسمى بهذا الاسم، فهو - حقا - أبو الفضل، ومصدره الفياض فقد أفاض في حياته ببره وعطائه على القاصدين لنبله وجوده، وبعد شهادته كان موئلا وملجأ لكل ملهوف، فما استجار به أحد بنية صادقة إلا كشف الله ما ألم به من المحن والبلوى.

ص 18

2 - أبو القاسم: كني بذلك لأن له ولدا اسمه (القاسم) وذكر بعض المؤرخين أنه استشهد معه يوم الطف، وقدمه قربانا لدين الله، وفداء لريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

 

ألقابه:

 

أما الألقاب التي تضفي على الشخص فهي تحكي صفاته النفسية الحسنة، وقد أضفيت على أبي الفضل (عليه السلام) عدة ألقاب رفيعة تنم عن نزعاته النفسية الطيبة، وما اتصف به من مكارم الأخلاق وهي: 1 - قمر بني هاشم: كان العباس (عليه السلام) في روعة بهائه، وجميل صورته آية من آيات الجمال، ولذلك لقب بقمر بني هاشم، وكما كان

ص 19

قمرا لأسرته العلوية الكريمة، فقد كان قمرا في دنيا الإسلام. 2 - السقاء: وهو من أجل ألقابه، وأحبها إليه، أما السبب في إمضاء هذا اللقب الكريم عليه فهو لقيامه بسقاية عطاشى أهل البيت (عليهم السلام) حينما فرض الإرهابي المجرم ابن مرجانة الحصار على الماء، وأقام جيوشه على الفرات لتموت عطشا ذرية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). 3 - بطل العلقمي: أما العلقمي فهو اسم للنهر الذي استشهد على ضفافه أبو الفضل العباس (عليه السلام)، وكان محاطا بقوى مكثفة من قبل ابن مرجانة لمنع ريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وسيد شباب أهل الجنة، ومن كان معه من نساء وأطفال من

ص 20

شرب الماء، وقد استطاع أبو الفضل بعزمه الجبار، وبطولته النادرة أن يجندل الأبطال، ويهزم أقزام ذلك الجيش المنحط، ويحتل ذلك النهر، وقد قام بذلك عدة مرات، وفي المرة الأخيرة استشهد على ضفافه ومن ثم لقب ببطل العلقمي. 4 - حامل اللواء: ومن ألقابه المشهورة (حامل اللواء) وهو أشرف لواء إنه لواء أبي الأحرار الإمام الحسين (عليه السلام)، وقد خصه به دون أهل بيته وأصحابه، وذلك لما تتوفر فيه من القابليات العسكرية، ويعتبر منح اللواء في ذلك العصر من أهم المناصب الحساسة في الجيش. 5 - كبش الكتيبة: وهو من الألقاب الكريمة التي يمنح بها القائد الأعلى

ص 21

في الجيش، الذي يقوم بحماية كتائب جيشه بحسن تدبيره، وقوة بأس، وقد أضفي هذا الوسام الرفيع على سيدنا أبي الفضل، وذلك لما أبداه يوم الطف من الشجاعة والبسالة في الذب والدفاع عن معسكر الإمام الحسين (عليه السلام)، فقد كان قوة ضاربة في معسكر أخيه، وصاعقة مرعبة ومدمرة لجيوش الباطل. 6 - العميد: وهو من الألقاب الجليلة في الجيش التي تمنع لأبرز الأعضاء في القيادة العسكرية، وقد قلد أبو الفضل (عليه السلام) بهذا الوسام لأنه كان عميد جيش أخيه أبي عبد الله، وقائد قواته المسلحة في يوم الطف. 7 - حامي الظعينة: ومن الألقاب المشهورة لأبي الفضل (عليه السلام) (حامي

ص 22

الظعينة). يقول السيد جعفر الحلي في قصيدته العصماء التي رثاه بها: حامي الضعينة أين منه ربيعة * أم أين من عليا أبيه مكرم وإنما أضفي عليه هذا اللقب الكريم لقيامه بدور مشرف في رعاية مخدرات النبوة وعقائل الوحي، فقد بذل قصارى جهوده في حمايتهن وحراستهن وخدمتهن، فكان هو الذي يقوم بترحيلهن، وإنزالهن من المحامل طيلة انتقالهن من يثرب إلى كربلاء. 8 - باب الحوائج: وهذا من أكثر ألقابه شيوعا، وانتشارا بين الناس، فقد آمنوا وأيقنوا أنه ما قصده ذو حاجة بنية خالصة إلا قضى الله حاجته، وما قصده مكروب إلا كشف الله ما ألم

ص 23

به من محن الأيام، وكوارث الزمان.

 

ملامحه:

 

أما ملامحه فقد كان صورة بارعة من صور الجمال، وقد لقب بقمر بني هاشم لروعة بهائه، وجمال طلعته، وكان متكامل الجسم قد بدت عليه آثار البطولة والشجاعة، ووصفه الرواة بأنه كان أبا الفضل العباس (عليه السلام) رجلا وسيما جميلا، يركب الفرس المطهم ورجلاه تخطان الأرض، وكان يقال له قمر بني هاشم، وكان حامل لواء الإمام الحسين (عليه السلام) يوم عاشوراء حتى استشهد (1).

(هامش)

(1) مقاتل الطالبيين: ص 33 ط إيران. (*)

ص24

تعويذ أم البنين له:

 

واستوعب حب العباس قلب أمه الزكية، فكان عندها أعز من الحياة، وكانت تخاف عليه، وتخشى من أعين الحساد من أن تصيبه بأذى أو مكروه، وكانت تعوذ بالله، وتقول هذه الأبيات: أعيذه بالواحد * من عين كل حاسد قائمهم والقاعد * مسلمهم والجاحد صادرهم والوارد * مولدهم والوالد (1) مع أبيه: كان الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) يرعى ولده أبا الفضل في طفولته، ويعنى به كأشد ما تكون العناية فأفاض

(هامش)

(1) المنمق في أخبار قريش (س 437). (*)

ص 25

عليه مكونات نفسه العظيمة العامرة بالإيمان والمثل العليا، وقد توسم فيه أنه سيكون بطلا من أبطال الإسلام، وسيسجل للمسلمين صفحات مشرقة من العزة والكرامة. كان الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) يوسع العباس تقبيلا، وقد احتل عواطفه وقلبه، ويقول المؤرخون: إنه أجلسه في حجره فشمر العباس عن ساعديه، فجعل الإمام يقبلهما، وهو غارق في البكاء، فبهرت أم البنين، وراحت تقول للإمام: ما يبكيك؟ يا أبا الحسن. فأجابها الإمام بصوت خافت حزين النبرات: نظرت إلى هذين الكفين، وتذكرت ما يجري عليهما.. . وسارعت أم البنين بلهفة قائلة: ماذا يجري عليهما ..

ص 26

فأجابها الإمام بنبرات مليئة بالأسى والحزن قائلا: إنهما يقطعان من الزند.. . وكانت هذه الكلمات كصاعقة على أم البنين، فقد ذاب قلبها، وسارعت وهي مذهولة قائلة: لماذا يقطعان .. وأخبرها الإمام (عليه السلام) بأنهما إنما يقطعان في نصرة الإمام والذب عن أخيه حامي شريعة الله ريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فأجهشت أم البنين في البكاء، وشاركنها من كان معها من النساء لوعتها وحزنها (1). وخلدت أم البنين إلى الصبر، وحمدت الله تعالى في أن يكون ولدها فداء لسبط رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وريحانته.

(هامش)

(1) قمر بني هاشم (ص 19). (*)

ص 27

نشأته:

 

نشأ أبو الفضل العباس (عليه السلام) نشأة صالحة كريمة، قلما يظفر بها إنسان فقد نشأ في ظلال أبيه رائد العدالة الاجتماعية في الأرض، فغذاه بعلومه وتقواه، وأشاع في نفسه النزعات الشريفة، والعادات الطيبة ليكون مثالا عنه، وأنموذجا لمثله، كما غرست أمه السيدة فاطمة في نفسه، جميع صفات الفضيلة والكمال، وغذته بحب الخالق العظيم فجعلته في أيام طفولته يتطلع إلى مرضاته وطاعته، وظل ذلك ملازما له طوال حياته. ولازم أبو الفضل أخويه السبطين ريحانتي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة فكان يتلقى منهما قواعد الفضيلة، وأسس الآداب الرفيعة، وقد لازم بصورة خاصة أخاه أبا الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) فكان لا يفارقه في حله وترحاله، وقد تأثر

ص 28

بسلوكه، وانطبعت في قرارة نفسه مثله الكريمة وسجاياه الحميدة حتى صار صورة صادقة عنه يحكيه في مثله واتجاهاته، وقد أخلص له الإمام الحسين كأعظم ما يكون الإخلاص وقدمه على جميع أهل بيته لما رأى منه من الود الصادق له حتى فداه بنفسه.

ص 29

ما قيل في مدح أبي الفضل

 

واحتل أبو الفضل (عليه السلام) قلوب العظماء ومشاعرهم، وصار أنشودة الأحرار في كل زمان ومكان، وذلك لما قام به من عظيم التضحية تجاه أخيه سيد الشهداء، الذي ثار في وجه الظلم والطغيان، وبنى للمسلمين عزا شامخا، ومجدا خالدا. وفيما يلي بعض الكلمات القيمة التي أدلى بها بعض الشخصيات الرفيعة في حق أبي الفضل (عليه السلام). 1 - الإمام زين العابدين: أما الإمام زين العابدين فهو من المؤسسين للتقوى والفضيلة في الإسلام، وكان هذا الإمام العظيم يترحم - دوما - على عمه العباس ويذكر بمزيد من الإجلال

ص 30

والإكبار تضحياته الهائلة لأخيه الحسين وكان مما قاله في حقه هذه الكلمات القيمة: رحم الله عمي العباس، فلقد آثر وأبلى، وفدى أخاه بنفسه، حتى قطعت يداه، فأبدله الله بجناحين، يطير بهما مع الملائكة في الجنة، كما جعل لجعفر بن أبي طالب، وأن للعباس عند الله تبارك وتعالى منزلة يغبطه عليها جميع الشهداء يوم القيامة.. (1). 2 - الإمام الصادق: أما الإمام الصادق (عليه السلام) فهو العقل المبدع والمفكر في الإسلام فقد كان هذا العملاق العظيم يشيد دوما بعمه العباس، ويثني ثناء عاطرا ونديا على مواقفه البطولية يوم الطف، وكان مما قاله في حقه:

(هامش)

(1) ذخيرة الدارين (ص 123) نقلا عن عمدة الطالب. (*)

ص 31

كان عمي العباس بن علي (عليه السلام) نافذ البصيرة، صلب الإيمان، جاهد مع أخيه الحسين، وأبلى بلاء حسنا، ومضى شهيدا.. (1). أ - نفاذ البصيرة: أما نفاذ البصيرة، فإنها منبعثة من سداد الرأي، وأصالة الفكر، ولا يتصف بها إلا من صفت ذاته، وخلصت سريرته، ولم يكن لدواعي الهوى والغرور أي سلطان عليه، وكانت هذه الصفة الكريمة من أبرز صفات أبي الفضل فقد كان من نفاذ بصيرته. ب - الصلابة في الإيمان: والظاهرة الأخرى من صفات أبي الفضل (عليه السلام) هي

(هامش)

(1) ذخيرة الدارين (ص 123) نقلا عن عمدة الطالب. (*)

ص 32

الصلابة في الإيمان وكان من صلابة إيمانه انطلاقه في ساحات الجهاد بين يدي ريحانة رسول الله مبتغيا في ذلك الأجر عند الله. ج - الجهاد مع الحسين: وثمة مكرمة وفضيلة أخرى لبطل كربلاء العباس (عليه السلام) أشاد بها الإمام الصادق (عليه السلام) وهي جهاده المشرق بين يدي سبط رسول الله صلى الله عليه وآله، وسيد شباب أهل الجنة، ويعتبر الجهاد في سبيله من أسمى مراتب الفضيلة التي انتهى إليها أبو الفضل، وقد أبلى بلاء حسنا يوم الطف لم يشاهد مثله في دنيا البطولات. زيارة الإمام الصادق: وزار الإمام الصادق (عليه السلام) أرض الشهادة والفداء كربلاء، وبعدما انتهى من زيارة الإمام الحسين وأهل

ص 33

بيته والمجتبين من أصحابه، انطلق بشوق إلى زيارة قبر عمه العباس، ووقف على المرقد المعظم، وزاره بالزيارة التالية التي تنم عن سمو منزلة العباس، وعظيم مكانته، وقد استهل زيارته بقوله: سلام الله، وسلام ملائكته المقربين، وأنبيائه المرسلين، وعباده الصالحين، وجميع الشهداء والصديقين الزاكيات الطيبات فيما تغتدي وتروح عليك يا ابن أمير المؤمنين.. . لقد استقبل الإمام الصادق عمه العباس بهذه الكلمات الحافلة بجميع معاني الإجلال والتعظيم، فقد رفع له تحيات من الله وسلام ملائكته، وأنبيائه المرسلين، وعباده الصالحين، والشهداء، والصديقين وهي أندى، وأزكى تحية رفعت له، ويمضي سليل النبوة الإمام الصادق (عليه السلام) في زيارته قائلا: وأشهد لك بالتسليم، والتصديق، والوفاء، والتضحية

ص 34

لخلف النبي المرسل، والسبط المنتجب، والدليل العالم، والوصي المبلغ والمظلوم المهتضم.. . وأضفى الإمام الصادق (عليه السلام) بهذا المقطع أو سمة رفيعة على عمه العباس هي من أجل وأسمى الأوسمة التي تضفي على الشهداء العظام، وهي: أشهد، وأشهد الله أنك مضيت على ما مضى به البدريون والمجاهدون في سبيل الله، الناصحون له في جهاد أعدائه، المبالغون في نصرة أوليائه، الذابون عن أحبائه، فجزاك الله أفضل الجزاء وأوفى الجزاء، وأوفى جزاء أحد ممن وفى ببيعته، واستجاب لدعوته، وأطاع ولاة أمره.. . 3 - الإمام الحجة: وأثنى الإمام المصلح العظيم بقية الله في الأرض قائم آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بكلمة رائعة في حق عمه العباس (عليه السلام)

 

الصفحة السابقة الصفحة التالية

قمر بني هاشم (عليه السلام) والشهداء

فهرسة الكتاب

فهرس الكتب