الصفحة السابقة الصفحة التالية

صحيح شرح العقيدة الطحاوية

فهرسة الكتاب

فهرس الكتب

ص 655

وأوامر الله تعالى ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وقد جاء في البخاري (7 / 78) عن أبي بكر الصديق رضوان الله تعالى عليه أنه قال: ارقبوا محمد صلى الله عليه وآله وسلم في أهل بيته . وأهل البيت هم سيدنا علي والسيدة فاطمة وسيدنا الحسن وسيدنا الحسين عليهم السلام وذريتهم من بعدهم ومن تناسل منهم للحديث الصحيح الذي نص النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيه على ذلك، ففي الحديث الصحيح: [نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) في بيت أم سلمة، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة وحسنا وحسينا فجللهم بكساء وعلى خلف ظهره فجلله بكساء ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا . قالت أم سلمة: وأنا معهم يا نبي الله؟ قال: أنت على مكانك وأنت إلى خير . هذا لفظ الترمذي (5 / 663 برقم 3787) من حديث عمرو بن أبي سلمة، وهو في صحيح مسلم (4 / 1883 برقم 2424) من حديث السيدة عائشة (386). قال البخاري فيصحيحه (7 / 77): [باب مناقب قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم: ومنقبة فاطمة عليها السلام بنت النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: فاطمة سيدة نساء أهل الجنة (387)].

(هامش) (386) ورواه من حديث أم سلمة: أحمد في المسند (6 / 292 و298 و304) والطبراني (3 / 54)، ومن حديث سعد بن أبي وقاص: الحاكم (3 / 147)، ومن حديثصفية: الحاكم (3 / 148) ومن حديث واثلة: ابن حبان (15 / 433) والطبراني في الكبير (22 / 66) والحاكم (3 / 147) والبيهقي في السنن (2 / 152) وغيرهم. (387) هذا حديثصحيح أخرجه البخاري موصولا في الصحيح (6 / 628) في المناقب باب = (*)

ص 656

وفي البخاري (7 / 78) أيضا عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: ارقبوا محمد صلى الله عليه وسلم في أهل بيته . وتواتر الخبر عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأن الحسن والحسين عليهما السلام سيدا شباب أهل الجنة (388). وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: والذي نفسي بيده لا يبغضنا أهل البيت أحد إلا أدخله الله النار رواه الحاكم (3 / 150) بسندصحيح. وكذا ابن حبان فيصحيحه (15 / 435) بسند حسن. وقد نص على محبة العترة جمهور أهل السنة والجماعة لكنها بقيت مسألة نظرية لم يطبقها كثيرون فهي مفقودة حقيقة في أرض الواقع وهذا مما يؤسف له جد الأسف. وقد حاول النواصب وهم المبغضون لسيدنا علي رضوان الله عليه ولذريته - وهم عترة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الأطهار - أن يصرفوا الناس عن محبة آل البيت التي هي قربة من القرب فوضعوا أحاديث في ذلك وبنوا عليها أقوالا فاسدة منها: أنهم وضعوا حديث: آل محمد كل تقي وحديث أنا جد كل تقي ونحو هذه الأحاديث التي هي كذب من موضوعات أعداء أهل البيت النبوي. ومن الباطل قول أحد النواصب المبتدعة (389) أثناء كلام له في هذا الموضوع:

(هامش) = رقم (25)، وقال الحافظ في الفتح (7 / 105): [وعند الحاكم من حديث حذيفة بسند جيد أتى النبي صلى الله عليه وسلم ملك وقال: إن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة ]. (388) ممن رواه: أحمد في المسند (5 / 391) والترمذي (5 / 656) وقال: حسنصحيح، وانظر فيض القدير (3 / 414 - 415). (389) في ما يسميه!! صحيحته (4 / 359) الطبعة الثالثة 1406 ه‍. (*)

ص 657

وأهل بيته في الأصل هم نساؤه صلى الله عليه وسلم وفيهن الصديقة عائشة رضي الله عنهن جميعا (390)، كما هوصريح قوله تعالى في الأحزاب: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) بدليل الآية التي قبلها والتي بعدها (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن...) وتخصيص الشيعة (أهل البيت) في الآية بعلي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم دون نسائه صلى الله عليه وسلم من تحريفهم لآيات الله تعالى انتصارا لأهوائهم كما هو مشروح في موضعه (391)، وحديث الكساء وما في معناه غاية ما فيه توسيع دلالة الآية، ودخول علي وأهله فيها، كما بينه الحافظ ابن كثير وغيره، وكذلك حديث العترة قد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن المقصود أهل بيته صلى الله عليه وسلم بالمعنى الشامل لزوجاته وعلي وأهله . قلت: اقترف هذا الناصبي عدة كذبات أو مغالطات!!: الأولى: أنه كذب على ابن كثير وحرف كلامه وأخذ منه ما يوافق هواه مما يتوهم منه من لم يرجع إلى كلامه أنه قال كذلك!!

(هامش) (390) يريد هذا المبتدع هنا أن يصرف الناس عن اعتقاد أن أهل البيت هم على وجه الخصوص أصحاب الكساء سيدنا علي والسيدة فاطمة والحسن والحسين عليهم السلام فادعى أن أهل البيت هنا أزواجه صلى الله عليه وسلم!! وكان هذا المبتدع يحترم أزواجه صلى الله عليه وسلم!! وقد حاول أن يظهر هنا أنه يحترمهن رضوان الله تعالى عليهن مع أنه يصفهن فيصحيحته (4 / 531) بأن الزنا يجوز عليهن وأنهن غير محفوظات ولا معصومات منه كبرت كلمة تخرج من فمه!! فعل الناس أن يسألوه ما فائدة إثارة هذا الموضوع الباطل الفاسد بعد خمسة عشر قرنا من وفاتهن رضوان الله تعالى عليهن؟! ولذلك رد عليه بعض من كان قدصحبه ورافقه أكثر من 25 عاما في كتاب مستقل أسماه نوال المنى في بيان عصمة أزواج الانبياء وأمهات المؤمنين من الزنا وكانت هذه المسألة سببا للفراق بينهما!! فاعتبروا يا ذوي الأبصار؟! (391) وهذا من تلبيساته وتمحله في رد السنة الثابتة في تفسيره لأهل البيت، وهو بهذا أراد أن يلبس على القارئ بأن من قال إن أهل البيت هم أهل الكساء أنهم هم الشيعة!! والحق أن من قال ذلك جميع أهل السنة والجماعة وقبلهم الذي لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وآله وسلم!! ولكن هذا هو النصب الذي يفضي بصاحبه إلى ما ترى!! كما شرحنا هذا في موضعه!!

ص 658

والثانية: أنه رد ما جاء في القرآن والأحاديث الصحيحة التي نص فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن آله هم على وجه الخصوص سيدنا علي والسيدة فاطمة والحسن والحسين!! ثالثا: أنه رد بذلك كلام الصحابة الذين بينوا أن آله صلى الله عليه وسلم هم عترته وذريته ومنهم هؤلاء الأربع وقدم على كلامهم قول ابن كثير الذي حرفه أيضا!! ورابعا: رد إجماع الأمة واتفاقها على أن آل البيت هم ذرية سادتنا علي والحسن والحسين ودخول آل جعفر وآل عقيل وآل العباس وغيرهم من نسل قرابته الأدنون معهم. أما كذبه على ابن كثير: فقدصور هذا المبتدع الناصبي أن ابن كثير يقول أن الأصل في الآل هم الأزواج كما جاء في سياق آية التطهير وأن دخول أصحاب الكساء من باب التوسع في معنى الآية!! والصواب أن ابن كثير قال عكس هذا!! فقد اعتبر أن أصحاب الكساء هم الأصل واعتبر هذه الآية نص في دخول الأزواج في الآل!! فمن التوسع في معنى الآية هو إدخال الأزواج فيها!! لا العكس كما زعم هذا المبتدع!! حيث قال ابن كثير في تفسيره (3 / 491) هناك ما نصه: وهذا نص في دخول أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في أهل البيت ههنا لأنهن سبب نزول هذه الآية... وإن أريد أنهن المراد فقط دون غيرهن ففي هذا نظر فإنه قد وردت أحاديث تدل على أن المراد أعلم من ذلك... . ثم قال ابن كثيرص (494) إن الإمام مسلما روى فيصحيحه (4 / 1874) عن يزيد بن حيان أنه قال لسيدنا زيد بن أرقم رضي الله عنه: من أهل بيته، نساؤه؟ قال لا، وأيم الله إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها، أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده .

ص 659

ثم قال ابن كثير: ثم الذي لا يشك فيه من تدبر القرآن أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم داخلات في قوله تعالى (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) فإن سياق الكلام معهن . فتأملوا جيدا أيها الناس كيف اعتبر الصحابة والعلماء أنه هل يدخل أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أهل البيت وآله صلى الله عليه وسلم وأقربائه أم لا ثم بينوا أن هذه الآية تجعلهم ممن يدخلون في عموم الآية!! ومحاولة دعوى أن آله هم أزواجه فقد دعوى فاشلة قديمة ردها سيدنا زيد بن أرقم وغيره وتبناها بنو أمية وأذيالهم النواصب الذين يريدون أن يصرفوا الناس عن محبة آل البيت والتعلق بهم وموالاتهم فلا تغفلوا عن هذا!! ثم قد بين الله تعالى في كتابه الكريم أن ذرية الرجل هم آله بالدرجة الأولى ثم بعد ذلك نساؤه، قال تعالى (فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم) آل عمران: 61. فذكر الأبناء قبل النساء على عادة العرب في لغتهم التي نزل بها القرآن الكريم في تقديم الأهم فالأهم والأقرب فالأقرب!! وقال تعالى (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء الطور: 21. وأما في السنة النبوية فقدصحت أحاديث كثيرة جدا منها ما هوصريح في قوله صلى الله عليه وسلم يا أيها الناس تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي . وهو حديثصحيح وقد تقدم، ولما خرجت السيدة عائشة على سيدنا علي رضوان الله تعالى عليهما كان الحق مع سيدنا علي لا معها باتفاق لأدلة كثيرة جدا ولقوله تعالى (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى) وقد تابت وندمت ورجعت، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له فرضي الله عنها وأرضاها.

ص 660

وفي البخاري (7 / 78) أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا ابنته السيدة فاطمة في مرضه الأخير فقالت وهي تخبر عن ذلك: سارني فأخبرني أنه يقبض في وجعه الذي توفي فيه فبكيت ثم سارني فأخبرني أني أول أهل بيته أتبعه فضحكت . وقد ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح (7 / 78) في شرح باب مناقب قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أسمائهم عليهم السلام فقال: وقوله (قرابة النبي صلى الله عليه وسلم) يريد بذلك من ينسب إلى جده الأقرب وهو عبد المطلب ممنصحب النبي صلى الله عليه وسلم منهم، أو من رآه من ذكر وأنثى، وهم علي وأولاده والحسن والحسين ومحسن وأم كلثوم من فاطمة عليها السلام، وجعفر وأولاده عبد الله وعون ومحمد، ويقال إنه كان لجعفر رضي الله عنه ابن اسمه أحمد، وعقيل بن أبي طالب وولده مسلم بن عقيل، وحمزة بن عبد المطلب وأولاده يعلى وعمارة وأمامه، والعباس بن عبد المطلب وأولاده الذكور عشرة وهم: الفضل وعبد الله وقثم وعبيد الله والحارث ومعبد وعبد الرحمن وكثير وعون وتمام.... كان له من الإناث أم حبيب وآمنة وصفية وأكثرهم من لبابة أم الفضل، ومعتب بن أبي لهب، والعباس بن عتبة بن أبي لهب وكان زوج آمنة بنت العباس، وعبد الله بن الزبير بن عبد المطلب وأخته ضباعة وكانت زوج المقداد بن الأسود، وأبو سفيان (392) ابن الحارث بن عبد المطلب وابنه جعفر، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب وابناه المغيرة والحارث،.... وأميمة وأروى وعاتكة وصفية بنت عبد المطلب . فهؤلاء كلهم آل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهم أهل البيت وأزواجه معهم، لكن خلاصتهم ولبهم أصحاب الكساء عليهم السلام والرضوان. وجاء فيصحيح مسلم (4 / 1873) كما تقدم أن سيدنا زيد لما سئل عن أهل

(هامش) (392) وهذا ليس أبو سفيان المشهور والله معاوية الأموي. (*)

ص 661

البيت فقيل له: ومن أهل البيت؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته. ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده. قال - السائل - ومن هم؟ قال: هم آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل العباس . فتأمل!!!! وقد نص علماء أهل السنة والجماعة على وجوب محبة آل البيت وأكدوا عليها إلا أن بعضهم جعل ذلك أمرا نظريا ولم يطبقوه عمليا في أرض الواقع للأسف الشديد متابعة منهم للنواصب أعداء آل البيت النبوي الشريف!! حتىصنف بعض أهل العلم كتابا بهذا المعنى سماه أهل البيت النبوي طائفة ممدوحة بالألسن والأقلام مبغوضة في المعاملات والأحكام ، فينبغي لنا أن لا نقع بما وقع به أولئك ويجب علينا أن نغرس حب آل بيت نبينا في قلوبنا وقلوب أهلنا وأزواجنا وذرياتنا، وللموضوع بيان وتفصيل كبير في كتاب آخر والله تعالى يهدي إلى الحق وإلى سواء السبيل، والحمد لله رب العالمين. قال الإمام المحدث الدميري في حياة الحيوان (1 / 191): قال نصر الله بن يحيي: وكان من الثقات ومن أهل السنة: رأيت على بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه في المنام، فقلت له: يا أمير المؤمنين! تفتحون مكة فتقولون: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن! ثم يتم على ولدك الحسين ما تم فقال لي: أما سمعت أبيات ابن الصيفي في هذا؟ فقلت: لا. فقال: اسمعها منه. ثم انتبهت فبادرت إلى حيص بيص (وهو ابن الصيفي) فذكرت له الرؤيا فشهق وبكى وحلف بالله لم تخرج من فمه ولا خطه إلى أحد وما نظمها إلا في ليلته ثم أنشدني قوله: ملكنا فكان العفو منا سجية * فلما ملكتم سال بالدم أبطح وحللتموا قتل الأسارى وطالما * غدونا على الأسرى فنعفوا ونصفح

ص 662

وحسبكمو هذا التفاوت بيننا * وكل إناء بالذي فيه ينضح (393) وقد أبدع سيدنا الإمام الجهبذ أبو بكر بن شهاب رضوان الله تعالى عليه حيث يقول في قصيدة يخاطب بها سيدنا عليا كرم الله وجهه ورضي عنه: ألا يا أمير المؤمنين وسيد المنيبين إن جن الدجا وتعكرا عليك سلام الله يا من بهديه * تبلجت الأنوار والحق أسفرا وتبا لقوم خالفوك وزخرفوا * لأشياعهم زورا من القول منكرا وتبا لمن والاهم وارتضاهم * أئمته في الدين يا بئس بشر ما اشترى لئن ظفروا من هذه الدار بالذي * أرادوا فإن المرء يحصد ما ذرا وبعدك جاءت ذات ودقين يا أبا * تراب وجاءت بعد أم حبوكرا دماء بنيك الغر طلت وبدلت * حفيظة قرباهم عقوقا مكفرا لقد عم كرب الدين في كربلاء إذ * بتربتها أمسى الحسين معفرا على حين قرب العهد بالوحي أصبحت مواثيق طه فيه محلولة العرا ومن دونه العباس خر مجندلا * فيا لأخ والى فأودى فاعذرا لتذبدع إن نالوا الشهادة بل لهم * بيحيى وعيسى أسوة بالذي جرى ولادكار ذاك اليوم فليبك كل ذي * فؤاد به خط السعادة سطرا فكم ماجد من آل بيت محمد * تحكم فيهم نابذو الدين بالعرا ومن ليس إلا قينة أو حظية * قصاراه أو عودا وخمرا وميسرا

(هامش) (393) قال الإمام الدميري بعد ذلك: واسم الحيص بيص: سعد بن محمدا أبو الفوارس التميمي، شاعر مشهور. ويعرف بابن الصيفي ولقب بالحيص بيص لأنه رأى الناس يوما في حركة مزعجة وأمر شديد فقال: ما للناس في حيص بيص؟ فبقي عليه هذا اللقب. ومعنى الكلمتين الشدة والاختلاط، وتفقه على مذهب الإمام الشافعي وغلب عليه الأدب ونظم الشعر، وكان مجيدا فيه، وكان إذا سئل عن عمره يقول: أنا أعيش في الدنيا مجازفة!! لأنه كان لا يحفظ مولده، وتوفي سنة أربع وسبعين وخمسمائة . وقد ذكره الذهبي في السير (21 / 61) والإمام السبكي في الطبقات (7 / 91) وغيرهما. (*)

ص 663

ضغائن في سود الكلاب أمية * أكنت بها من بدر الغدر مضمرا مواليد سوء حاربوا الله عنوة * وفي الأرض عاثوا مفسدين تجبرا على ظالمي آل الرسول وهم هم * لعاين ما لبى الحجيج وكبرا وصب عليهم ربهم سوط نقمة * وجرعهم طين الخبال وتبرا ألا يا ذوي المختار إنا عصابة * نمت إليكم بالولادة والقرابة نوالي مواليكم ونقلي عدوكم * ونجتث عرق النصب ممن به اجترى ويا ليتنا في يومصفين والذي * يليه شهدنا كي نفوز ونظفرا ونشرب بالكاس الذي تشربونه * فإما وإما أو نموت فنعذرا بني المصطفى طبتم وطاب ثناؤكم * رثاء ومدحا بالبديع محبرا وقال رحمه الله تعالى ورضي عنه في قصيدة أخرى طنانة: قال لي بعض مدعي العلم ممن * أضرم الحمق بين جنبيه نارا هل ترفضت قلت لم أدر ما الرفض (394) لديكم حقيقة واعتبارا فرفيع مقام قومي وسام * أن يجاروا السفيه والمهذارا غير أن الضرورة اقتضت الايضاح فالصمت يوهم الإقرارا فاستمع ما أقوله ثم قل ما * شيئت بعد اعتذارا أو إنكارا إن لي من تمسكي بكتاب الله * ما أتقي به الأخطارا ولماصح من حديث أبي * القا سم أنقاد راضيا مختارا لا أعاني التأويل فيها اتباعا * للهوى أو تعصبا أو ضرارا (395)

(هامش) (394) التعليقات على هذه الأبيات هي للسيد العلامة محمد بن عقيل الحسيني الحضرمي رحمه الله تعالى. قال: الرفض يطلق في الاصطلاح على من رفض أبا بكر وعمر رضي الله عنهما وسبهما وتبرأ مهما وقد ولع أخابث النواصب وسفهاؤهم بإطلاقه على كل موال لأهل البيت معاد لأعدائهم. (395) قدصرح أكابر العلويين بأن طريقة العلويين الحضريين هي الاعتصام بالكتاب والسنة. (*)

ص 664

مذهبي مذهب الوصي أبي السبطين فالحق دائر حيث دارا (396) أعلم الصحب للمدينة باب * كم به الله أرغم الكفارا (397) وتمسكت بالشهيدين إني * سائر في عقيدتي حيث سارا (398) أشرف العالمين، أما وجدا * أطيب الناس عنصرا ونجارا والمثنى وابن الحسين علي * من به كل مقتد لن يضارا (399) وعلى الباقر اعتمادي وزيد في سبيلي فلست أخشى العثارا (400) حصنوا العلم إذ بنو عبد شمس * خبط عشواء يخبطون سكارى (401)

(هامش) (396) أي أنه يوالي من والى ويعادي من عادى ويقتفيه في مسائل الأسماء والأحكام فيعدل من عدل ويفسق من فسق. (397) إشارة لحديث أنا مدينة العلم وعلي بابها وقد تكلم بعضهم في هذا الحديث وقد حكم الحافظ السيوطي بصحته والحافظ العلائي بحسنه وله طرق متعددة وما قيل من أن ابن معين كذبه يخالفه ما ذكره الحافظ عنه في ترجمة أبي الصلت في تهذيب التهذيب. [قال حسن: والحديثصححه ابن معين كما في تاريخ بغداد 11 / 49، والحافظ ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار في مسند سيدنا عليص (104) حديث رقم (8) حيث قال: وهذا خبرصحيح سنده... ، وحسنه الحافظ العلائي في النقد الصحيح والحافظ السخاوي في المقاصد الحسنة، والحافظ ابن حجر كما في اللآلي المصنوعة (1 / 334) والحاكم في المستدرك والسيوطي وغيرهم وهو حديثصحيح بلا شك ولا ريب]. (398) أراد بهما الحسن والحسين عليهما السلام، شهيد المواضي والشهيد المسمم. (399) هما الإمامان الحسن بن الحسن السبط عليه السلام توفي سنة 97 وعلي بن الحسين السبط زين العابدين عليه السلام توفي سنة 94 مسموما سمه الوليد بن عبد الملك. (400) هما محمد الباقر ابن الحسين عليه السلام توفي سنة 114 وأخوه زيد بن علي عليه السلام قتل يوم عاشوراء أول سنة 122. (401) يريد أن الإمام علي عليه السلام ومن بعده من ذريه حصنوا العلم فلم يذلوه بالتملق للمستبدين واللين للمستاثرين ولكنهم قاتلوا على الشورى والتسوية والعدل هم وأعقابهم رضي الله عنهم وأرضاهم.

ص 665

غيروا بدلو طغوا وتعامى * حاملو العلم خيفة واضطرارا (402) ألف شهر تمتعوا ثم حقت * نقمة الله فاستحقوا الدمارا (403) إلى أن يقول فيها عن ذرية سيدنا علي كرم الله وجهه:

(هامش) (402) كتغييرهم أساس الحكومة الإسلامية فنقلوها من الشورى إلى الاستبداد ومن الخلافة إلى الملك، وتغييرهم أحكام الإسلام في الشؤون المالية فجعلوا بيت المال ملكا لهم يتصرفون فيه كما شاؤا بعد أن كان ملكا للأمة، واستولوا على أرض الخراج كلها وتملكوها بعد أن كانت وقفا على المسلمين، حتىصار نصفها اقطاعات بأيديهم في مشارق الأرض ومغاربها كما قاله عمر بن عبد العزيز، وكاستيلائهم على الأخماس فاحتجنوها دون ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل وكتبديلهم بعض أحكام الحج والصلاة فكانوا يصلون الجمعة قبل الغروب، وكتركهم الجهر بالتكبير ونظائر ذلك مما يطول شرحه، وطغوا على خيار الأمة قتلا وتطريدا وذلك مصداق حديث حذيفة لا تقوم الساعة حتى تقتلوا إمامكم وتجتلدوا بأسيافكم ويرث دنياكم شراركم [رواه أحمد (5 / 389) وابن ماجه (2 / 1342) والترمذي (4 / 496) وحسنه]. وهم بنو أمية وأتباعهم وحديث ما اختلفت أمة بعد نبيها إلا ظهر أهل باطلها على أهل حقها [رواه الطبراني في الأوسط كما في المجمع (1 / 157) وقال: وفيه موسى بن عبيدة وهو ضعيف]. (403) يشير بهذا إلى الحديث الذي رواه الحاكم في المستدرك قال قام رجل إلى الحسن بن علي عليه السلام فقال يا مسود وجوه المسلمين: فقال الحسن لا تؤنبني رحمك الله فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رأى بني أمية يخطبون على منبره رجلا رجلا فساءه ذلك فنزلت (إنا أعطيناك الكوثر) ونزلت (إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر) تملكها بنو أمية فحسبنا ذلك فإذا هو لا يزيد ولا ينقص، وقد جهد الذهبي أن يطعن في هذا الحديث فوجد أن طرقه الثلاثةصحيحة فقال ما أدري آفته من أين؟ والصواب إن شاء الله أن المصاب بالآفة التي هي موالاة الجبابرة من بني أمية هو الذهبي نفسه وأما الحديث فصحيح لا آفة به وكيف لا وشاهده الصحيح الذيصححه الذهبي نفسه والحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني رأيت في منامي كان بني الحكم بن أبي العاص ينزون على منبري كما تنزو القردة قال فما رؤى النبي صلى الله عليه وسلم مستجمعا ضاحكا حتى توفي. (*)

ص 666

وبنيه الأئمة العلويين * الأولى حولوا العتيم نهارا سالكي المنهج الذي لم تجد فيه انعطافا ولست تلقى ازورارا إلى قوله: هؤلاء الأعلام أشرف بيت * في الورى بيتهم وأعلا منارا (404) أيها الغمر هل سؤالك إياي * لجهل أم خفة واغترارا إننا أيها المغفل نقفو * هؤلاء الأئمة الأطهارا ولنا الشافعي خير إمام * إن وجدنا في النقل عنهم غبارا إن يطوفوا نطف ونستلم الركن ونرمي كما رموها الجمار أعلم الناس بالكتاب وبالسنة حيث الهدى هناك استنارا بالذيصح عنهم الأخذ أحرى * فاقرء الكتب وافحص الأخبارا إن تقل ما به يدينون رفض * فهو ديني عقيدة وائتمارا أو تقل أخطؤا المحجة فاذهب * خاسئا لا تعد إلا حمارا أعلى الحق تجتري أم عليهم * كيف تسري سرى النسور الحبارى عن أبيهم أتى الهدى ثم عنهم * يتلقى ويودع الأسفارا فهو في دورهم وفيهم عريق * ولدى غيرهم يرى مستعارا ما من الشام جاء أو أرض * طوس أو سمرقند أو أتي من بخارى ديننا حب أهل بيت رسول الله حبا يكفر الأوزارا وكذا حبصاحبيه الضجيعين * العليين عنده مقدارا بهما رب فتنة أخمد الله أزاغت لهولها الأبصارا

(هامش) (404) لأنهم من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكفاه بذلك فضلا مع ما لهم من جليل الفضائل والمناقب، والمكارم التي لا يحصيها قلم كاتب ولا حاسب، وحسبك أنه يوجد فيهم إلى اليوم من لم ينقطع العلم والصلاح في سلسلة نسبه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه منقبة قل أن توجد لأحد على بسيط الأرض وإلى مثل ذلك أشار الإمام عبد الرحمن بن مصطفى العبدروس بقوله: عالمصالح أبي ثم جدي * هكذا هكذا إلى المختار. (*)

ص 667

ولعثمان نعرف الفضل لما * جاد بالفضل حين نال اليسارا والأولى بشروا بأن لهم في * جنة الخلد مستقرا ودارا ونحب المهاجرين وأصحاب * النبي الخيار والأنصارا ضاعف الله أجرهم وعليهم *صيب العفو والرضا مدرارا وأحل الجميع في جنه الخلد وأجرى من تحتها الأنهارا هذه السنة التي أمر الله بها الناسصبية وكبارا ونهاهم عن التولي لمن * نافق أو جد في الفساد وجارا ما تريدون بعد. إنا شرحنا * ما الصدور انطوت عليه مرارا هل تسوموننا انتقاص علي * فنغيط المهيمن القهارا أو على ابنيه نجتري وسخيف * من يعيب الشموس والأقمارا أم تريدون أن نحب ابن هند * وعن النص مثلكم نتوارى لم تجد مؤمنا كما أخبر الله محبا من حارب الجبارا وحديث النبي أقوى عرى * الإيمان في الله بغضنا الأشرارا فهو باغ ولا كرامة للباغي * ومن النار الشرار استطارا حارب المرتضى وسمم سبط المصطفى بئس ما ارتضاه قرارا يقتل الصالحينصبرا كحجر * يأكل الفيئ يلعن الكرارا وتمادى يعيث فيهم فسادا * وعلوا في الأرض واستكبارا خاض لج الضلال عشرين عاما * ثم ولى يزيده الخمارا وتقولون باجتهاد مثاب * يا لهذا معرة وشنارا لو يكون الذي زعمتمصوابا * لارعوى بعد قتله عمارا هل ترى عالم الخفيات يرضى * ماصنعتم ويقبل الأعذارا ومن المخجل احتجاج أناس * بأحاديث تشبه الأسمارا ساقهم نصبهم إليها افتراها * ورواها من يعبد الدينارا ولهم كم مقلد رام ربحا * لم يزده التقليد إلا خسارا اين ربح الذي يرى القار * مسكا يقتنى أو يرى النحاس نضارا

ص 668

ربنا افتح بين الجميع بحق * وارفع الخلف بيننا والشجارا واهدنا أقوم السبيل ولا * تحمل علينا إصرا ولا إصرارا وارفع الضنك عن عبادك والبأساء * وارحم وأرخص الأسعارا وصلاة على نبيك طه * أعظم الرسل رتبة وفخارا وعلى العترة الكرام أمان * الأرض من أن تميد أو تنهارا وعلى الصحب من لنصر رسول الله ساموا النفيس والأعمارا وعلى التابعين ما غرد * القمري أو ناوح الحمام الهزارا والحمد لله رب العالمين.

ص 669

قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: (وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنظر لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل). الشرح: ينبغي لكل مؤمن أن يذكر أهل الحق من المسلمين بكل جميل سواء كانوا من السلف أو من الخلف، فأهل العلم واجب احترامهم وتعظيمهم وتوقيرهم وخدمتهم في أي عصر ومصر، أما أخطاؤهم التي لا تخرجهم من دائرة الإسلام ولا هي فسق ظاهر فينبغي على من أدركها اجتنابها مع الثبات على احترامهم وتبجيلهم!! أما أهل الباطل ممن تشبهوا بالعلماء وترسموا بسمتهم وادعوا أنهم منهم فيجب الرد على أهوائهم وآرائهم التي يخالفون بها أهل الحق المتمسكين بنصوص الكتاب الكريم والسنة المطهرة وقواعد الشريعة الغراء. ولذلك قيد الإمام الطحاوي علماء السلف بصفة أهل الخير والأثر وأهل الفقه والنظر وهؤلاء هم أهل الحق من علماء المسلمين في السابق واللاحق. قال الله تعالى (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) وقال تعالى (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون). والأحاديث في فضل العلماء كثيرة جدا. ولا يلزم من قول المصنف رحمه الله تعالى (وعلماء السلف... لا يذكرون إلا بالجميل) أنه لا يجوز ذكر ما أخطأ فيه أفرادهم من المسائل العلمية ومناقشتهم فيما بحثه بعضهم من الأمور الشرعية، وإنما يعني أن وقوع الخطأ من بعضهم إن لم يخرجه من دائرة الإسلام أو يحكم بفسق الواحد منهم لا يقتضي ذمهم وذكرهم

ص 670

بالسوء، وكتب الجرح والتعديل مليئة بنقد علماء السلف والخلف، فقوله (ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل) أي على سبيل الجملة لا أفرادا. والملاحظة أن أهل السنة والجماعة أقل الناس احتراما لعلمائهم بحيث ينقلبون على العالم لمجرد مخالفته لأهوائهم وأغراضهم والأمثلة على ذلك كثيرة ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وقد وقع جماعة في ذم كبار من علماء السلف تعصبا عليهم لمجرد مخالفتهم لمذهبهم كما وقع لجماعة من أهل الحديث في تطاولهم على مدرسة أهل الرأي وخاصة في تطاولهم على الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى ورضي عنه، ومنهم الخطيب البغدادي في نقله مثالب موضوعة على الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه في تاريخه وتبعه على ذلك قوم من المتعصبين حاولوا ترجمة ما دونه الخطيب البغدادي في كتابه في حق الإمام أبي حنيفة إلى اللغة الهندية الأردية في سبيل إقناع العامة هناك للانفضاض من مذهبه رحمه الله تعالى السائد هناك!! وأبى الله تعالى ذلك بجهود الإمام المحدث الكوثري عليه الرحمة والرضوان. ولا زال المتعصبة من المجسمة والمشبهة يطعنون في أهل الحق من الأشاعرة وأكابر العلماء كإمام الحرمين والغزالي والرازي والنووي وابن حجر وغيرهم لأجل أنهم يخالفونهم في مشربهم!! والله تعالى يدافع عن الذين آمنوا، والموضوع في هذه القضية طويل الذيل سنتكلم فيه إن شاء الله تعالى في رسالة خاصة والله الموفق وهو سبحانه يقول الحق ويهدي إلى سواء السبيل.

ص 671

مباحث الردة والشرك وما يتعلق بهما

ص 673

باب الردة وما يتعلق بها من الأحكام

 قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: (ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه، ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر، فمن أبصر هذا اعتبر، وعن مثل قول الكفار انزجر، وعلم أنه بصفاته ليس كالبشر، ولا نخوض في الله ولا نماري في دين الله، والأمن والإياس ينقلان عن ملة الإسلام، وسبيل الحق بينهما لأهل القبلة، ومن استغنى عن الله طرفة عين فقد كفر وصار من أهل الحين [أي الهلاك]، ولا ننزل أحدا منهم جنة ولا نارا، ولا نشهد عليهم بكفر ولا بشرك ولا بنفاق، ما لم يظهر منهم شيء من ذلك، ونذر سرائرهم إلى الله تعالى، لأن العلم علمان: علم في الخلق موجود، وعلم في الخلق مفقود، فإنكار العلم الموجود كفر، وادعاه العلم المفقود كفر. ولا يثبت الإيمان إلا بقبول العلم الموجود، وترك طلب العلم المفقود). الشرح: بعد أن عرفنا قواعد التوحيد وأصوله وبعض فرعياته وما ينبثق عنها، وفهمنا معنى الشهادتين لا إله إلا الله محمد رسول الله بشرح مفصل متوسط، لا بدلنا أن نعرف الآن كيف ينبغي أن يحافظ الإنسان المسلم على عقيدته، وكيف ينبغي له أن لا يفرط فيها، ولا يتم ذلك إلا بمعرفة الردة وتفاصيل مسائلها، لا سيما وأن القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة تعرضا لهذا الموضوع المهم الخطير ونصا على أن الإنسان بعد إسلامه وإيمانه قد يعتقد اعتقادات أو يتلفظ بكلمات أو يفعل أمورا يظنها من الجائزات يخرج بها من الإسلام ويعتبر عند الله تعالى وعند المسلمين

ص 674

في الدنيا والآخرة كافرا مرتدا يستحق دخول النار والخلود فيها والعياذ بالله تعالى. وها نحن ذا نشرع في عرض تلك النصوص الواردة في الكتاب والسنة التي تعرضت لهذا الموضوع المهم فنقول وبالله تعالى التوفيق: قال تعالى: (ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) البقرة: 217. وقال تعالى: (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم) التوبة 74، وقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه فسوف يأت الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله) المائدة: 54. وقال تعالى (ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين) المائدة: 5. وقال تعالى: (إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون * إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم مل ء الأرض ذهبا ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين) آل عمران: 91. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال صلى الله عليه وآله وسلم: إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين ما فيها يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب رواه البخاري (11 / 308) ومسلم (4 / 2290). وفي رواية أخرى للبخاري (11 / 308) عن أبي هريرة بلفظ: إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالا يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكتم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في جهنم . قلت: والمؤمن العاصي إذا دخل نار جهنم لمدة مؤقتة فإنه يكون في أعلى

ص 675

درجاتها لا في أدناها لقوله تعالى (أفنجعل المسلمين كالمجرمين) وعموم اللفظ يفيد ما قررناه حتى في هذا الموضع، فيبقى ذلك المؤمن العاصي (الذي اتقى الشرك بالله) فيها حتى تنقضي مدة عذابه ويخرج منها، وأما الكافر والمنافق الذي كان يظهر الإيمان والإسلام ويبطن الكفر ففي أسفل الدركات قال تعالى (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار). فيتقرر إذ ذاك أن الكلمة المقصودة في الأحاديث المتقدمة التي ينطق بها العبد ولا يلقي لها بالا فيهوي بها في النار سبعين خريفا هي كلمة الكفر لا غير.

تعريف الردة وبيان الأمور المكفرة الموقعة في الردة

الردة هي قطع الاستمرار في دين الإسلام إما بقول أو بفعل أو اعتقاد، ولا يشترط فيها اجتماع الثلاثة معا فلو فعل أو قال قولا كفريا دون اعتقاد كفر واعتبر مرتدا، مثال ذلك من سب الدين أو الرب مثلا ثم قال لم أقصد الخروج من الإسلام ولا قطع الاستمرار فيه ولم ينشرحصدري للكفر لم ينفعه هذا الاعتذار حقيقة بل يعتبر كافرا مرتدا خارجا من الملة ويجب عليه أن يعود إلى الإسلام بالنطق بالشهادتين بنية التوبة والبراءة من الكفر والشرك. ويظن كثير من الناس اليوم أن المسلم لا يرتد ولا يعتبر خارجا عن ملة الإسلام إلا إذا أعلن للناس بأنه ترك دين الإسلام وكفر بالله العظيم وبرسول ه الكريم، والحقيقة أن الأمر ليس كذلك بل هذا الأمر أحد الأمور المخرجة من الإسلام، ولا يشترط فعل هذا الأمر حتى يعتبر مرتدا، بل قد يتلفظ الإنسان المسلم كما قدمنا بكلمة (أي عبارة) أو يفعل فعلا يعتبر به كافرا مرتدا، وسيمر تفصيل هذه الأمور إن شاء الله تعالى بعد قليل. قال العلامة السيد عبد الله بن حسين بن طاهر الباعلوي رحمه الله تعالى [المتوفى سنة 1272 ه‍ في حضرموت] في كتابه سلم التوفيق : يجب على كل مسلم مكلف حفظ إسلامه وصونه عما يفسده ويبطله ويقطعه

ص 676

وهو الردة والعياذ بالله تعالى، وقد كثر في هذا الزمان التساهل في الكلام حتى أنه تخرج من بعضهم ألفاظ تخرجهم عن الإسلام ولا يرون ذلك ذنبا فضلا عن كونه كفرا . وقال الإمام النووي في الروضة (10 / 64): [الردة هي أفحش أنواع الكفر وأغلظها حكما، وفيها بابان: الأول: في حقيقة الردة، ومن تصح منه، وفيه طرفان. الأول: في حقيقتها، وهي قطع الإسلام، ويحصل ذلك تارة بالقول الذي هو كفر، وتارة بالفعل، والأفعال الموجبة للكفر هي التي تصدر عن تعمد واستهزاء بالدينصريح، كالسجود للصنم أو للشمس، وإلقاء المصحف في القاذورات، والسحر الذي فيه عبادة الشمس ونحوها.... وتحصل الردة بالقول الذي هو كفر، سواءصدر عن اعتقاد أو عناد أو استهزاء، هذا قول جملي، وأما التفصيل فقال المتولي: من اعتقد قدم العالم، أو حدوث الصانع، أو نفى ما هو ثابت للقديم الإجماع، ككونه عالما قادرا، أو أثبت ما هو منفي عنه الإجماع، كالألوان، أو أثبت له الاتصال والانفصال كان كافرا، وكذا من جحد جواز بعثة الرسول ، أو أنكر نبوة نبي من الانبياء صلوات الله وسلامه عليهم، أو كذبه، أو جحد آية من القرآن مجمعا عليها، أو زاد في القرآن كلمة واعتقد أنها منه، أو سب نبيا، أو استخف به، أو استحل محرما الإجماع، كالخمر والزنى واللواط، أو حرم حلالا الإجماع، أو نفى وجوبه كركعة من الصلوات الخمس أو اعتقد وجوب ما ليس بواجب الإجماع، كصلاة سادسة وصوم شوال، أو نسب عائشة رضي الله عنها إلى الفاحشة، أو ادعى النبوة بعد نبين صلى الله عليه وسلم، أوصدق مدعيا لها، أو عظمصنما بالسجود له، أو التقرب إليه بالذبح باسمه، فكل هذا كفر. قلت: قوله: إن جاحد المجمع عليه يكفر ليس على إطلاقه، بل الصواب

ص 677

فيه تفصيل سبق بيانه في باب تارك الصلاة عقب كتاب الجنائز، ومختصره أنه إن جحد مجمعا عليه يعلم من دين الإسلام ضرورة كفر إن كان فيه نص، وكذا إن لم يكن فيه نص في الأصح، وإن لم يعلم من دين الإسلام ضرورة بحيث لا يعرفه كل المسلمين، لم يكفر. والله أعلم] انتهى.

 ذكر الأمور المترتبة على من وقع الردة

 ينبغي أن تعلم يرحمك الله تعالى أنه من وقعت منه ردة والعياذ بالله تعالى يترتب عليه أمور:

 (الأمر الأول): يخرج من دائرة الإسلام ويسمى مرتدا أو كافرا ولا تجري عليه أحكام المسلمين مثل الصلاة عليه إن مات فإنها تحرم، وكذا دفنه في مقابر المسلمين ونحو ذلك، ويجب استتابته من الكفر ومناظرته إن كانت لديه أو عنده شبهة، ويجب قتله إن لم يعد للإسلام من قبل الحاكم أو الخليفة أو من يوكله الخليفة لقضاء هذا الأمر لا غير لقوله صلى الله عليه وسلم: من بدل دينه فاقتلوه رواه البخاري (12 / 267) وهو مطالب حال ردته وقبل موته بأداء الصلاة وصيام رمضان ولا تقبل منه هذه العبادات إلا أن يعود إلى الإسلام. ومتى فاتتهصلوات حال ردته فإنه يجب عليه قضاؤها وكذلك قضاء ما فاته من الصيام أو ما وقع منه حال ردته وقس على هذا. قال الحافظ في الفتح (12 / 272): [وقد وقع في حديث معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أرسله إلى اليمن قال له: أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه فإن عاد وإلا فاضرب عنقه، وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها فإن عادت وإلا فاضرب عنقها وسنده حسن].

(الأمر الثاني): حسنات المرتد تذهب جميعها وتلغى فلا تبقى له حسنة واحدة، فلو عبد الله تعالى مائة عام يقوم الليل ويصوم النهار أو يجاهد في سبيل الله تعالى ليلا نهارا ثم وقعت منه ردة كسب الله تعالى أو سب الانبياء أو الدين

ص 678

أو القرآن أو أي ردة أخرى كانت، فإنه يكفر وتذهب جميع حسناته فلا تبقى له حسنة واحدة، لقوله تعالى (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا) الفرقان: 23. وإذا عاد للإسلام وتبرأ من الكفر وذلك بأن يتشهد بنية الدخول في الإسلام لم تعد له حسناته التي ذهبت وإنما يستأنف أعمالا بحسنات جديدة، وإذا كانصادقا في توبته نادما منكسرا لله تعالى حريصا على طلب العلم عاملا فإن الله تعالى يبدل سيئاته المتبقية إلى حسنات أي بعد محو حسناته التي ذهبت لقوله تعالى (إلا من تاب وآمن وعمل عملاصالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما) الفرقان: 70 وأما حسناته التي محقها الله تعالى وأذهبها فإنها لا تعود.

 تنبيه

 اعلم أن معنى قوله تعالى (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) النساء: 48: أي أن الله تعالى لا يغفر لمن مات مشركا أو وصل لحال الغرغرة وعاين الحق وعرفه ساعتئذ، أما من تاب من الكفر والشرك في أي وقت في حياته قبل ذلك فإنه مقبول قطعا، وأكثر الصحابة رضي الله عنهم كانوا قبل أن يستجيبوا للنبي صلى الله عليه وسلم ويؤمنوا به يعبدون الأصنام والأوثان ويشركون بالله تعالى ثم تابوا من ذلك الكفر فتاب الله عليهم وجعلهم من أكابر أوليائه، قال تعالى (وليست التوبة على الذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن، ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما) النساء: 18. وقال تعالى: (وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فاتبعه فرعون وجنوده بغيا وعدوا، حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين * الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين) يونس: 91.

(الأمر الثالث): بالنسبة لعقد نكاح المرتد فإنه ينفسخ قبل الدخول إجماعا، وأما بعد الدخول فعند السادة الحنفية ينفسخ فورا أيضا ويجب التفريق

ص 679

بينهما لكن لا يعتبر طلاقا، ويحتاجان إن رجع المرتد منهما إلى الإسلام إلى تجديد عقد النكاح بمهر جديد، وعند السادة الشافعية لا يحصل التفريق إلا بعد انقضاء العدة فإن لم يرجع المرتد منهما إلى الإسلام ومضى زمن العدة بأن الانفساخ وفرق بينهما فإن أرادوا العود بعد انقضاء العدة برجوع المرتد أحتاج الأمر إلى عقد جديد بولي وشاهدي عدل ولا يعتبر الفسخ طلاقا، وهذه بعض نصوص أئمة المذاهب في ذلك: قال في شرح العناية على الهداية المطبوع على هامش فتح القدير (3 / 428) للبابرتي الحنفي: (قوله وإذا ارتد أحد الزوجين عن الإسلام وقعت الفرقة) في الحال (بغير طلاق) قبل الدخول أو بعده، وبه قال مالك وأحمد في رواية، وقال الشافعي وأحمد في أخرى قبل الدخول هو كذلك، وأما بعده فيتوقف إلى انقضاء العدة، فإن جمعهما الإسلام قبل انقضائها يستمر النكاح، وإلا تبين الفراق من وقت الردة انتهى. وقال الخطيب الشر بيني الشافعي في مغني المحتاج (3 / 190): [(ولو ارتد زوجان) معا (أو أحدها قبل دخول) حيث لا عدة باستدخال مني الزوج المحترم (تنجزت الفرقة) بينهما لعدم تأكده بالدخول أو ما في معناه، وحكى الماوردي فيه الإجماع (أو بعده) أي الدخول أو ما في معناه (وقفت) تلك الفرقة، وحينئذ (فإن جمعهما الإسلام في العدة دام النكاح) بينهما لتأكده بما ذكر (وإلا) بأن لم يجمعهما (فالفرقة) بينهما تتبين (من) حين (الردة) منهما أو من أحدهما لأنه اختلاف دين بعد المسيس، فلا يوجب الفسخ في الحال كإسلام أحد الزوجين الكافرين الأصليين. (ويحرم الوطأ في) مدة (التوقف) لاحتمال انقضاء العدة قبل اجتماعهما في الإسلام، فيتبين انفساخ النكاح من وقت الردة، وحصول الوطأ في البينونة (و)

ص 680

لكن لو وطئ (لا حد) عليه للشبهة وهي بقاء أحكام النكاح وتجب العدة منه] انتهى. فعلى هذا يكون الولد الحاصل من الجماع الواقع في مدة التوقف ولد زنا وليس شرعيا.

(الأمر الرابع): أنه لا يرث ولا يورث وماله فيئ (أي غنيمة) إلى بيت المال. قلت: هذا عند وجود بيت المال في الدولة الإسلامية التي تحكم بالإسلام والتي تتكفل بسد حاجات الناس وتوزيع الزكوات وغيرها على المحتاجين والفقراء، أما اليوم فلا ينبغي أن يترك الوارث حقه في التركة من مورثه، لفقد بيت المال أولا ولأنه سيأخذ حصته من هو شر منصاحب التركة لذا ينبغي أن يأخذ حصته من التركة على أنها فيئ. أما إذا كان الوارث مرتدا فينبغي أن يسعىصاحب التركة المسلم أن لا يوصل إليه شيء من ماله الذي سيتركه بعد وفاته وأن لا ينفعه به إن قدر واستطاع.

ص 681

أقسام الردة وأنواعها الردة

 اعتقادات وأفعال وأقوال إعلم يرحمك الله تعالى أن الردة تتنوع إلى ثلاثة أنواع إما أقوال أو أفعال أو اعتقادات ويدخل تحت كل قسم من هذه الأقسام الثلاثة عدة تقسيمات، ومعنى ذلك أن الإنسان يخرج من الإسلام إما بأقوال يقولها وإما بأفعال وإما باعتقادات فلنشرع في بيان هذه الأقسام وتفصيلها:

 الردة الاعتقادية

هناك أمور اعتقادية قلبية مضادة لعقيدة الإسلام الحقة قد يعتقدها الإنسان ويعتقد قلبه عليها معتقداصحتها أو أحقيتها فيكون بذلك كافرا مرتدا خارجا عن دائرة الإسلام. ويستثنى من هذا الأمر الوسوسة القلبية التي تخطر في ذهن بعض الناس ويدفعها الإنسان عن قلبه وهو كاره لها، والتي ورد ذكرها في بعض الأحاديث النبوية الصحيحة التي منها ما رواه مسلم في الصحيح (1 / 119) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به. قال: وقد وجدتموه؟ قالوا: نعم. قال: ذلكصريح الإيمان . قال العلماء:صريح الإيمان هو تعاظم الأمر وكراهية قلوبهم لهذا الوارد القلبي المضاد لعقيدة الإسلام. فقوله صلى الله عليه وسلم وقد وجدتموه أي هل كرهت قلوبكم تلك الواردات والوساوس الشيطانية؟! فلما أعلموه بأن قلوبهم كرهت ذلك وتعاظمته أخبرهم أن ذلك منهم دليل علىصريح إيمانهم، وقدصرح الإمام النووي رحمه الله تعالى في شرح مسلم (2 / 154) بذلك حيث قال:

ص 682

فقوله صلى الله عليه وسلم (ذلكصريح الإيمان) ومحض الإيمان معناه استعظامكم الكلام به هوصريح الإيمان، فإن استعظام هذا وشدة الخوف منه ومن النطق به فضلا عن اعتقاده إنما يكون لمن استكمل الإيمان استكمالا محققا وانتفت عنه الريبة والشكوك . ونعود إلى الكلام عن الردة الاعتقادية فنقول: إن من أمثلة الاعتقادات المخرجة للانسان عن ملة الإسلام الشك في الله تعالى من أي جهة من الجهات، وكان يعتقد الإنسان ويتصور بأن الله تعالى علىصورة إنسان وأنه جالس على كرسي عظيم في مكان فوق السماء السابعة، أو إذا اعتقد أن له شكلا أوصورة أو هيئة، أو اعتقد ثبوت ما يجب تنزيه الله تعالى عنه إجماعا كالجسمية أو أن له طولا وعرضا وعمقا، أي حدودا متناهية أو غير متناهية، أو شبههه بشيء من المخلوقات، أو اعتقد أن له لونا أو أنه كالماء والهواء لا لون لهما، أو أنه من قبيل الأشياء اللطيفة كالهواء والنار والضوء، أو أنه من قبيل الأجسام الكثيفة كالتراب والصخر والمعادن، أو أن مخلوقا يمكن أن يتصوره ويتخيله سبحانه، أو أن له وقتا ابتدأ فيه أو وقتا وزمنا ينتهي إليه. أو اعتقد قدم العالم، نوعا أو فردا، أو حدوث الصانع سبحانه، أو تسلسل الحوادث إلى غير بداية بحيث أنه لم يكن وحده، أو أنصفاته سبحانه حادثة أو ما يقتضي بأنصفاته حادثة، ومن أمثلة ذلك أنه لم يكن قد شاء شيئا ثم شاءه لدعوة نبي أو ولي، أو أنه يحدث له علم الأشياء بعد أن لم يكن عالما بها، أو يعلم الكليات دون الجزئيات والتفاصيل، فإن ذلك يقتضي النقص والحدوث وهو مناف للألوهية. أو اعتقد اتصال أو انفصال الله تعالى بالعالم، أو قال بأنه خارج العالم أو داخله. لأنه يكون بذلك قد تصوره جسما يجوز عليه الاتصال والانفصال أولا، ووصفه بما لم يرد ولا يجوز وصفه به ثانيا، أو اعتقد أنه يوصف بالحركة أو السكون، أو الحلول أو الاتحاد، أو التناسخ، فكل ذلك وما أشبهه أو ما جرى

ص 683

مجراه كفر موجب للخروج من ملة الإسلام. وكذلك من اعتقد تحليل أمر محرم بإجماع المسلمين معلوم من الدين بالضرورة كالزنا وشرب الخمر وأكل أموال الناس بالباطل، إلا إن كان قريب عهد بإسلام أي أسلم جديدا ولم يعرف ويتعلم أحكام الإسلام المهمة بعد، فإن أصر وعاند بعد أن عرفناه وعلمناه ارتد وعاد كافرا. وكذلك إذا اعتقد نفي وجوب مجمع عليه معلوم من الدين بالضرورة كالصلوات الخمس، فاعتقد أن الصلاة والزكاة والقيام بالشعائر ليس مهما ولا واجبا إنما الواجب أن يكون قلبه نظيفا طاهرا كما يدعي بعض الناس اليوم فذلك كفر ناقل من الملة، فإن تلفظ بذلك أيضا وقاله للناسصار ردة قولية أيضا زيادة على كونها ردة اعتقادية، فانتبه لذلك. وكذلك إن اعتقد تحريم أمر حلال بإجماع المسلمين كالبيع والنكاح، فمن اعتقد حرمة نكاح زوجة ثانية وثالثة ورابعة كفر، لأنه يكون معارضا لقول الله تعالى (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة) النساء: 3، ومما يؤسف له جد الأسف أننا نسمع كثيرا من الناس يكملون الآية فيزيدون عليها من كيسهم قولهم (ولن تعدلوا) وبعضهم لجهلهم بدينهم وإسلامهم يظنها تكملة الآية، فيزعمون بذلك أن الله تعالى بين لنا أننا لن نعدل ولذلك يعتقدون حرمة الزواج بامرأة ثانية، ولو تأملوا فيما يتخيلونه ويزعمونه بعقولهم لوجدوا أنه لا معنى ساعتئذ لقوله تعالى (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) ولو علم الله تعالى بأن الإنسان لن يعدل في هذا الأمر لما قال ذلك بل لحرمه من أصله، فانتبه لهذا الأمر. ويستثنى من هذه المسألة من أعتقد حرمة نكاح زوجة ثانية أو أكثر مع ظلم إحداهن، أي حرمة نكاح فلان لامرأة ثانية لأنه معروف بالظلم والاستبداد، فهذا ليس كفرا بل قوله هناصحيح شرعا.

ص 684

وكذلك يكفر إن اعتقد وجوب ما لم يحب إجماعا كرواتب الصلوات المفروضات (أي سننها). وكذلك يكفر فورا من نوى الكفر في المستقبل كمن عزم على أن يكفر بعد يوم أو سنة ويرجع عن دين الإسلام أو يفعل أمرا يوجب الردة في المستقبل فإنه يكفر من تلك اللحظة التي عزم فيها، وكذا من أنكر نبوة نبي مجمع على نبوته، أو رسالة رسول مجمع على رسالته، أو أنكرصحبة سيدنا أبي بكر رضي الله عنه لورودها في القرآن الكريم في قوله تعالى (إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا) وقد أجمع العلماء على أن المقصود بصاحبه هنا هو سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه. وكذلك من أنكر حرفا مجمعا عليه في القرآن، فخرجت بذلك البسملة في أوائل السور فإنها غير مجمع عليها، أو اعتقد زيادة حرف في القرآن مجمع على أنه ليس منه. وكذلك يكفر من كذب رسول ا أو نقصه أوصغر اسمه بقصد تحقيره، ومن أمثلة تكذيب الرسول اليوم أن يسمع إنسان أمرا أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم وعرف أن ذلك قدصح عنه صلى الله عليه وسلم فقال - وهو يريد ويقصد تكذيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم -: إن ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم خطأ وباطل. فمن عرف مثلا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: نعم الإدام الخل فقال هو: كلا، بل بئس الإدام الخل، قاصدا تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم فيما قاله كفر بلا شك. وبمناسبة ذكر هذه المسألة نقول: إن الحديث الذي يتناقله بعض الناس بئس الإدام الخل كذب موضوع.

ص 685

قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: (وكل دعوى النبوة بعده فغي وهوى). الشرح: وكذلك يكفر من جوز نبوة إنسان بعد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، أي أن الوحي نزل على إنسان بعدما بعث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، باستشناء سيدنا عيسى عليه السلام الذي ينزل آخر الزمان حيث يكون تابعا لشريعة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. وكذلك يكفر (كما في مغني المحتاج 4 / 135) من قال: إن النبوة مكتسبة، أو ينال العبد رتبتها بصفاء القلوب، أو زعم إنسان أنه يوحى إليه ولو لم يدع النبوة، أوصدق مدع للنبوة بعد نبين صلى الله عليه وسلم قال القاضي عياض في أواخر كتابه الشفا (2 / 606): 4 وكذلك - يكفر - من ادعى مجالسة الله والعروج إليه ومكالمته أو حلوله في أحد الأشخاص كقول بعض المتصوفة والباطنية... وكذا كل من دافع عن تلك الضلالات المسطورة في كتب التصوف أو الكلمات المنقولة عن بعض الصوفية (أي أدعياء التصوف) التي هي كفر وضلال ظاهر وادعى أن لهم اصطلاحات خاصة بهم لا يعرفها غيرهم ولا يخاطبون بها إلا الخواص أمثالهم فهو ضال مضل مارق من الدين، ولا يجوز لأي شخص أن يلتفت لقول هذا المدافع عن الضلالات الذي يدعي تارة بأنها مدسوسة على أولئك الذين يزعم بأنهم من الأولياء المقربين، وتارة بأنها على اصطلاحهم الخاص، حتى آل الأمر أن ينقلب الكفر هدى والهدى كفرا، كتلك الشطحات التي يزعمونها أعاذنا الله تعالى من ذلك الهراء، حتى قال بعض العلماء كما في لسان الميزان لابن حجر (5 / 352): فوالله لأن يعيش المسلم جاهلا خلف البقر لا يعرف من العلم شيئا سوى سور من القرآن يصلي بها الصلوات ويؤمن بالله واليوم الآخر خير له من كثير من العرفان وهذه الحقائق ولو قرأ مائة كتاب أو عمل مائة خلوة .

ص 686

وقد تقدم في آخر موضوعصفات الانبياء عليهم الصلاة والسلام عن الإمام الغزالي رحمه الله تعالى أن من زعم أن الحقيقة تخالف الشريعة وأن الباطن يخالف الظاهر فهو إلى الكفر أقرب إليه من الإيمان. أي أنه كافر حقيقة. والقاعدة في ذلك أن كل اعتقاد فيه تشبيه لله تعالى بخلقه أو قياسه على الخلق أو وصفه بما لا يجوز وصفه به مما لم يرد في الكتاب والسنة ولا أجمعت الأمة على جواز وصفه به، أو اعتقد وصفه للفظ ورد مضافا له في الكتاب والسنة لكن لا يجوز وصفه به كالنسيان والمرض والجوع ونحو هذه الأمور، فكله كفر وردة ناقلة من الملة إلى الكفر أعاذنا الله تعالى من ذلك. وكذلك كل انتهاك لحرمة الله تعالى أو حرمة ملائكته أو رسله وأنبيائه أو كتبه أو شعائره لقوله تعالى (ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) الحج: 32 وكل ما فيه استهزاء ومعاندة لله تعالى ورسول ه لقوله تعالى (ولئن سألتهم ليقولن إنما كثا نخوض ونلعب، قل أبالله وآياته ورسول ه كنتم تستهزؤون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم) التوبة: 66. وقد قال بعض العلماء: كل ما خطر ببالك فالله تعالى بخلاف ذلك، أخذا من قوله تعالى (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) ومن قوله تعالى (ولم يكن له كفوا أحد) وغيرها. ولا يتم اجتناب هذا الأمر وعدم الوقوع فيه إلا بعد تعلم التوحيد والعقيدة والحرص على عدم الإتيان بمخالفة أصولها وقواعدها.

 مسألة مهمة جدا

 بحث ما روي عن سيدنا ابن مسعود رضي الله عنه في نفيه أن سورتي المعوذتين من القرآن: قلت: أخرج هذا الأثر البخاري فيصحيحه (8 / 748) مبهما، وهو أثر باطل عندنا وقد حكم ببطلانه الحافظ النووي وابن حزم والإمام الفخر الرازي، وهذا نص الأثر وهو من طريق سفيان بن عيينة عن عبدة وعاصم عن زر بن حبيش

ص 687

قال: سألت أبي بن كعب قلت: يا أبا المنذر إن أخاك ابن مسعود يقول كذا وكذا. فقال أبي: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: قيل لي، فقلت. قال: فنحن نقول كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . قلت: هذا لفظه المبهم ولاحظ أسلوب التعمية هذا!! وهل هذا لفظ يناسب أن ينتقى في كتاب وضع للصحيح؟!! قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري في شرحه (8 / 742): [قوله (يقول كذا وكذا) هكذا وقع هذا اللفظ مبهما، وكان بعض الرواة أبهمه استعظاما له. وأظن ذلك من سفيان فإن الإسماعيلي أخرجه من طريق عبد الجبار ابن العلاء عن سفيان، كذلك على الإبهام، وكنت أظن أولا أن الذي أبهمه البخاري لأنني رأيت التصريح به في رواية أحمد عن سفيان ولفظه قلت لأبي إن أخاك يحكها من المصحف وكذا أخرجه الحميدي عن سفيان ومن طريقه أبو نعيم في المستخرج وكان سفيان كان تارة يصرح بذلك وتارة يبهمه. وقد أخرجه أحمد أيضا وابن حبان من رواية حماد بن سلمة عن عاصم بلفظ إن عبد الله بن مسعود كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه ، وأخرج أحمد عن أبي بكر بن عياش عن عاصم بلفظ إن عبد الله يقول في المعوذتين وهذا أيضا فيه إبهام، وقد أخرجه عبد الله بن أحمد في زيادات المسند والطبراني وابن مردويه من طريق الأعمش عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد النخعي قال كان عبد الله بن مسعود يحك المعوذتين من مصاحفه ويقول إنهما ليستا من كتاب الله قال الأعمش وقد حدثنا عاصم عن زر عن أبي بن كعب فذكر نحو حديث قتيبة الذي في الباب الماضي، وقد أخرجه البزار وفي آخره يقول إنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتعوذ بهما قال البزار: ولم يتابع ابن مسعود على ذلك أحد من الصحابة]. انتهى كلام الحافظ.

ص 688

قلت: وهذه الأحاديث جميعها التي ذكرها ابن حجر كذب بحت نقطع بكذبها وبطلانها، لأنه من أبعد ما يمكن أن يكون سيدنا عبد الله بن مسعود لا يدرك كون المعوذتين من القرآن ولا يعلم ذلك وندركه نحن ونعلمه!! والنبي صلى الله عليه وسلم يقول من أحب أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد أي: عبد الله بن مسعود، رواه أحمد (1 / 445) وابن ماجه (1 / 49) وغيرهما وهوصحيح. فهل يتصور عاقل أن ابن مسعود العربي القح لا يدرك بسليقته أن المعوذتين من القرآن؟! لذلك قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في شرح المهذب (3 / 396): أجمع المسلمون على أن المعوذتين والفاتحة وسائر السور المكتوبة في المصحف قرآن، وأن من جحد شيئا منه كفر وما نقل عن ابن مسعود في الفاتحة والمعوذتين باطل ليس بصحيح عنه، قال ابن حزم في أول كتابه المحلى: هذا كذب علي ابن مسعود موضوع وإنماصح عنه قراءة عاصم عن زر عن ابن مسعود وفيها الفاتحة والمعوذتان . وكذلك قال الإمام الرازي رحمه الله تعالى في تفسيره (1 / 223) ونقله عنه الحافظ في الفتح (8 / 743). ثم إن ما ذكره الحافظ هناك من كلام يدافع به عن عصمة الصحيح التي يراها ويذب به عن بطلان أسانيد أحاديث الآحاد فيه المعارضة ليس بشيء وهو مما لا يعول أو يلتفت إليه. قال الإمام الرازي: إن قلنا إن كونهما من القرآن كان متواترا في عصر ابن مسعود لزم تكفير من أنكرهما، وإن قلنا إن كونهما من القرآن كان لم يتواتر في عصر ابن مسعود لزم أن بعض القرآن لم يتواتر وهذه عقدةصعبة . قلت: وهل يتصور عاقل أن القرآن لم يتواتر كله ولم يكن قطعيا حتى بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الزمن الذي انتقل فيه عبد الله بن مسعود

ص 689

إلى الكوفة؟! ثم بقي كذلك حتى مات وأجمعوا بعده على أن المعوذتين من القرآن؟! والله ما هذه التصور إلا هراء!!

 الردة الفعلية

 الردة الفعلية هي: الفعل الذي ينتهك فاعله حرمة الله تعالى أو حرمة رسول من رسله أو كتاب غير محرف من كتبه أو ملك من ملائكته أو حكم من أحكام الله تعالى أو شعيرة من شعائره، ويقوم به فاعله وهو مدرك مختار غير مكره وهو يتمتع بكامل قواه العقلية، ومن أمثلته. إلقاء مصحف أو ورقة عليها اسم الله تعالى أو ملك من ملائكته أو نبي من أنبيائه في قذر أو نجاسة، أو أي فعل فيه انتهاك له، كان يدوسه أو يقف عليه فيجعله تحت قدميه عمدا، وكذلك أوراق وكتب العلوم الشرعية.

تنبيه مهم

ومما يجب الانتباه له في هذا الباب: استعمال الجرائد والمجلات والصحف وهي مليئة بأسماء الله تعالى ومكتوب فيها: عبد الله وعبد الرحمن وعبد الرزاق... ومحمد وإبراهيم وموسى وعيسى وغير ذلك زد على ذلك الوفيات في الجرائد، فلا يجوز استعمال الجرائد لوضع الطعام عليها ثم إلقاؤها في القمامة ونحوها، أو استعمالها في أي مجال فيه انتهاك لها كتنظيف الزجاج وتجفيفه وتلميعه بها، أو في دهان السيارات، وإنما تتلف تلك الجرائد والأوراق التي كتب عليها الأسماء المعظمة بالحرق، كما أحرق سيدنا عثمان المصاحف بعد نسخ المصحف الإمام، ويجب أن يسعى كل مسلم لإيجاد مكان لحرق تلك الأوراق أو دفنها أو نحو ذلك محافظة على حرمتها، فإن مزق وقطع الورقة التي كتب عليها الاسم المعظم بحيث تناثرت الحروف أو أزيلت ولم تعد مجتمع لتكون ذلك الاسم جاز، ومن ذلك تلك الآلات الكهربائية التي تقطع الورق بحيث لا تبقي كلمات الورقة حروفا مجتمعة تشكل اسما معظما جاز، وإلا فلا يجوز إلقائها بعد ذلك بل يجب حرقها.

ص 690

وأشنع من ذلك أن أناسا يستعملون أوراقا مكتوب عليها أو جرائد في عملية الاستنجاء، وقد دخلت مرة إلى الخلاء في أحد المساجد فوجدت ورقة ملقاة هناك قد استنجى بها جاهل جهول مكتوب عليها بسم الله الرحمن الرحيم!! فغسلتها وطهرتها!! فانظروا إلى هذا الجهل المؤدي للكفر الشنيع أعاذنا الله تعالى من ذلك وحمانا (405). ومن الأمور التي توجب الردة أيضا أن يعلق إنسان مسلم في عنقهصليبا، أو يتاجر به كالصائغ الذي يبيعهصلبان الذهب والفضة وغيرها. ومن الأفعال المكفرة أيضا السجود للصنم أو الركوع له، ومنها ما يحصل في المراسيم التي تفعل للصنم المسمى بالجندي المجهول فمن ركع أو سجد له كفر بلا شك. وأما من انحنى راكعا أو سجد لملك من الملوك أو سلطان أو رئيس للتحية وليس لعبادته وتعظيمه فلا يكفر ولكنه يكون بذلك قد اقترف كبيرة من الكبائر المحرمة في شريعتنا، ولم يكن السجود لانسان على وجه التحية لا العبادة كفرا، لأنه كان جائزا في شرائع الانبياء السابقين، ومنه سجود إخوة سيدنا يوسف وأبيه - وهو نبي - وأمه كذلك له وقد ذكر الله سبحانه ذلك لنا في القرآن الكريم وهو قوله (ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا) يوسف: 100، وكذلك أمر الله تعالى الملائكة بالسجود لسيدنا آدم عليه السلام (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين) البقرة: 34. بل إن التوجه لبعض الجمادات في السجود دون قصدها بالعبادة لا يعد كفرا ولا إلحادا، فسجودنا نحن مثلا إلى جهة الكعبة في أي بقعة من الأرض كنا، لا يعد كفرا ولا حراما بل هو تقرب له تعالى نثاب عليه ونعاقب على تركه، إذ

(هامش) (405) ومن يحتاج إلى الورق فيصناعته كمن يدهن السيارات أو ينظف الزجاج فينبغي أن يشتري ورقا غير مكتوب عليه شيء فيستعمله!! ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب!! (*)

ص 691

ليس في هذا السجود اعتقاد في تلك الأحجار وإنما هو سجود لله تعالى الآمر بالإتجاه إلى تلك الجهة وهو سبحانه منزه عن الحلول والوجود فيها وفي غيرها، فافهم ذلك جيدا. وأنبه هنا إلى أن السجود أو الركوع إلى الصنم المسمى بالجندي المجهول إنما يكون لذاته، والراكع له لا يقصد الركوع أو السجود لله تعالى رب العاملين مع كون هذا الفعل غير مأمور به شرعا، خلافا لسجودنا لله تعالى مستقبلين الكعبة المشرفة، فلاحظ ذلك ولا تغفل عنه. والدليل على تحريم السجود لغير الله تعالى قوله عز وجل (لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون) فصلت: 37. روى عبد الله بن أبي أوفى فقال: لما قدم معاذ بن جبل من الشام سجد للنبي صلى الله عليه وسلم. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما هذا يا معاذ؟! . قال: أتيت الشام فوافقتهم يسجدون لأساقفتهم وبطاركتهم، فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تفعلوا. فإني لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لغير الله تعالى لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، والذي نفس محمد بيده، لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها، ولو سألها نفسها وهي على قتب، لم تمنعه رواه أحمد (4 / 381) وابن ماجه (1 / 595) وغيرهما وهو حديثصحيح. وفيصحيح ابن حبان (9 / 470) عن أبي هريرة مرفوعا: ما ينبغي لأحد أن يسجد لأحد، ولو كان أحد ينبغي أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لما عظم الله عليها من حقه .

ص 692

الردة القولية

 إعلم أن أوسع أبواب الردة وأكثرها وقوعا هو الردة القولية الحاصلة باللسان، حيث تخرج من بعض الناس كلمات توقعهم في الردة والكفر ولا يرون ذلك ذنبا فضلا عن كونه كفرا وارتدادا، وأكثر النصوص الشرعية المبينة لمسألة الردة نجدها واردة في هذا القسم لأنه الأكثر وقوعها. وقد تقدم قول الله تعالى في كتابه العزيز (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم) التوبة: 74. وقال الله تعالى (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) ق: 18 وقال تعالى: (إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم) النور: 15. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين ما فيها يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب رواه البخاري (11 / 308) ومسلم (4 / 2290). وفي رواية أخرى إن الرجل ليتكلم بالكلمة ليضحك بها جلساءه يهوي بها - في النار - أبعد من الثريا رواه أحمد (2 / 402) و(3 / 38) وابن حبان فيصحيحه (13 / 24) وهو حسن بالشواهد. وعن سيدنا معاذ بن جبل قال: قلت: يا نبي الله: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس على وجوههم في النار إلا حصائد ألسنتهم؟! (406).

(هامش) (406) رواه أحمد (5 / 231) والترمذي (5 / 12 / 2616) وابن ماجه (2 / 1315) وغيرهم وهوصحيح. وأما حديث الطبراني (10 / 243) عن سيدنا ابن مسعود أكثر خطايا ابن آدم من لسانه فحديث باطل مع أن رجاله رجال الصحيح، كماصرح بذلك الحافظ أبو حاتم الرازي = (*)

ص 693

وعن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت يا رسول الله ما أخوف ما تخاف علي؟ قال: هذا، وأخذ بلسانه رواه الترمذي (4 / 607) وقال: حسنصحيح. وعن سهل بن سعد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة رواه البخاري (11 / 308). قال الحافظ ابن حجر في الفتح (11 / 309): قوله (لحييه) هما العظمان في جنبي الفم والمراد بما بينهما اللسان وما يتأتى به النطق، وبما بين الرجلين الفرج . إذا تأملت هذه النصوص التي أوردناها تعلم أن أوسع أبواب الردة هو القول والكلام الذي يصدر من الناس ولا يلقون له في غالب الأحوال أي بال، وأمثلة هذا القسم لا تكاد تحصر ولا يشترط عند التلفظ بها أن يقصد الكفر، بل لو نطق بما هو كفر كفر وارتد وإن قال لم أقصد الكفر، وقد اتفق أهل العلم على ذلك وأجمعوا عليه كما يجد ذلك من تتبع أقوالهم ونصوصهم بعد الإطلاع على نصوص الكتاب والسنة. إلا أن بعض المعاصرين اليوم خالف ذلك كالسيد سابق في كتابه فقه السنة (3 / 453) فاخطأ خطأ كبيرا حيث قال هناك ما نصه: إن المسلم لا يعتبر خارجا عن الإسلام ولا يحكم عليه بالردة إلا إذا انشرحصدره بالكفر، واطمأن قلبه به، ودخل فيه بالفعل، لقول الله تعالى (ولكن من شرح بالكفرصدرا)... !!!

(هامش) = في العلل (2 / 101) ونقله عنه الذهبي في الميزان (4 / 496) في ترجمة أبي بكر النهشلي لأنه مما تفرد به ولم يتابعه عليه أحد وكان مغفلا، هكذا قالوا وقد نص على ذلك أيضا ابن حبان في المجروحين (3 / 145)، وقد فات هذا الأمر على الحافظ المنذري في الترغيب (3 / 534) والهيثمي!! في المجمع (10 / 300)، ومن قلدهما في هذا العصر واغتر بظاهر السند كالشيخ المتناقض!! في صحيحته (2 / 60) وغيره. (*)

ص 694

وأقول: أخطأ الشيخ سيد سابق جدا لأنه أتى بآية الإكراه فحملها على من نطق بالكفر مختارا!! فاستدل بآية تتحدث في موضوع آخر أو عن نوع خاص من أنواع الردة فعممها على جميع الأقسام!! ولو أنه ذكر الآية بتمامها وما قبلها وما بعدها لتوضح الموضوع للقارئ وأدرك خطاه في اجتهاده هذا، مع أنه اجتهد مع وجود النصوص، ولا اجتهاد في مورد النص كما هو معلوم ومقرر في علم الأصول. ولا بد لنا أن نناقش رأيه هذا حتى نبين أنه مخطئ فيه، هذا مع أنني ناقشت الشيخ سيد سابق في منزله بمكة المشرفة في هذا الموضوع وغيره وأقمت له الحجج والبراهين والأدلة على خطئه في هذه المسألة ووعد بالتراجع وتبيين ذلك وتغييره في الطبعات القادمة من كتابه فقه السنة (407) ولكنه لم يفعل للأسف. ولنعد إلى نقد دليله الذي أتى به فنقول:

(هامش) (407) وكتاب فقه السنة في الواقع اسمه أكبر منه بكثير، وفيه من الأخطاء ما لا يكاد يحصى، وأغلبها في نقل مذاهب العلماء حيث يقول مثلا في مسألة: وقال الشافعي بالوجوب، مع أنها في الحقيقة عند الشافعي رحمه الله تعالى من السنن لا الواجبات، وكذا يفعل هذا كثيرا في سائر المذاهب، وفي مسائل الأحاديث يصحح الضعيف ويضعف الصحيح، ثم هو أحيانا يستقل برأي أو استنباط غير مبني على دليل معتبر قوي وإنما يقصد منه التسهيل والتيسير برأيه!! ثم إن الأمر المهم في كتابه هذا أنه من أكبر العوامل المعاصرة المساعدة على تمييع الفقه الإسلامي واتباع الرخص والتأويلات والتلفيق الذي هو محرم بإجماع العلماء كما نقلت ذلك في مقدمة كتابي صحيحصفةصلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ص (17 - 22)، ومما أود تأكيده وتقريره هنا أن الكتاب المذكور فقه السنة لا يصح العمل بما فيه ولا التعويل عليه، وأسال الله تعالى أن تتاح لي فرصة في المستقبل لأن أخرج كتابا بديلا عنه وآخر نقدا له، من باب النصح الواجب للمسلمين، نسأله التوفيق والهداية. ويعود سبب عدم وجود بديل لهذا الكتاب إلى تكاسل علماء العصر وعدم قيامهم بواجبهم الشرعي!! (*)

ص 695

قال الله تعالى: (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفرصدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب أليم) النحل: 106. فهذه الآية تتحدث عن الإنسان المسلم الذي أكره على الكفر حيث بين الله تعالى فيها أن من أكره على الكفر فانشرحصدره إليه ووافق من أكرهه على الكفر فإنه يكون كافرا حقيقة، وأما من أكره على الكفر وهدد لينطق بكلمة الكفر فنطق بها وقلبه غير منشرح لها ولا للكفر فلا يكفر وهو مما تجاوز الله عنه في هذا الأمر. وأما في غير حالة الإكراه فلا يشترط الانشراح البتة، ألا ترى إلى قوله تعالى (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم) التوبة: 74، فهؤلاء الذين جاءوا يحلفون أنهم ما قصدوا الكفر (أي لم ينشرحصدرهم له) لم يقبل ذلك منهم واعتبر الله كلامهم كفرا وردة، فتأمل ذلك جيدا!! وقد ذكر العلماء المفسرون كابن جرير الطبري في تفسيره (8 / 14 / 181) والقرطبي أيضا (10 / 180) أن هذه الآية نزلت في سيدنا عمار بن ياسر رضي الله عنه. فعن محمد بن عمار بن ياسر قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر فلم يتركوه حتى سب النبي صلى الله عليه وسلم وذكر آلهتم بخير ثم تركوه، فلما أتى النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما وراءك؟ قال: شر يا رسول الله!! ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير، قال: كيف تجد قلبك؟، قال: مطمئنا بالإيمان. قال: إن عادوا فعد (408). ويرد على ما جاء في كتاب فقه السنة أيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدم الذي رواه البخاري ومسلم إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها... وفي رواية أخرى للبخاري أيضا لا يلقي لها بالا.... وهذا يدل

(هامش) (408) رواه ابن جرير الطبري في تفسيره (8 / 14 / 182) والحكم (2 / 357) وصححه على شرطهما، والبيهقي (8 / 208) في باب المكره على الردة، وهوصحيح. (*)

ص 696

دلالة واضحة على أنه غير قاصد الكفر ولا منشرحصدره به. وقال الإمام القرطبي: أجمع أهل العلم على أن من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل أنه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان . وقال بعض العلماء نظما: يرتد عن إسلامه من انتهك * حرمة ذي العرش ورسل وملك وشرط قصد الكفر من ينتهك * على الصحيح مذهب لا يسلك وشددوا تأديب مفت أخبرا * بعدم الكفر لمن قد كفرا بل ذا من الكفر عليه يرهب * إذا لازم المذهب قيل مذهب وكل ذلك مما يبطل هذا الرأي الشاذ المدون في كتاب فقه السنة ، فتنبه أخي المؤمن لذلك ولا تغفل عنه. ومن الألفاظ الكفرية التي يتناقلها بعض الناس: أن يقول إنسان مسلم لمسلم آخر دون أن يقترف أمرا يوجب الكفر والارتداد: يا كافر. قال الإمام النووي في الروضة (10 / 65): قال المتولي: ولو قال المسلم - لمسلم - يا كافر بلا تأويل: كفر، لأنه سمى الإسلام كفرا، والعزم على الكفر في المستقبل كفر في الحال . ومثال ذلك أن يقول شخص لآخر وقد غضب منه: هل تريدني أن أكفر لك الآن؟! أو إذا لم تسكت سأكفر، أو قال: إذا لم يفعل لي الله كذا في السنة الآتية أو في الشهر القادم سأكفر، أو أصابته مصيبة فجعل يخاطب السماء أو غير السماء كأنه يخاطب الله ويقول: لماذا فعلت بي كذا، أو هل أعجبك أنك فعلت بي كذا، أو سأكفر بك إذ فعلت بي كذا، وقد حصل هذا فعلا من بعض الناس، وهذا كله كفر وردة يخرج من الملة. قال الإمام النووي: وكذا التعليق بأمر مستقبل، كقوله إن هلك مالي أو ولدي تهودت أو تنصرت. قال: والرضى بالكفر كفر، حتى لو سأله كافر أن

ص 697

يلقنه كلمة التوحيد فلم يفعل، أو أشار عليه بأن لا يسلم، أو على مسلم بأن يرتد فهو كافر، بخلاف ما لو قال لمسلم: سلبه الله الإيمان، أو لكافر لا رزقه الله الإيمان، فليس بكفر، لأنه ليس رضى بالكفر لكنه دعا عليه بتشديد الأمر والعقوبة عليه. ولو أكره مسلما على الكفر،صار المكره كافرا، والاكراه على الإسلام والرضى به والعزم عليه في المستقبل ليس بإسلام ا ه‍ كلام النووي. ويكفر بلا شك وبلا مثنوية من يسب الله تعالى أو يسب الدين أو الانبياء أو الإسلام سواء في حال الرضى أو في حال الغضب، لأن الله تعالى واجب تعظيمه في الرضى والغضب، ويكفر من قال إن الساب في مثل هذه الأحوال لا يكفر بلا شك أيضا. وكذلك من يقول اليوم من العامة: (جننت ربي) أو (جننت دين ربي) أو (خوت ربي) أو (زيح عن ربي) أو (أبعد عن ربي) أو (إيش دين رب هذا الرجل) أو (حل عن ربي) وغيرها من الكلمات الشنيعة التي يطلقها بعض السفهاء في حق الباري سبحانه وتعالى أو في حق الرسل عليهم الصلاة والسلام أو في حق الإسلام والدين. ويجب على كل إنسان أن يكون ضابطا لنفسه منقادا للشرع خاضعا لله تعالى في الرضا والغضب فإن غضب، استرجع وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ومما يؤسف له جد الأسف أننا نرى اليوم كثيرا من الناس في عداد الهمج الرعاع قد تربوا على الكفر والالحاد ومعصية الله ورسول ه وتعودوا على ذلك والعياذ بالله تعالى، وما ذلك إلا لفساد كثير من الآباء والأمهات، لأنهم لم ينشأوا ويستقيموا على الإسلام، فيخرج عندئذ الأبناء فجارا مثلهم، نسأل الله تعالى السلامة.

ص 698

ولا يستطيع أن يتصور العاقل الموحد المؤمن بل لا يستطيع إنسان أن يدرك ويستوعب كيف يقدم إنسان يدعي الإسلام في بعض الأوقات على شتم الرب أو الدين الذي ينتمي إليه، وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على فقدان تعظيم الله تعالى وفقدان قيمة ربه ودينه من قلبه!! وإلا فلو كان معظما لدينه وربه فإنه لن بفعل هذا الكفر الشنيع، ومثل هذه الظواهر ما هي إلا أحد الأسباب الكبرى في اندحار هذه الأمة وسقوطها وعدم توفيق الله لها، حيث أن كثيرا من أفرادها يتمتعون بمثل هذه المواصفات!! بالإضافة إلى البطش والجبروت بخلق الله تعالى أيضا بكل أموال الناس بالباطل والتحايل على الشرع والمجتمع والناس وخداعهم!! والله تعالى يقول لهم سبحانه (إن الله لا بغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). هذا وقد عقد الإمام النووي رحمه الله تعالى فرعا مهما في كتاب الردة من الروضة (409) ذكر فيه أمثلة كثيرة من الألفاظ التي يخرج بها الإنسان من الإسلام، لا بد أن ننقلها من هناك ونعلق عليها ونشرحها ونوضحها بأسهل عبارة وأبسط أسلوب وهي تناسب أن تكون  شرح قول الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى في عقيدته

 شرح قول الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى في عقيدته

 (ولا نخوض في الله ولا نماري في دين الله). الشرح: يكفر من سخر باسم من أسماء الله تعالى، أو من استهزأ بالله تعالى أو بآياته، أو بوعده أو وعيده (أوصنع فكاهات ونكتا في ذلك أو استمع لمن فعل

(هامش) (409) وأصل كتاب الروضة هو كتاب شرح الوجيز للإمام الرافعي رحمه الله تعالى حيث اختصره الإمام النووي وزاد عليه زيادات قيدها بقوله في أولها قلت وفي آخرها بقوله والله أعلم فحيثما وجدت فيه كلاما واقعا بين قلت وبين الله أعلم فهو كلام الإمام النووي وما سواه فهو كلام الإمام الرافعي رحمهما الله تعالى، فاعلم ذلك وتنبه له. (*)

ص 699

ذلك ورضي به ولم ينكر عليه) قال الله تعالى (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته له ورسول ه كنتم تستهزؤون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم) التوبة: 65 وقال تعالى: في وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره، إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا) النساء: 140 وقال تعالى: (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فاعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره، وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين) الأنعام: 68. ومثال السخرية بوعد الله تعالى أن يسخر إنسان بما أعده الله تعالى للمؤمنين من الثواب ومن الأمور الحسية في الجنة كالحور العين وكالأواني التي يشرب بها أهل الجنة وكالطعام والشراب الذي أعده الله لهم، فكل ذلك كفر وردة لأنه يتضمن تكذيب كلام الله تعالى أي القرآن الكريم الذي ذكر الله فيه هذه الأمور، وكذلك تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم المخبر بها عن الله أيضا والاستهزاء والاستخفاف بوعد الله تعالى. وأما وعيده فمعناه: أن يستهزأ إنسان بما أعده الله تعالى للكفار والمنافقين والمجرمين وأمثالهم من العذاب والنكال والنار، مثل قول بعضهم عند ذكر جهنم (غدا نتدفأ عليها) وهذا يتضمن تكذيب ما جاء في القرآن والسنة من شدة حرها وفيحها بالإضافة إلى استخفافه بخالقها. ومما يكفر أيضا قول إنسان مثلا: لو أمرني الله بكذا لم أفعل، أو لوصارت القبلة في هذه الجهة ماصليت إليها، أو لو أعطاني الله الجنة ما دخلتها (410).

(هامش) (410) ذكر الإمام النووي في الروضة (10 / 66) أن من قال لو أعطاني الله الجنة ما دخلتها لا يكفر. قلت: قال ذلك على مقتضى قاعدة الزهاد، أي التي قالها بعضهم هن أنه يعبد الله لله، أي لأنه يستحق سبحانه العبادة لا طمعا في الجنة، ولا خوفا من النار، لكن من قال ذلك استهزاءا أو استخفافا بالله تعالى أو بوعده فإنه يكفر كما أثبتناه، والله تعالى أعلم وأحكم. (*)

ص 700

وكذا لو قال له غيره: لا تترك الصلاة فإن الله يوآخذك بتركها، فقال: لو آخذني الله بتركها مع ما بي من المرض ظلمني. أو قال إنسان مظلوم: هذا بتقدير الله. فقال الظالم: أنا أفعل بغير تقدير الله تعالى كفر هذا الظالم، وكذلك يكفر الحراس والمحققون الذين يقولون للناس في السجون أو في مواضع الاعتقالات أو عند ضربهم أو تعذيبهم والتضييق عليهم: هل يستطيع الله أن ينجيك من هنا؟! أو أدع الله أن ينجيك من هنا!! أو لا يستطيع الله أن يخلصك الآن ولا ينجيك أو نحو هذه الكلمات!! فإن هذا كفر وظلم وقائل مثل هذه الكلمات والراضي بها أول ما تسعر به نار جهنم يوم القيامة، قال تعالى: (فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا * ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا * ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بهاصليا) فإذا أحضرهم الله تعالى يومئذ حول جهنم قيل لهم بعد ذلك لتنمحق قلوبهم ويزاد عليهم في العذاب بعد أن يروا جهنم ويدركوا عذابها وشدة حرها وهم خارجها (وإن منكم إلا واردها) أي داخلها (كان على ربك حتما مقضيا) مريم: 17، أي ستدخلونها أيها الكفار العتاة جميعا وستذوقون عذابها فمن ينجيكم الآن منها؟!! وقال تعالى (واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الدين كفروا يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين * إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون * لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون * لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون) الانبياء : 100. ويكفر أيضا من قال: لو شهد عندي الانبياء والملائكة بكذا ماصدقتهم، وكذا لو قيل له مثلا: قلم أظافرك فإنه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لا أفعل هذا وإن كان سنة قاصدا العناد والاستخفاف والاستهزاء. ولو قال: فلان يهودي أو كاليهودي فإنه لا يكفر إن كان قصده تشبيهه في أعماله ولؤمه وخسته باليهود أو غيرهم. ولو قال: لو كان فلان نبيا ما آمنت به،

ص 701

كفر ولو تنازع رجلان، فقال أحدهما: لا حول ولا قوة إلا بالله، فقال الآخر: لا حول لا تغني من جوع، كفر. ولو سمع أذان المؤذن فقال: إنه يكذب. أو قال: ما هذا الشرع التافه؟ أو لعن كل عالم وأراد الاستغراق الشامل ولم يرد الذين يستأكلون بالعلم ويضلون الناس مثلا، كفر. أو قال أنا برئ من الله وأطلق، أو برئ من الله إن حدث كذا، أو برئ من ملائكته، أو من الانبياء ، أو من النبي ، أو من القرآن، أو من الشريعة، أو من الإسلام، كفر. وكذلك من قال وهو يتعاطى قدحا أو كأسا من الخمر أو من يقدم على الزنا أو على أمر محرم: باسم الله استهزاء أو استخفافا أو (تنكيتا) أي على سبيل الفكاهة، فقد كفر. قلت: وكذلك الممثل الذي يمثل أدوار الكفار والملاحدة ويتلفظ بالكلمات الكفرية، فإنه يكفر ويرتد ويخرج من دائرة الإسلام فليتنبه لذلك (411). وكذلك من يقول لم يصبني الخير منذصليت، أو لم أصب خيرا مذصليت، أو الصلاة لا تنفعني، أو أتشاءم من الصلاة، أو من قال: ليس الإسلام والدين بالصلاة والصيام إنما المهم أن يكون قلبك طاهرا أبيض نظيفا، فهذا كفر وارتداد لأن فيه إنكار وجوب ما علم من الدين بالضرورة.

(هامش) (411) وللأمام المحدث أحمد بن الصديق الغماري رسالة مهمة في بيان مسألة تحريم التمثيل أسماها إقامة الدليل على حرمة التمثيل وهي مهمة جدا فليطلبها من شاء معرفة حكم هذا الموضوع بالتفصيل. ولسيدي عبد الله ابن الصديق شقيقه رسالة أيضا في هذه المسألة مطبوعة مع الرسالة الأولى، فارجع إليها. (*)

ص 702

وكذلك يكفر من قال لشريف أي إنسان من آل البيت أنا عدوك وعدو جدك إن أراد بجده النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد قال الله تعالى (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى)، وأما إن قصد بجده سيدنا علي بن أبي طالب عليه السلام ورضي الله عنه، وكان مبغضا له منكرا لفضائله فهو فاسق ضال منافق، لأنه تواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه قال الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء (8 / 335): متواتر . وفيصحيح مسلم (1 / 86) عن سيدنا علي رضوان الله عليه قال: إنه لعهد النبي الأمي صلى الله عليه وسلم إلي: إنه لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق . وقد قال الفضل بن دكين (من رجال الستة وهو الإمام الحافظ الكبير من شيوخ أحمد بن حنبل والبخاري وابن معين وإسحق بن راهويه والذهلي وأبو خيثمة وأبو زرعة وأبو حاتم والدارميصاحب السنن وغيرهم وروى عنه أيضا عبد الله بن المبارك توفي سنة 219) ما نصه: حب علي رضي الله عنه عبادة . ولو قال إنسان: قصعة ثريد خير من العلم. كفر. ولو حضر جماعة، وجلس أحدهم على مكان رفيع تشبها بالمذكرين والوعاظ، فسألوه المسائل وهم يضحكون، ثم يضربونه بالمخراق (412)، أو تشبه بالمعلمين، فأخذ خشبة، وجلس القوم حوله كالصبيان وضحكوا واستهزؤوا، كفروا هم وهو، واختار النووي في الروضة أن الصواب لا يكفرون. قلت: والظاهر أن مراده بعدم تكفيرهم أنهم إذا فعلوا هذا لا على سبيل الاستهزاء بالدين والشرع.

(هامش) (412) المخراق هو المنديل إذا فتل ولف ليضرب به، أو السيف أيضا. (*)

ص 703

ولو طال مرض إنسان واشتد فقال، إن شئت توفني مسلما، وإن شئت توفني كافرا،صار كافرا، وكذا لو ابتلي بمصائب، فقال: أخذت مالي، وأخذت ولدي، وكذا وكذا، وماذا تفعل أيضا؟! أو ماذا بقي ولم تفعله؟! كفر. ولو غضب على ولده أو غلامه فضربه ضربا شديدا، فرآه رجل فقال له شخص: ألست بمسلم؟! فقال الضارب: لا لست مسلما، كفر. قال الإمام الرافعي في أصل الروضة: ولو أسلم كافر، فأعطاه الناس أموالا، فقال أحد المسلمين: ليتني كنت كافرا فأسلم فأعطى، قال بعض ا لمشايخ (413): يكفر. قال الإمام النووي عقبه: [قلت: في هذا نظر - أي الصواب لا يكفر - لأنه جازم بالإسلام في الحال والاستقبال، وثبت في الأحاديث الصحيحة في قصة أسامة رضي الله عنه حين قتل من نطق بالشهادة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ قال: حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل يومئذ (414).، ويمكن الفرق بينهما. والله أعلم]. وقد أجمع علماء المسلمين على تكفير من قال: لا أكفر من دان بغير دين الإسلام، أو شك بعدم كفرهم، أو توقف فقال أنا لا أقول كفار ولا غير كفار. وقد نقل الإجماع في ذلك القاضي عياض في آخر كتابه الشفا (2 / 603). قال الإمام النوري رحمه الله تعالى في الروضة (10 / 75): [قلت: قد ذكر القاضي الإمام الحافظ أبو الفضل عياض رحمه الله في آخر كتابه الشفا بتعريف حقوق نبينا المصطفىصلوات الله وسلامه عليه جملة في الألفاظ المكفرة غير ما سبق، نقلها عن الأئمة، أكثرها مجمع عليه، وصرح

(هامش) (413) يعني بقوله بعض المشايخ: أي بعض أئمة أهل العلم من السادة الحنفية، وليس المقصود بذلك بعض الناص الذين يطلق عليهم اليوم مشايخ فتنبه. (414) رواه البخاري (7 / 517) ومسلم (1 / 96).

ص 704

بنقل الإجماع فيه. والله أعلم. فمنها: أن مريضا شفي ثم قال: لقيت في مرضي هذا ما لو قتلت أبا بكر وعمر رضي الله عنهما لم استوجبه، فقال بعض العلماء: يكفر ويقتل، لأنه يتضمن النسبة إلى الجور، وقال آخرون: لا يتحتم قتله ويستتاب ويعزر، وأنه لو قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم أسود، أو توفي قبل أن يلتحي، أو قال: ليس هو بقرشي، فهو كفر، لأن وصفه بغيرصفته نفي له وتكذيب به، وأن من ادعى أن النبوة مكتسبة، أو أنه يبلغ بصفاء القلب إلى مرتبتها، أو ادعى أنه يوحى إليه وإن لم يدع النبوة، أو ادعى أنه يدخل الجنة ويأكل من ثمارها، ويعانق الحور، فهو كافر الإجماع قطعا، وأن من دافع نص الكتاب أو السنة المقطوع بهما المحمول على ظاهره، فهو كافر الإجماع، وأن من لم يكفر من دان بغير الإسلام كالنصارى، أو شك في تكفيرهم، أوصحح مذهبهم، فهو كافر وإن أظهر مع ذلك الإسلام واعتقده، وكذا يقطع بتكفير كل قائل قولا يتوصل به إلى تضليل الأمة، أو تكفير الصحابة - أي جميعهم -، وكذا من فعل فعلا أجمع المسلمون أنه لا يصدر إلا من كافر، وإن كانصاحبه مصرحا بالإسلام مع فعله، كالسجود للصليب، أو النار والمشي إلى الكنائس مع أهلها بزيهم من الزنانير وغيرها، وكذا من أنكر مكة، أو البيت، أو المسجد الحرام، أوصفة الحج، وأنه ليس على هذه الهيئة المعروفة، أو قال: لا أدري أن هذه المسماة بمكة هي مكة أم غيرها، فكل هذا أو شبهه لا شك في تكفير قائله إن كان مما يظن به علم ذلك، ومن طالتصحبته المسلمين. فإن كان قريب عهد بإسلام، أو مخالطة المسلمين، عرفناه ذلك، ولا يعذر بعد التعريف، وكذا من غير شيئا من القرآن، أو قال: ليس بمعجز، أو قال: ليس في خلق السماوات والأرض دلالة على الله تعالى، أو أنكر الجنة أو النار، أو البعث أو الحساب، أو اعترف بذلك، ولكن قال: المراد بالجنة والنار والبعث والنشور والثواب والعقاب غير معانيها، أو قال: الأئمة أفضل من الانبياء ]. انتهى كلام الإمام النووي.  

الصفحة السابقة الصفحة التالية

صحيح شرح العقيدة الطحاوية

فهرسة الكتاب

فهرس الكتب