الصفحة السابقة الصفحة التالية

شذى العرف في فن الصرف

فهرسة الكتاب

فهرس الكتب

 
تعريف بمؤلف الكتاب

1

هو الأستاذ اللغويّ الثقة الحافظ، الشيخ أحمد بن محمد بن أحمد الحملاويّ، نسبة إلى «منية حمل» من قرى «بلبيس» بمديرية الشرقية. وهو عربيّ الأرومة، ينمى إلى الدوحة العلوية الكريمة، كما صرّح بذلك في كثير من قصائده في ديوانه.وقد ذكر علي مبارك باشا في كتابه «الخطط التوفيقية (ج9 ص 77) أنه ولد سنة 1273 هجرية – 1856 م) وتربّى في حجر والده، وقرأ وتلقى كثيراً من العلوم الشرعية والأدبية عن أفاضل عصره، ثم دخل مدرسة دار العلوم، وتلقّى الفنون المقرّرة قراءتها بها».

ونال الشيخ إجازة التدريس من دار العلوم سنة 1306 هـ = 1888 م، فعيّن مدرساً بالمدارس الابتدائية بوزارة المعارف. وبعد مديدة أعلنت دار العلوم بحاجتها إلى مدرّس للعلوم العربية، وعقدت لذلك امتحان مسابقة كان الشيخ من أوائل المبرّزين فيه، فنقل إلى دار العلوم.

وفي سنة 1897 ترك الأستاذ التدريس بمدارس الحكومة، مؤثراً الاشتغال بالمحاماة في المحاكم الشرعية، وفي أثناء ذلك أقبل على التحضير لنيل شهادة «العالمية» من الأزهر، فنال بغيته، وكان أوّل من جمع بين العالمية وإجازة التدريس من دار العلوم. وعلى أثر ذلك عهدت إليه الجامعة الأزهرية في تدريس التاريخ والخطابة والرياضيات لطلابها. وفي سنة 1902 أضيفت إليه مع ذلك نظارة مدرسة المرحوم عثمان باشا ماهر، وهي مدرسة حديثة، كان يعلّم بها القرآن والتجويد، ثم العلوم الدينية والعربية والعلوم الحديثة، على نحو ما يجري في بعض أقسام الأزهر التي نظمت حينئذ تنظيماً حديثاً. وكان المنتهون منها يلحقون لإتمام دراساتهم بمدرسة القضاء الشرعيّ أو دار العلوم أو الأزهر. وقد قضى المترجم في نظارة هذه المدرسة خمساً وعشرين سنة، انتفع به فيها طلاب كثيرون، كان يمدّهم بمعارفه المتفنّنة الواسعة، ويتعهدهم بالتربية الإسلامية والقومية القوية، ويزوّدهم بنصائحه وتجاربه الكثيرة؛ إلى أن علت سنه، فآثر الراحة، وترك العمل سنة 1928 م. ثم أدركته الوفاة في (22 من شهر ربيع الأول سنة 1351 = 26 من يوليه سنة 1932 م).

2

وأحسب أن هذا الإطار التاريخيّ العام لحياة أستاذنا الكبير، لا يحوي بداخله الصورة التي تمثّل ملامح شخصيته العلمية والخلقية، وان كان هو النّمط الذي جرى عليه المترجمون للعلماء من أصحاب المعاجم وكتب الطبقات؛ ولذلك أعود إلى ذكرياتي الخاصة، فأستوحيها بعض ما ارتسم في نفسي من آثاره الباقية، التي لم تخلق حدّها على طول السنين، ومرّ الأعوام، والتي يشاركني في الإحساس بها أولئك الذين ألموا بمعرفة هذا الحبر الجليل، من تلاميذه وعارفي فضله. امتاز أستاذنا العلامة بخلال كثيرة، تعاونت كلّها على التأثير الشديد فيمن أخذوا عنه العلم، وفيمن خالطوه وعاشروه، من الأستاتذة والعلماء، فجعلت تلاميذه يعجبون به، ويحرصون على الأخذ عنه، والتعلق بأسبابه وآدابه، وجعلته بين العلماء والأدباء ورجال القضاء والمحاماة، موضع الثقة وحسن التقدير، ومفزع الرأي والمشورة، ومحلّ السرّ والنّجوى. أوتي الشيخ بسطة في الجسم، ووجاهة ووسامة في الهيئة والوجه، مع حسن ذوق واعتناء بالزيّ، فكانت رؤيته تملأ العين جلالة، والنفس مهابة، ومنح قوّة في الصوت واللسان، فكان حسن الإعراب والبيان، يحرص على العربية دائماً، لا يشوب كلامه شائبة من عامية أو لكنة، أو عيّ أو حصر، وإنما ينساب حديثه في النفس انسياب النهر المتدفق في رزانة ووقار، وكان حسن العرض للكلام، جيّد الإنشاد للشعر، لا يملّ حديثه وإن طال، ولا يسأم إنشاده وإن بلغت قصائده المئين من الأبيات في بعض الأحيان. وكانت فصاحة الشيخ، ونصاعة بيانه، وجودة إلقائه، وحسن أدائه، وتمام شرحه للفكرة تعرض له، يجعلها نقشاً ثابتاً في نفوس سامعيه، فلا يحتاج الطالب إلى استذكار أو معاودة درس، وحسبه أن يتخيل الشيخ وهو يلقي بيانه، فتمرّ عليه صور الكلام التي تجدد الموضوع، وتحييه في ذاكرته، وتغنيه عن معاودة درسه، أو معاناة حفظه. ولهذه المزية البارعة في بيان الشيخ وتجويد إلقائه، أثمر تعليمه ثمراً طيباً في نفوس من أخذوا عنه، فحصّلوا في الزمن اليسير، ما يحتاج أمثالهم في تحصيله إلى طوال السنين.

3

وقد كسب الشيخ معارفه العلمية في بيئتين: الأولى الأزهر، درس فيه علوم الدين: من تفسير، وحديث وعقائد، وفقه، على مذهب الشافعيّ، الذي خالط حبّه شغاف قلبه، وتمكن من نفسه، ودرس العلوم اللسانية: من نحو، وصرف، وعروض، وبلاغة، ووضع... الخ، على شيوخ عصره، وأحرز من كل ذلك قسطاً موفوراً، دلّ عليه تمكنه منها في كتبه ودروسه، وإحرازه درجة العالمية، بعد تركه خدمة الحكومة. والبيئة الثانية: دار العلوم، التي أنشأها عليّ مبارك باشا وزير المعارف المصرية، لتخريج معلمين، يحسنون تعليم اللغة العربية والدين، لتلاميذ المدارس الابتدائية والثانوية. وكان طلابها حينئذ ينتخبون بامتحان مسابقة من صفوة الطلاب الأزهريين، الذين أنهوا دراساتهم أو كادا ينتهون منها، وكانوا يدرسون فيها العلوم الدينية والعربية لزيادة التمكن، إلى جانب العلوم التي لم تكن في الازهر: من بيداجوجيا، وأدب، ولغة، وكتابة، وخطابة، ورياضيات، وطبيعيات، وتاريخ، وجغرافيا، وخط، ورسم... الخ. وكانت عناية المدرسين بها تجمع بين المحاضرة والتطبيق العمليّ. وكان بين أساتذتها نخبة من علماء الأزهر، أمثال الشيخ حسي المرصفيّ، والشيخ حسن الطويل، والشيخ محمد عبده، والشيخ سليمان العبد، وأضرابهم من الفحول. وكان الجمع في دار العلوم بين العلوم الإسلامية والعربية القديمة، وبين العلوم المدرسية الحديثة ـ كما كانوا يسمونها ـ ، ثم بي المنهجين النظريّ والتطبيقيّ، وخليقاً أن يطبع خريجي دار العلوم وفتئذ بطابع وسط بين القديم المتمثل في الدراسات الأزهرية، والحديث المتمثل فيما يدريس بالمدارس المصرية الحديثة، والجامعات الأوروبية. وقد جنت مدارس وزارة المعارف ثمرات هذه المدرسة القديمة والحديثة، التي وصلت ماضي الأمة العربية بحاضرها، فكانت من العوامل في النهضة الأدبية والعلمية، التي ظهرت بواكيرها في وادي النيل منذ بدء القرن التاسع عشر. لذلك أقبل كثير من أذكياء الطلاب الأزهريين على دار العلوم، ينهلون من ثقافتها المختلطة. وكان المؤلف من الرّعيل الأول الذي استبق إليها، فنهل وعلّ من معارفها وآدابها. ونال إجازة التدريس منها سنة 1888 م، كما اشرنا إليه في صدر هذه الكلمة.

كان الشيخ رحمه الله ضليعاً في علوم العربية: نحوها وصرفها ولغتها وعروضها وبلاغتها وأدبها، وكان يروي من ذلك كله ويحفظ الشيء الكثير، مع حسن اعتناء بفهم ما يحفظ، وجودة نقد لما يروي، وبراعة استخراج للعبرة والفائدة. وكان النحو والصرف واللغة والشعر الميدان المحبّب إليه، يجول فيها فيمتع، ويتتبع أقوال الأوائل والأواخر، فلا يكتفي ولا يشبع. ويظهر لي أنه كان معجباً بابن هشام الأنصاريّ من النحاة المصريين (708 – 761 هـ) وبما جمع شرحه لألفية ابن مالك الموسوم «بأوضح المسالك، إلى ألفية ابن مالك»، من مادة غزيرة. فحفظ مسائله، وجعله أساس دراساته النحوية والصرفية، وتحقيقاته اللغوية، التي كان ينثرها بين يدي تلاميذه في دروسه ومحاضراته. ومنه التقط أغلى درره التي ألف منها كتابه هذا: «شذا العرف في فن الصرف»، مع ما أضاف إليها من شذرات أخرى، من مفصّل الزمخشريّ، ومن شافية ابن الحاجب، وشرحها لرضيّ الدين الأستراباذيّ، وغيره من محققي الأعاجم المتأخرين، الذين عنوا بالدراسات الصرفية، وأشبعوها تأليفاً وتوضيحاً وتصنيفاً.

وقد أسبغ الشيخ على هذه المادة التي أحسن اختيارها من كتب العلماء، كثيراً من ذوقه وخبرته بأساليب التعليم والتصنيف، فتصرّف فيها توضيحاً وتهذيباً، وتنسيقاً وتبويباً، حتى جاء هذا الكتاب محكم الطريقة، واضح الأسلوب، جامعاً للعناصر الضرورية التي لا بد منها لدارسي اللغة وفنونها، ممثلاً ما وصلت إليه الثقافة اللغوية في مدارس البصرة والكوفة وبغداد والفسطاط والأندلس، ثم ما انتهت إليه أخيراً على يد ابن مالك وأبي حيّان وتلاميذها من رجال المدرسة النحوية الأخيرة، التي لا تزال آثارها قوية باقية. وإجمال القول، أن كتاب «شذا العرف» من أنفع الكتب لطلاب الداراسات الصرفية في المدارس والمعاهد وبعض الكليات. وهذه الطبعة الحادية عشرة من طبعاته، دليل على استمرار النفع به، وعلى قيمة ما أودع من مادة صحيحة مهذّبة، ملائمة لعقول الطلاب.

4

وكان من سعادة الجدّ، واكتمال الحظّ، أنني سمعت من أستاذنا الحملاويّ، جمهور مادة هذا الكتاب، وكنت أنا وزملائي إذا عرضنا ما يذاكرنا به الشيخ من مسائل التصريف والنحو، على شذا العرف، وعلى أوضح المسالك، لم نجد بينهما وبين عبارته فرقاً، لا ما يكون بين الحسناء وخيالها في المرآة، فكنا نعجب من قوّة حفظه، وامتزاج مادة الدرس بعقله ونفسه امتزاجاً قوياً. على أن الشيخ كان ممتازاً فوق ذلك بمزية بارزة: كان تعليمه نظرياً وعملياً معاً، يشرحا لموضوع بعبارته القوية. فإذا أحسّ أن المقام دقيق، لا تكفي فيه الإشارة، ولا طويل العبارة، أسرع إلى سبورة المعلم، فوضح الدقائق بخطه، ورسم المشكلات بقلمه، وأشبعها إيضاحاً وتفصيلاً، في تدرّج عقليّ، حتى يبين الصبح لذي عينين. وذلك مما أفاده من تدريسه للرياضيات، ومن خبرته الواسعة بأساليب التعليم، ومن طبيعة ذهنه الرياضيّ. ذلك كان شأنه في التصريف والإعراب واللغة. وكذلك كان شأنه في التاريخ، لا يكاد يمرّ به علم أو بلد أو أرض، حتى يسرع إلى ضبطه أو تبيين موضعه على المصوّرات المرسومة، أو على مصوّر يرسمه بيده، كما كان يتبع دروسه النظرية دائماً لتطبيقات عملية، يعنى تصحيحها، ويقف الطلاب على مواضع أخطائهم منها.

أما سائر معارف الشيخ من اللغة والعروض والأدب العربي: شعره ونثره، والتاريخ والجغرافيا والرياضيات، فقد كان محيطاً بها إحاطة قلما اتفقت لرجال المدرسة القديمة التي عاصرته في الأزهر، وقد كسب الكثير منها في دار العلوم، وفي قراءاته الخاصّة، فقد كان رحمه الله معنياً بتتبع ما يطبع من الكتب الحديثة التي يؤلفها رجال عصره، كحفني بك ناصف، ومحمد بك دياب، ونظرائهما من رجال المعارف، وكان ينقدها ويساجل أصحابها في بعض مآخذها، كما كان مشغوفاً بقراءة ما ينشر من الكتب القديمة، ويستفيد منها فوائد لا تلبث أن تصبح موضوع حديثه مع تلاميذه. أذكر مرة أنه علم بنشر كتاب الهمع للسيوطي لأول مرة سنة (1327 هـ = 1909 م) فبعث في شراء نسخة منه، ثم جاء في ثاني يوم يقول لطلابه: «قرأت أمس في كتاب الهمع للسيوطي أن من اللغات في لفظة «الّلائي» من الأسماء الموصولة: «الّلا» بالقصر، التي شاعت بين العامة، فينطقها بعضهم باللام المشددة مفتوحة، وبعضهم بكسرها وقلب الألف ياء «الّلي» وكنا نظنها عامية، فإذا هي من صميم اللغة في بعض أحوالها. هكذا كان الشيخ مولعاً بالجديد، وهكذا كان شديد الحرص على إفادة تلاميذه كل نفيس من قديم أو حديث.

5

وكان أستاذنا الشيخ الحملاوي شاعراً مكثراً من الشعر؛ يقوله في المناسبات العامة والخاصة، ويقوله فيما يعرض لحياته الخاصة من شئون، وما يتطلع إليه من آمال. وما يضطرم في نفسه من آلام. وأشعاره تنبئ عن صفاء روحه وقوّة نفسه، واستمساكه بآداب الدين وفضائله، حتى لقبه بعضهم «الشاعر الصوفي». له أشعار في الالتجاء إلى الله وطلب المغفرة، وملك عليه نفسه، وحسه حبّ النبي صلى الله عليه وسلم، فقال في مدحه قصائد كثيرة مطوّلة تبلغ المئين، عارض في أكثرها القدماء من أمثال كعب بن زهير والبوصيريّ، وله في آل بيت النبيّ، وخاصة أبناء فاطمة الذين يتصل نسبه بنسبهم، شعر كثير. أما علماء الإسلام فقد خصّ الإمام الشافعي منهم بنصيب موفور من مدائحه، وكان يحضر مولده في كل عام، يبتدئ الاحتفال بقصيدة، ويختمه بأخرى، ومدح أبا البركات الدردير من علماء المالكية المتأخرين بقصائد كثيرة في ولده. ومدح ورثى كثيراً من رجال عصره، كالمرحوم زعيم الوطنية: مصطفى كامل باشا، وكصديقه فقيد المعارف: الاستاذ حسن توفيق العدل، ومرثيّتاه فيهما من محاسن شعره. وليس هذا مقام التفصيل في دراسة شعره وشاعريته، وبيان مزاياه وخصائصه، وإنما موضعه صدر ديوانه. وقد أعدّه أستاذ فاضل من علماء الجامعة الأزهرية لنشره، ولعله يصدر قريباً، فيتمكن الدارسون من تتبعه، وتفصيل القول فيه. وحسبنا أن نورد هنا مثالين منه: قال يمدح العلم، ويوازن بينه وبين الجاه والمال، في مطلع قصيدة يمدح بها الإمام الشافعيّ عند بدء الاحتفال بمولده سنة (1331 هـ = 1912 م) 1:

الفخر بالعلم لا بالجاه والمال والمجد بالجدّ لا بالجدّ والخال

كم من مليء وضيء الوجه تحسبه للعلم خلاًّ ولكن فكره خالي

في المال والجاه أسباب الغرور ومن يعتزّ بالأهل كالمغترّ بالآل

تلك الأمور سحابات تغيّرها حوادث الدّهر من حال إلى حال

ولكن العلم لا ينفكّ صاحبه معظّم القدر في حلّ وترحال

أفق السّماكين بل أعلاه مقعده في كلّ حالٍ تراه ناعم البال

إن عاش عاش أجلّ الناس منـزلة أو مات مات بإعظام وإجلال

وقال في رثاء الزعيم مصطفى كامل باشا، وقد نشرت بصحيفة اللواء في (22 صفر سنة 1326 = 25 مارس سنة 1908)2:

تبكيك أعواد المنابر خشّعاً وعليك ذابت حسرةً وتأسّف

يأيها المنطيق ما لك ساكتاً حتّى متي هذا السكوت أما كفى

قم وارق منبرك الّذي عوّدته حسن الخطابة فالنّفوس على شف

واصدع بأمرك يا همام فكلنا مرضى وأنت لنا من المرض الشّف

ومنها على لسان الزعيم ناصحاً بني وطنه:

قد كنت فرداً واحداً فحججت من في الحكم جار على البلاد وأجحفا3

واليوم كلكم رجالٌ فاقتفوا أثري وجدّوا فالهمام من اقتفى

إن ما منكم مصطفى فجميعكم من بعد موتي يا أفاضل مصطفى

فثقوا بمولاكم ولا تتفرّقوا إنّ التّفرّق كم أذلّ وأضعف

ومن رثائه لصديقه المرحوم الأستاذ حسن توفيق العدل4:

ما كلّ رزءٍ مثل رزئك يا حسن رزءٌ جسيم للمعارف والوطن

كنّا على ثقةٍ بعودك سالماً عالي الذّرا متزوّداً من كلّ فنّ

ومنها:

ماذا جري حتى تركت أحبّةً حفظوك في سرّ الفؤاد وفي العلن

كانت لمنعاك البيوت مآتماً والنّاس قد ضجّوا ومدمعهم هتن

نبكي شمائلك التي فاقت على من في الحواضر والبوادي قد قطن

6

أما تلاميذ الشيخ الذين أخذوا عنه في دار العلوم فكثيرون، من اشهرهم الأساتذة:
الشيخ عبد العزيز شاويش بك
ومحمد عاطف بركات باشا
والشيخ محمد الخضري بك
الشيخ مهدي زيكو
والشيخ أحمد الإسكندري
والشيخ حسن منصور
والشيخ محمد مهدي خليل.

وممن تلقوا العلم عليه في مدرسة المرحوم عثمان ماهر باشا الأساتذة: حسن مأمون رئيس المحكمة الشرعية العليا، وعبد الله عفيفي، وأمين الخولي، وأحمد زكي صفوت، وحسن محمد زهران (المحامي)، وطه أبو بكر، ومهدي علام، ومصطفى السقا. وصفوة القول أن أستاذنا العلامة الشيخ أحمد الحملاويّ هو أحد أركان النهضة اللغوية في العصر الحديث، بما ألّف من كتب، وبما تخرّج على يديه من رجال القضاء الشرعي والمحاماة وأساتذة اللغة العربية، وكلهم ممن شغلوا مكاناً فسيحاً في حياة مصر العلمية والأدبية، في معاهدها الكبرى، وجامعاتها القديمة والحديثة.

7

وللشيخ مؤلفات هي:

1 – شذا العرف، في فن الصرف. (طبع أول مرة سنة 1312 هـ = 1894 م) وهذه الطبعة الثانية عشرة في سنة 1957.

2 – زهر الربيع، في المعاني والبيان والبديع (طبع أول مرة سنة 1327 هـ = 1909 م) بالمطبعة الأميرية.

3 – مورد الصفا، في سيرة المصطفى (طبع اول مرة سنة 1358 هـ = 1939 م) بمطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بالقاهرة.

4 – قواعد التأييد، في عقائد التوحيد (رسالة صغيرة طبعت بمطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بالقاهرة سنة (1372 هـ = 1953 م).

5 – ديوان شعره. تم طبع الجزء الأول منه في أول يونيه سنة 1957 م، بمطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بالقاهرة.

ومؤلفات أستاذنا الحملاوي وآثاره واسعة الجوانب، يحتاج كل منها إلى درس خاص، ولا سيما ديوان شعره، وحسبي هذه الكلمة في تصدير الطبعة العاشرة من كتابه النافع «شذا العرف»، وأنا أهديها إلى نجله الكريم، صديقي السيد فرج صابر الحملاويّ، الذي اضطلع بأعباء التربية والتعليم في وزارة المعارف حقبة تزيد على ثلث قرن، فوصل مجد الأبناء والأحفاد، بمجد الآباء والأجداد. متعه الله بالصحة، وضاعف عليه ثوب النعمة، ولا زال عاملاً بفضله وحسن مساعيه، على إحياء الطيّب من مآثر أبيه. وعليه مني السلام ورحمة الله وبركاته.

محرم سنة 73 ؟؟ مصطفى السق

27 سبتمبر سنة 1953 كلية الآداب بجامعة القاهرة

 

1 اقرأ القصيدة بتمامها في الجزء الأول من ديوانه المطبوع في اول يونيه سنة 1957

(ص 185 ـ 188).

2 إقرأ القصيدة بتمامها في الجزء الاول من ديوانه (ص 227 ـ 231).

3 حججت الخصم: غلبته بقوة الحجة. وأجحف فلان بفلان: كلفه ما لا يطيق.

4 اقرأ القصيدة بتمامها في الجزء الأول من ديوان المؤلف (ص 231 ـ 233).

 

 

خطبة الكتاب

بسم الله الرّحمن الرّحيم

اللهمّ إنا نحمدك يا مصرّف القلوب على مزيد نعمك، ومترادف جودك وكرمك، غمرتنا بإحسانك، الذي مصدره مجرّد فضلك، وشملتنا بمضاعف نعمك وطولك؛ فسبحانك تعالت صفاتك عن الشبيه والمثال، وتنزهت أفعالك عن النقص والاعلال؛ لا رادّ لماضي أمرك، ولا وصول لقدرك حقّ قدرك، ونستمطرك غيث صلواتك الهامية، وتسليماتك الباهرة الباهية، على نبيك إنسان عين الوجود، المشتقّ من ساطع نوره كلّ موجود، «محمد» المصطفى من خير العالمين نسباً، وأرفعهم قدراً، وأشرفهم حسباً، الذي صغّر بعزمه جيش الجهالة، ومزّق بسالم حزمه شمل الضلالة، وعلى آله مظاهر الحكم، وصحبه مصادر الهمم، الذين مهّدوا بلفيف جمعهم المقرون بالسّداد سبيل الهدى ومعالم الرّشاد. وبعد، فما انتظم عقد علم إلّا والصّرف واسطته، ولا ارتفع مناره، إلا وهو قاعدته، إذ هو إحدى دعائم الأدب، وبه تعرف سعة كلام العرب، وتنجلي فرائد مفردات الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، وهما الواسطة في الوصول إلى السعادة الدينية والدنيوية، وكان ممن تطلّع لرشف أفاويقه، وتطلب جمع تعاريفه، طلبة مدرسة «دار العلوم»، فإنهم أحدقوا بي من كل جانب، وكان المطلاب فيهم أكثر من الطالب، فما وسعني إلا أن أحفظ العلم ببذله، وألا أضنّ به على أهله، فسرّحت نواظر البحث في فجاج الكواغد، وبعثتها في طلب الشوارد، فاقتفت الأثر، حتى أتت بالمبتدأ والخبر، ثم جعلت أميّز الصحيح من العليل. وأودع ما أقتطفه من ثمار الكثير في السهل القليل، فجاء بحمد الله كتاباً تروق معانيه، وتطيب مجانيه، عباراته شافية، وشواهده كافية، فأنعم نظرك فيه، وقل: «ذلك فضل الله يؤتيه»، وإن رأيت هفوة فقل طغى القلم، فإن ذلك من دواعي الكرم، وحاشاك أن تكون ممن قيل فيهم: فإن رأوا هفوةً طاروا بها فرحاً منّي وما علموا من صالح دفّنوا1 وقد سميته:

«شذا العرب، في فن الصرف»

والله أسأل أن يلبسه ثوب القبول، وأن ينفع به، إنه أكرم مسئول. وقد جعلته مرتباً على مقدمة وثلاثة أبواب. فالمقدمة فيما لا بد منه فيه والباب الأول: في الفعل. والثاني: في الاسم. والثالث: في أحكام نعمهما.

1 البيت لقعنب بن ضمرة: (التبريزي، شرح الحماسة 4: 12 طبعة الأميرية). ولسان

العرب: أذن.

 

الصفحة السابقة الصفحة التالية

شذى العرف في فن الصرف

فهرسة الكتاب

فهرس الكتب