اغتيال النبي (ص)

الصفحة السابقة الصفحة التالية

اغتيال النبي (ص)

فهرسة الكتاب

فهرس الكتب

ص 93

2 - قال عمر وعصبة قريش لرسول الله (صلى الله عليه وآله) في تلك الأيام إنه يهجر (1) وردوا نظريته (صلى الله عليه وآله) المصرح بها: كتاب الله وعترتي أهل بيتي (عليهم السلام) وطرحوا نظريتهم: حسبنا كتاب الله (2). 3 - طالبت نساء النبي (صلى الله عليه وآله) في يوم الخميس بإعطاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) ورقة ودواة فقال عمر لهن: اسكتن (3). 4 - أمرت عائشة أباها على لسان النبي (صلى الله عليه وآله) بالصلاة في صبيحة يوم الاثنين فغضب الرسول (صلى الله عليه وآله) وجاء إلى الصلاة متكئا على علي (عليه السلام) وقثم بن العباس فصلى بالناس جماعة (4). 5 - منعت عصبة قريش الناس من دفن النبي (صلى الله عليه وآله) يومي الاثنين والثلاثاء بانتظار مجيء أبي بكر من السنح. فقال العباس بن عبد المطلب في ذلك: عن جثمان النبي إنه (صلى الله عليه وآله) يأسن (5). 6 - وبرز حقد وغضب عصبة قريش على رسول الله (صلى الله عليه وآله) في امتناعها عن حضور مراسم غسله وتكفينه، وذهابها إلى السقيفة لإجراء مراسم البيعة لأبي بكر (6).

(هامش)

(1) وعصبة قريش هم أبو بكر وعمر وابن الجراح وابن عوف وعائشة وحفصة وعثمان وابن أبي وقاص وابن العاص، مسند أحمد بن حنبل 1 / 325، سنن مسلم آخر الوصايا، أوائل الجزء الثاني. (2) الملل والنحل، الشهرستاني 1 / 22. (3) منتخب كنز العمال، المتقي الهندي 3 / 114. (4) البداية والنهاية، ابن كثير 5 / 253، تاريخ الطبري 2 / 439، سيرة ابن هشام 4 / 301. (5) تاريخ الطبري 2 / 443، أنساب الأشراف 1 / 568، ولم يأسن جثمان الرسول (صلى الله عليه وآله) رغم طول المدة. (6) مسند أحمد بن حنبل 1 / 55، سنن البخاري 4 / 111، تاريخ الطبري 2 / 446. (*)

ص 94

7 - وامتنع أبو عبيدة بن الجراح حفار قبور المهاجرين في المدينة من حفر قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وذهب لإجراء مراسم السقيفة، فاضطر أهل البيت (عليهم السلام) لدعوة أبي طلحة حفار قبور الأنصار ليحفر قبرا للنبي محمد (صلى الله عليه وآله)! (1) وقد جاء عن النبي (صلى الله عليه وآله): بينما أنا قائم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلم فقلت: أين؟ قال: إلى النار والله. قلت: وما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقري. ثم إذا زمرة، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم قلت: أين؟ قال: إلى النار والله. قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقري، فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم (2).

(هامش)

(1) تاريخ الطبري 2 / 452، أسد الغابة، ابن الأثير 2 / 333، الطبقات الكبرى، ابن سعد 2 / 294، 298. (2) صحيح البخاري 8 / 150، قال في لسان العرب 11 / 710 وفي حديث الحوض: فلا يخلص منهم إلا مثل همل النعم الهمل: ضوال الإبل واحدها هامل، أي أن الناجي منهم قليل في قلة النعم الضالة ، صحيح مسلم 1 / 217 - 218 كتاب الطهارة، باب استحباب إطالة الغرة، صحيح الترمذي 5 / 321، كتاب تفسير القرآن، باب تفسير سورة الأنبياء ص 22، صحيح النسائي 2 / 133، كتاب الافتتاح، باب قراءة بسم الله الرحمن الرحيم ص 21. (*)

ص 95

8 - وبعدما دفن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في ليلة الأربعاء، هجمت عصبة قريش على بيت فاطمة الزهراء (عليها السلام) بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) في يوم الأربعاء بعد مراسم بيعة أبي بكر العامة تسببت في مقتل فاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله) مع ابنها محسن (1). وبذلك يتوضح اشتداد الصراع بين النبي (صلى الله عليه وآله) وبين الحزب القرشي إلى درجة يتوقع أن تنتهي بحمام دم. وفعلا انتهت باغتيالهم له (صلى الله عليه وآله).

 غضب النبي (صلى الله عليه وآله) على عصبة قريش وأقواله فيهم

 بعد اشتداد حدة الصراع بين النبي (صلى الله عليه وآله) وبين حزب قريش رد رسول الله (صلى الله عليه وآله) على أقوال وأعمال عصبة قريش وعلى رأسهم أبو بكر وعمر وعائشة وحفصة بشدة بما يلي: 1 - لعن العاصين لحملة أسامة بن زيد إلى الشام (2). 2 - رد رسول الله (صلى الله عليه وآله) على قولهم يهجر (في يوم الخميس) ورفضهم

(هامش)

(1) العقد الفريد 4 / 259، تاريخ أبي الفداء 1 / 156، تاريخ الطبري 3 / 198. (2) شرح نهج البلاغة، المعتزلي 6 / 52. (*)

ص 96

نظريته: كتاب الله وعترتي أهل بيتي بقوله لهم: إنهن (نساء النبي (صلى الله عليه وآله) وفاطمة (عليها السلام) أفضل منكم (1) وذلك بعدما قال عمر لهن: اسكتن (2). 3 - أخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) عمر وأصحابه من منزله في يوم الخميس قائلا لهم: قوموا (3). 4 - قال الرسول (صلى الله عليه وآله) لعائشة وحفصة في صبيحة يوم الاثنين (يوم وفاته) ردا على دعوتهما أبويهما لإمامة الصلاة في المسجد النبوي: إنكن لصواحب يوسف (4). 5 - تمنى النبي (صلى الله عليه وآله) موت عائشة السريع قبل وفاته (صلى الله عليه وآله) إذ قالت عائشة: فتمنى رسول الله (صلى الله عليه وآله) موتي قائلا: وددت أن ذلك يكون وأنا حي فأصلي عليك وأدفنك (5). أي تمنى النبي (صلى الله عليه وآله) موت عائشة السريع قبل مشاركتها في قتله ودخولها في فتنة عمياء، ومسيرها لمحاربة علي (عليه السلام) في البصرة. 6 - وقال النبي (صلى الله عليه وآله) عن مسكن عائشة: هاهنا الفتنة، هاهنا الفتنة، هاهنا الفتنة، من حيث يخرج قرن الشيطان (6).

(هامش)

(1) كنز العمال، المتقي الهندي 3 / 138. (2) منتخب كنز العمال، المتقي الهندي 3 / 114. (3) مسند أحمد بن حنبل 1 / 325، صحيح مسلم في آخر الوصايا 1 / 232، السقيفة والخلافة، أبو بكر الجوهري، صحيح البخاري، باب جوائز الوفد من كتاب الجهاد والسير 2 / 118. (4) تاريخ الطبري 2 / 439، سيرة ابن هشام 4 / 301. (5) الطبقات الكبرى، ابن سعد 2 / 206. (6) صحيح البخاري 4 / 92، 174، 5 / 20، 8 / 95، صحيح مسلم 8 / 172، سنن الترمذي 2 / 257. (*)

ص 97

7 - وبعدما سقوه وصف عملهم بالعمل الشيطاني (1). 8 - وبعد مسمومية النبي (صلى الله عليه وآله) وقبل وفاته قالت عائشة: ذهب رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى البقيع ثم التفت إلي فقال: ويحها لو تستطيع ما فعلت! (2) وهذا النص واضح في إقدام عائشة على ارتكاب فعل خطير مشابه لفعلها في معركة الجمل، وذلك الفعل ما هو إلا إقدامها على سم رسول الله (صلى الله عليه وآله) لصالح أبيها وعصبته. وفسر رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذلك بعدم سيطرتها على أهوائها. وإقدامها على جريمة عظيمة. وأخرج مالك بن أنس ما يبين حادثة منكرة لأبي بكر قائلا: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لشهداء أحد: هؤلاء أشهد عليهم، فقال أبو بكر: ألسنا يا رسول الله إخوانهم، أسلمنا كما أسلموا، وجاهدنا كما جاهدوا؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): بلى ولكن لا أدري ما تحدثون بعدي. فبكى أبو بكر ثم بكى، ثم قال: أإنا لكائنون بعدك؟ (3) وهذا من دلائل النبوة إذ أخبر الرسول (صلى الله عليه وآله) أبا بكر وعائشة بجريمتهم قبل وبعد سمهما له.

(هامش)

(1) البداية والنهاية، ابن كثير 5 / 245. (2) الطبقات، ابن سعد 2 / 203 طبعة دار صادر، بيروت. (3) الموطأ، مالك بن أنس ص 236، كتاب الجهاد، باب الشهداء في سبيل الله حديث 995. (*)

ص 98

هل قتلت عصبة قريش أحدا من المسلمين؟

لقد قتل رجال الحزب القرشي الكثير من الناس بوسائل مختلفة وعلى رأس تلك الوسائل الاغتيال، فقد هجم عمر وأتباعه بأمر أبي بكر على بيت فاطمة (عليها السلام)، بعد يوم واحد على دفن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فضغط عمر باب فاطمة (عليها السلام) على فاطمة (عليها السلام) المتسترة خلف الباب، ودخلوا بيتها عنوة ودون إذنها (1). فاغتالوا فاطمة (عليها السلام) بعد اغتيالهم لأبيها (صلى الله عليه وآله) إذ ماتت بعد فترة وجيزة من ذلك الحادث قال اليعقوبي: إنها عاشت بعد أبيها ثلاثين، أو خمسة وثلاثين يوما، وهذا أقل ما قيل في مدة بقائها بعد أبيها (2). وقول آخر أربعون يوما، وقول ثالث خمسة وسبعون يوما وهو الأشهر. والرابع خمسة وتسعون يوما وهو الأقوى (3). وقال الإمام الصادق: إنها قبضت في جمادي الآخرة يوم الثلاثاء لثلاث خلون منه سنة إحدى عشرة من الهجرة (4). وامتنعت سيدة نساء العالمين من التحدث إلى أبي بكر وعمر وعائشة

(هامش)

(1) أنساب الأشراف 1 / 586، أعلام النساء 4 / 114، مروج الذهب، المسعودي 3 / 77 طبع دار الهجرة. (2) تاريخ اليعقوبي 2 / 115. (3) المصدر السابق. (4) دلائل النبوة، الطبري ص 45. (*)

ص 99

وحفصة من يوم قتل أبوها إلى أن ماتت (1). وتسببت عصبة قريش في مقتل الكثير من الصحابة لاحقا، من أمثال سعد بن عبادة وخالد بن سعيد بن العاص وأبي ذر وعبد الله بن مسعود (2)، دون سبب موجب لذلك، مثل ردة بعد إسلام، وزنا بعد إحصان، وقتل نفس مؤمنة. وبعد اغتيال الحزب القرشي لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وابنته فاطمة (عليها السلام) تقدموا لقتل بقية أهل البيت (عليهم السلام) وحذف السنة النبوية من النواحي التراثية والسياسية والعلمية بقولهم: حسبنا كتاب الله، فمنعوا تدوين السنة النبوية وتفسير القرآن، بينما سمحوا لكعب الأحبار وتميم الداري بالوعظ الديني في مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله) (3). ثم تحرك رجال الحزب القرشي لاغتيال بعضهم البعض في سبيل الاستحواذ على السلطة والاستمرار فيها، فقتلوا أبا بكر وصاحبه عتاب بن

(هامش)

(1) صحيح البخاري، باب فرض الخمس 5 / 177، تاريخ الطبري 3 / 202، الإمامة والسياسة 1 / 14، أعلام النساء 3 / 314، صحيح مسلم ص 1259. (2) أنساب الأشراف، العقد الفريد، ابن عبد ربة 4 / 247، السقيفة والخلافة، عبد الفتاح عبد المقصود ص 13، تاريخ أبي زرعة ص 111، أسد الغابة 1 / 359، تاريخ دمشق، ترجمة أبي ذر، تاريخ أبي الفداء 1 / 333. (3) مجمع الزوائد عن الإمام أحمد ص 190، تاريخ أبي زرعة ص 335 ح 1915، الطبقات، ابن سعد 5 / 140، تاريخ ابن كثير 8 / 107، تاريخ المدينة المنورة، عمر بن شبة 1 / 12. (*)

ص 100

أسيد الأموي، وطبيب العرب ابن كلدة الذي فضح الاغتيال (1). وقتل معاوية أشراف قريش دون استثناء منه لرجال بني أمية. فاغتال في هذا الطريق عبد الرحمن بن أبي بكر وعائشة وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد وسعد بن أبي وقاص والحسن بن علي (عليه السلام)، وزياد بن أبيه (2).

 زوجتا النبي (صلى الله عليه وآله) عائشة وحفصة

 من المستحسن ذكر بعض أعمال عائشة وحفصة للتعرف على شخصيتهما: لقد ذكر البخاري اعتزال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لنسائه (3) أي طلاق النبي (صلى الله عليه وآله) لعائشة وحفصة. وأيد مسلم نزول هذه الآية في تلك الحادثة { عسى ربه طلقكن أن يبدله

(هامش)

(1) اغتيال الخليفة أبي بكر والسيدة عائشة، المؤلف. (2) نظريات الخليفتين، المؤلف 2 / 129 - 151، العقد الفريد، ابن عبد ربه 4 / 247، 250، طبقات ابن سعد 3 / 198، مروج الذهب، المسعودي 2 / 301، 410، السقيفة والخلافة، عبد الفتاح عبد المقصود ص 13، سنن البيهقي 9 / 128، مختصر تاريخ دمشق، ابن عساكر 8 / 26، 24 / 24، الكامل في التاريخ 3 / 204، 353، البداية والنهاية، ابن كثير 8 / 92، 95، تاريخ الطبري، أحداث معركة بدر، تاريخ اليعقوبي 2 / 139، الاستيعاب 2 / 393، الإصابة 3 / 306، مقاتل الطالبيين ص 47، 48، مستدرك الحاكم 3 / 476، أنساب الأشراف، البلاذري 3 / 58 - 60. (3) صحيح البخاري 6 / 70، طبعة دار الفكر - بيروت. (*)

ص 101

أزواجا خيرا منكن، مسلمات مؤمنات } (1). وكان النبي (صلى الله عليه وآله) قد طلق عائشة وحفصة ثم راجعهما (2). مما يبين سوء أخلاقهما معه وعدم حبهما له وإغضابهما له. وكانت حفصة وعائشة قد تظاهرتا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) (3). فنزلت الآية المباركة: { إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه... } (4). وكانت عائشة وحفصة تؤذيان رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى يظل يومه غضبان (5). فقال عمر بن الخطاب لحفصة: لقد علمت أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يحبك (6). واعتراف البخاري بذلك، يعني أن خبر أذاهما لرسول الله (صلى الله عليه وآله) قد انتشر بين الناس وتواتر الخبر. وهما اللتان صورتا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالشيطان نعوذ بالله من ذلك، يوم قالتا لمليكة (زوجته الجديدة): قولي لرسول الله (صلى الله عليه وآله): أعوذ بالله منك، فإنه يحب ذلك.

(هامش)

(1) التحريم: 5، صحيح مسلم 4 / 188، ط. دار الفكر - بيروت. (2) المستدرك، الحاكم 4 / 16 ح 6753، 6754، 2351، 2352 طبع دار الكتب العلمية - بيروت. (3) صحيح البخاري 6 / 69، طبعة دار الفكر - بيروت. (4) التحريم: 66 / 4، 5، تفسير الثعلبي، الآية، تفسير ابن كثير 4 / 634، صحيح البخاري 3 / 136. (5) صحيح البخاري 6 / 69، طبقات ابن سعد، المتوفى سنة 230 ه‍، 8 / 56. (6) صحيح مسلم 4 / 188. (*)

ص 102

فقالت المسكينة ذلك لرسول الله (صلى الله عليه وآله) فطلقها (1). ثم ماتت المسكينة كمدا، وكانت المتعوذة بالله سبحانه من الرسول (صلى الله عليه وآله) بتعليم عائشة وحفصة أكثر من واحدة. وشككت عائشة في نسب إبراهيم ابن الرسول (صلى الله عليه وآله) (2). وخالفت عائشة وحفصة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مرضه وأرادت كل واحدة منهما أن تدعوا أباها لإمامة صلاة الجماعة فقال لهن رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنكن صواحب يوسف (3). وخالفت عائشة قول الله سبحانه وتعالى: { قرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى } (4). وأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الامتناع عن محاربة علي بن أبي طالب (عليه السلام) فحاربته في معركة الجمل، وأرادت حفصة الاشتراك في ذلك فمنعها أخوها عبد الله (5). وكانت زبيدة زوجة هارون الرشيد أفضل من عائشة إذ جاء: لما قتل محمد الأمين دخل إلى السيدة زبيدة أمه بعض خدمها، وقالوا

(هامش)

(1) طبقات ابن سعد 8 / 145، المحبر ص 94 - 95، المستدرك، الحاكم 4 / 37، الاستيعاب 2 / 703، الإصابة 3 / 530 في ترجمة نعمان بن أبي الجون، تاريخ اليعقوبي باب أزواج النبي (صلى الله عليه وآله). (2) المستدرك، الحاكم 4 / 42، طبعة دار الكتب العلمية - بيروت. (3) تاريخ الطبري 2 / 439، سيرة ابن هشام 4 / 301. (4) الأحزاب: 33. (5) شرح نهج البلاغة، المعتزلي 2 / 80، تاريخ الطبري 3 / 477، معجم البلدان 2 / 362، 2 / 78 - 79، الروض المعطار ص 206، تطهير الجنان، ابن حجر، بهامش الصواعق المحرقة ص 108. (*)

ص 103

لها: ما يجلسك وقد قتل أمير المؤمنين؟ فقالت: ويلك ماذا أصنع؟ قال: تخرجين فتطلبين بثأره، كما خرجت عائشة تطلب بدم عثمان. فقالت: اخسأ لا أم لك، ما للنساء وطلب الثأر ومنازلة الرجال؟ ثم أمرت بثيابها فسودت، ولبست مسحا من شعر (1). وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعائشة يوما: أفأخذك شيطانك (2). وقال الرسول (صلى الله عليه وآله) عن دار عائشة: ها هنا الفتنة، ها هنا الفتنة، ها هنا الفتنة ثلاثا من حيث يطلع قرن الشيطان (3). وقال الرسول (صلى الله عليه وآله) لمن سقاه الدواء (السم) في بيت عائشة: إنها من الشيطان (4). واستمرت عائشة في مخالفتها رسول الله (صلى الله عليه وآله) فبينما قال الرسول: الولد للفراش وللعاهر الحجر كتبت عائشة لزياد بن أبيه: زياد بن أبي سفيان! (5) وفرحت عائشة وحفصة بمقتل أمير المؤمنين علي (عليه السلام) (6).

(هامش)

(1) مروج الذهب 2 / 327. (2) مسند أحمد 6 / 221. (3) صحيح البخاري 4 / 46، طبعة دار الفكر - بيروت. (4) البداية والنهاية، ابن كثير 5 / 245. (5) مختصر تاريخ دمشق، ابن عساكر 9 / 78. (6) مقاتل الطالبيين، أبو الفرج الأصفهاني ص 43. (*)

ص 104

وبينما قال الرسول (صلى الله عليه وآله): الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة (1). منعت عائشة مع مروان بن الحكم من دفن الحسن (عليه السلام) مع جده (صلى الله عليه وآله) (2). فتكون عائشة وحفصة قد أغضبتا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وخالفتاه فطلقهما وصورتا خاتم الأنبياء بالشيطان - نعوذ بالله من ذلك -، وكذبتا عليه في الحديث، وتسببت عائشة في قتل أعداد كثيرة من المسلمين بفتواها وبيديها وقيادتها للجيوش. وأمرت في البصرة بقتل سبعين مسلما هم حراس بيت المال هناك للسيطرة على الأموال الموجودة في الخزينة العامة (3). ومن يفعل هذه الأفعال يكون من السهل عليه ارتكاب جريمة أخرى، وهذا ما يؤيد إقدامها على قتل رسول البشرية (صلى الله عليه وآله) لتهيئة الأرضية لحكومة أبيها. ويدعم ذلك الروايات الصحيحة في اشتراكها في قتل رسول الله (صلى الله عليه وآله) (4). ومثلما أغتيل رجال الاغتيال كمحمد بن مسلمة (5)، فقد اغتيلت

(هامش)

(1) الكامل في التاريخ، ابن الأثير 2 / 10، سنن الترمذي 2 / 306، مسند أحمد 3 / 3، 62، 82، الحلية، أبو نعيم 5 / 71، تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي 9 / 231، 232. (2) مختصر تاريخ دمشق، ابن عساكر 7 / 45، تاريخ أبي الفداء 2 / 255، تاريخ اليعقوبي 2 / 225. (3) تاريخ الطبري 3 / 486، 487. (4) تفسير العياشي 1 / 200، البحار، المجلسي 22 / 516، 28 / 21. (5) الإصابة، ابن حجر 3 / 384. (*)

ص 105

عائشة بيد معاوية بن أبي سفيان (1). وأفعال حفصة أيضا تؤيد الروايات الصحيحة في اشتراكها في قتل رسول الله (صلى الله عليه وآله) (2). وبينما تمتعت عائشة وحفصة في ظل خلافة أبويهما بأفضل معيشة دنيوية، في ظل خيرات البلدان المفتوحة، لم تحصل فاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله) إلا على الحزن والحرمان والاغتيال. إذ قالت: صبت علي مصائب لو أنها * صبت على الأيام صرن لياليا (3) وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد هيأها لاستقبال المعضلات والمظالم وهو من علائم النبوة له (صلى الله عليه وآله) إذ قال لها: يا فاطمة اصبري على مرارة الدنيا لنعيم الآخرة غدا، فنزلت الآية الكريمة: { ولسوف يعطيك ربك فترضى } (4).

 من قتل على يد أم المؤمنين؟

 تختلف عائشة عن خديجة اختلافا منهجيا إذ كانت شديدة، وكانت

(هامش)

(1) الصراط المستقيم 3 باب 12 / 46. (2) المصدر السابق. (3) ذكره النابلسي في ثلاثيات مسند أحمد 2 / 489، والديار بكري في تاريخ الخميس 2 / 173، والعلامة ابن سيد الناس في عيون الأثر 2 / 340، والسمهودي في وفاء الوفا 2 / 443، والنبهاني في الأنوار المحمدية ص 593. (4) كنز العمال 12 / 422. (*)

ص 106

تحاول الاستفادة من شدتها في حل القضايا المعضلة عندها. في رواية عن أم سلمة قالت: استيقظ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذات ليلة وهو يقول: لا إله إلا الله ما فتح الليلة من الخزائن؟ لا إله إلا الله ما أنزل الليلة من الفتن؟ من يوقظ صواحب الحجر، يريد به أزواجه... يا رب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة (1). وروى البخاري: قام النبي (صلى الله عليه وآله) خطيبا فأشار نحو مسكن عائشة فقال: ها هنا الفتنة، ها هنا الفتنة، ها هنا الفتنة. من حيث يطلع قرن الشيطان (2).

 حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) هنا عام في الفتنة، وأن منبعها مسكن عائشة، فهل يقصد في ذلك اشتراكها في قتله (صلى الله عليه وآله)، كما جاء في الرواية أم يقصد اشتراكها في دعم مشروع السقيفة واغتصاب الخلافة، أم تحركها الواسع لرفض الثقل الثاني بعد القرآن أي أهل البيت (عليهم السلام)، أم افتعالها معركة الجمل للمطالبة بدم عثمان وهي التي قتلته، أم أنه (صلى الله عليه وآله) يقصد بحديثه المذكور مجموع تلك الفتن وغيرها التي دخلتها أم المؤمنين عائشة. وكانت حفصة وعائشة لهما منزلة مشهودة في الشدة والقسوة في التعامل مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقد نزل في حقهما آيات قرآنية تشهد على ذلك،

(هامش)

(1) صحيح البخاري، كتاب اللباس 4 / 33، صحيح الترمذي (الجامع 4 / 488)، ومسند أحمد (الفتح 32 / 34). (2) فتح الباري في شرح صحيح البخاري 6 / 243 حديث 3104، ط. دار الريان، صحيح البخاري 4 / 92، 174، 5 / 20، 8 / 95، صحيح مسلم 8 / 172، سنن الترمذي 2 / 257. (*)

ص 107

كما ذكرنا في هذا الموضوع إلا أن منزلة عائشة أم المؤمنين كانت أشد بحيث أشار رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى منزلها بأنه دار الفتنة ثلاث مرات. ولم تؤثر طول مدة الرفقة مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) في عائشة والبالغة عقدا من الزمان، إذ بقيت شديدة قاسية لا ترحم من تبغض ولا تتوانى في الدفاع عمن تحب. وكان منطق العربي في الجاهلية كما قال الشاعر: لا يسألون أخاهم حين يندبهم * في النائبات على ما قال برهانا فالجاهلي كان يحب ويبغض طبقا لعصبيته، ويثأر لها بكل السبل المتاحة، ولا يتوانى عن حمل السلاح وطي المسافات الطويلة في سبيل غاياته وغايات قبيلته. طبعا كان ذلك من أعمال وصفات الرجال دون النساء إلا ما شذ وندر، ولقد فعلت أم المؤمنين عائشة ما عجزت عنه النساء في الجاهلية والإسلام. ولما طلبوا من زبيدة زوجة هارون الرشيد الثأر لمقتل ابنها الأمين بيد المأمون كما فعلت عائشة، رفضت ذلك وصدته طاعة لله سبحانه وتعالى. إذ قال تعالى في كتابه الشريف: { وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى... } (1).

(هامش)

(1) الأحزاب: 33. (*)

ص 108

وأشارت المصادر إلى اشتراك أم المؤمنين عائشة في اغتيال رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأصدرت فتوى بقتل عثمان بن عفان وسعت لقتل الخليفة علي بن أبي طالب (عليه السلام) في معركة الجمل. وتسببت في مقتل عشرين ألف مسلم في معركة الجمل. وقتلت رجلا من المسلمين، وفرحت عائشة بمقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وأعلنت السرور وقالت: فألقت عصاها واستقر بها النوى * كما قر عينا بالإياب المسافر وسجدت شكرا لله تعالى (1). وسمت خادمها باسم عبد الرحمن، حبا وكرامة لعبد الرحمن بن ملجم الخارجي، الذي قتل الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام). إذ روي عن مسروق أنه قال: دخلت على عائشة فجلست إليها فحدثتني واستدعت غلاما لها أسود يقال له عبد الرحمن، فجاء حتى وقف، فقالت: يا مسروق أتدري لم سميته عبد الرحمن؟ فقلت: لا. قالت: حبا مني لعبد الرحمن بن ملجم (2). هذا في الوقت الذي روت فيه عائشة في أواخر أيام حياتها في الدنيا أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال:

(هامش)

(1) مقاتل الطالبيين، أبو الفرج الأصفهاني ص 43. (2) كتاب الشافي 4 / 158، الجمل، المفيد ص 84. (*)

ص 109

أنا سيد ولد آدم وعلي سيد العرب (1). أي أنها كانت تعرف ذلك وتكتمه من الناس لمعارضتها الخليفة علي بن أبي طالب (عليه السلام). وقد امتنع الإمام علي (عليه السلام) عن إثارة حفيظتها وإغضابها في أيام خلافته، إذ لبى طلبها في عدم قتل المشاركين لها في حرب الجمل، والمختفين في بيتها في البصرة، ثم أكرمها وأعزها وأرجعها إلى بيتها في المدينة المنورة، بصحبة أخيها محمد بن أبي بكر، احتراما منه لرسول الله (صلى الله عليه وآله). وقد كانت العلاقة بين رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبين زوجتيه عائشة وحفصة غير جيدة لمخالفتهما له، واشتدت حالة الخصام بينهما وبين النبي (صلى الله عليه وآله)، فقال الرسول (صلى الله عليه وآله): إنكن لصويحبات يوسف (2). واستمرت حالة العداوة بينهما وبين رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال الله سبحانه وتعالى: { إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير عسى ربه إن طلقكن } (3). وقد سأل ابن عباس من عمر بن الخطاب عن المقصود بالآية فقال: عائشة وحفصة.

(هامش)

(1) مستدرك الصحيحين، الحاكم 3 / 124، كنز العمال 6 / 400، الرياض النضرة 2 / 177، 193، ذخائر العقبى ص 77، حلية الأولياء 1 / 63، تاريخ بغداد 11 / 89، مجمع الزوائد 9 / 131. (2) تاريخ الطبري 2 / 439، الكامل في التاريخ، ابن الأثير 2 / 322، صحيح البخاري 1 / 172 ب 46، صحيح مسلم 1 / 313، 94، 95، 101، دلائل النبوة، البيهقي 7 / 186. (3) التحريم 66 / 4، 5، صحيح البخاري 3 / 136، وجاء في تفسير الثعلبي وتفسير الكشاف أن صالح المؤمنين هو علي بن أبي طالب (عليه السلام)، الطرائف ص 24. (*)

ص 110

وقد روت عائشة أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد طلب من نسائه أثناء مرضه العلاج في بيتها، إلا أنها كذبت ذلك لاحقا بقولها: ثم رجع إلى بيت ميمونة، فاشتد وجعه (1). وكانت عائشة قد تمارضت عندما شكى رسول الله (صلى الله عليه وآله) من مرضه، إذ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): وارأساه فقالت: وارأساه. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): بل أنا وارأساه. قالت عائشة: فتمنى رسول الله (صلى الله عليه وآله) موتي قائلا: وددت أن ذلك يكون وأنا حي فأصلي عليك وأدفنك (2). وتوجهات عائشة في حياتها تبين شدة طبعها، وخشونة أخلاقها، وحدة ميولها. فلقد طلقت زوجة من زوجات الرسول (صلى الله عليه وآله) بالاحتيال عن طريق دفعها للقول للرسول (صلى الله عليه وآله): أعوذ بالله منك. فقالت أسماء بنت النعمان للنبي (صلى الله عليه وآله): أعوذ بالله منك. فقال: أمن عائذ بالله، الحقي بأهلك (3). ورفعت صوتها على صوت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فضربها أبوها. وكسرت إناء أم سلمة الذي قدمت فيه طعاما لرسول الله (صلى الله عليه وآله) (4).

(هامش)

(1) الطبقات، ابن سعد 2 / 206. (2) الطبقات، ابن سعد 2 / 206. (3) الطبقات، ابن سعد 8 / 145، المحبر ص 94 - 95. (4) صحيح النسائي باب الغيرة 2 / 159. (*)

ص 111

وتحركت عائشة مع جيش من الناكثين لقتل علي (عليه السلام) وصي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، بينما منع عبد الله بن عمر حفصة من الالتحاق بها، وكانت رغبتها في المشاركة في حرب الجمل أكيدة (1). فتسببت عائشة في مقتل عشرين ألف مسلم يشهد شهادة لا إله إلا الله، محمد رسول الله (2). ثم منعت عائشة مع مروان من دفن سبط النبي (صلى الله عليه وآله) الحسن بن علي (عليه السلام) مع جده رسول الله (صلى الله عليه وآله)، بعد أن سمته جعدة بنت الأشعث. ويعجب الإنسان من موقف عائشة من زوجها رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومن وصيه وسبطه! وعن الفتنة قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): سألت ربي ثلاثا فأعطاني ثنتين ومنعني واحدة، سألت ربي أن لا يهلك أمتي بسنة فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرور فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها - وفي رواية - وسألته أن لا يلبسهم شيعا فأبى علي (3). وروى أسامة بن زيد: أشرف النبي (صلى الله عليه وآله) على أطم (4). من أطام المدينة ثم قال:

(هامش)

(1) شرح نهج البلاغة 2 / 80. (2) مروج الذهب، المسعودي 2 / 371. (3) صحيح مسلم، كتاب الفتن 14 / 18، ومسند أحمد (الفتح 23 / 215) وكنز العمال 11 / 121، 11 / 122. (4) الأطم: القصر أو الحصن. (*)

ص 112

هل ترون ما أرى؟ إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر (1).

 مقتل جني بيد زوجة النبي (صلى الله عليه وآله)

 كانت أم المؤمنين عائشة تتوسل بالقوة لحل المعضلات وتضرب بيد من حديد كل من يخالف منهجها وأهدافها كائنا من كان. لذلك تصادمت مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومع علي (عليه السلام) ومع فاطمة (عليها السلام) ومع غيرهم فرحموها استنادا إلى منهجهم في إدارة الأحداث، إذ لم تكن عائشة تتصور بأن عليا (عليه السلام) سيتعامل معها بلطف عال بعد معركة الجمل، رغم سجلها الخطير في معارضة أهل البيت (عليهم السلام) ومحاولاتها في تحطيهم أطروحاتهم. ففي رواية كان جان يطلع على عائشة، فحرجت عليه مرة بعد مرة فأبى إلا أن يظهر، فعدت عليه بحديدة فقتلته. فأتيت في منامها، فقيل لها: أقتلت فلانا وقد شهد بدرا، وكان لا يطلع عليك لا حاسرا ولا متجردة، إلا أنه كان يسمع حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأخذ منها ما تقدم وما تأخر، فذكرت ذلك لأبيها. فقال: تصدقي باثني عشر ألف ديته (2). بعد قراءتنا لهذه الرواية نفهم بأن عائشة قد قتلت شخصا مسلما، قد اشترك في معركة بدر إلى جنب رسول الله (صلى الله عليه وآله).

(هامش)

(1) صحيح البخاري، كتاب الحج 1 / 322، صحيح مسلم 7 / 18. (2) سير أعلام النبلاء، الذهبي 2 / 196، 2 / 198، تذكرة الحفاظ، الذهبي 1 / 29. (*)

ص 113

ولكن يد السياسة قد حرفت الخبر فقد نسخته جانا بعد أن كان أنسيا، إذ لا يعقل قتل عائشة لفرد من الجن بيديها الضعيفتين! وهل يمكن قتل الجان؟ وكان الحزب القرشي قد تعود منذ الجاهلية على القاء مسؤولية الأحداث على الجن، للهروب من تبعات الأمور ومخاطرها. فقد قتل كفار قريش طالب بن أبي طالب في معركة بدر لمخالفته المشاركة في قتال رسول الله (صلى الله عليه وآله). ولما خافوا عشيرته ادعوا اختطاف الجن له! (1) ولما قتل محمد بن مسلمة (مأمور عمر الخاص) سعد بن عبادة في الشام سارعت السلطة لاتهام الجن بذلك. وأقدمت عائشة على تسطير شعر تأييدا لذلك! (2) والسؤال المفروض هو: من هو الصحابي الذي قتلته عائشة بيديها؟ لقد كان منزل عائشة بجانب المسجد النبوي والحادثة وقعت في ذلك المكان، والمسلمون يزورون المسجد النبوي للصلاة فيه ليلا ونهارا، لكننا لا نعلم هوية الصحابي المقتول! وقد يكون الحباب بن المنذر المعارض لأبيها الذي مات في ظروف مشكوكة في ذلك التاريخ. ورغم تصدقها عن دية الصحابي المقتول لكنها لم تتصدق عمن

(هامش)

(1) السيرة الحلبية 1 / 268 طبع دار إحياء التراث العربي. (2) تاريخ الإسلام، الذهبي 3 / 149، أنساب الأشراف، البلاذري، العقد الفريد، ابن عبد ربه 4 / 247. (*)

ص 114

تسببت في قتلتهم في معركة الجمل، وكان المغيرة بن شعبة قد قال لها: أنت قتلت عثمان (1).

 النبي (صلى الله عليه وآله) يتمنى موت زوجته السريع

 قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن منزل عائشة: ها هنا الفتنة، ها هنا الفتنة من حيث يطلع قرن الشيطان (2). وجاء في رواية عن عائشة قولها: دخل علي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يصدع، وأنا أشتكي رأسي فقلت وا رأساه، فقال: بل أنا والله يا عائشة وارأساه. ثم قال: وما عليك لو مت قبلي فوليت أمرك، وصليت عليك وواريتك؟ فقلت: والله إني لأحسب لو كان ذلك لقد خلوت ببعض نسائك في بيتي من آخر النهار، فضحك رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثم تمادى به وجعه فاستعز به (3). وفي رواية أخرى عن القاسم بن محمد عن عائشة: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ذاك (موتك) لو كان وأنا حي فأستغفر لك وأدعو لك. فقالت: وا ثكلياه! والله إني لأظنك تحب موتي، ولو كان ذلك لظللت

(هامش)

(1) العقد الفريد، ابن عبد ربه الأندلسي 4 / 277. (2) صحيح البخاري، كتاب اللباس 4 / 33. (3) السيرة النبوية، ابن كثير الدمشقي 4 / 446، البداية والنهاية، ابن كثير 5 / 244. (*)

ص 115

آخر يومك معرسا ببعض أزواجك (1). لقد أدركت وعرفت عائشة من قول الرسول (صلى الله عليه وآله) المذكور حبه لموتها العاجل والسريع فدهشت وصرخت. ولقد تمنى النبي (صلى الله عليه وآله) موتها لمعرفته بالفتن التي ستخوضها من بعده والفتن التي تصنعها. ولم تصغ عائشة لقوله ولم تتمن ما تمناه لها، بل رفضت عرضه ودعاءه وأمنيته. وشككت في نواياه (صلى الله عليه وآله) فجعلتها نوايا دنيوية هدفها الرغبة في الزواج بنساء أخر وفي غرفتها! وكان الأجدر بها أن توافق على رغبته (صلى الله عليه وآله) لتنال شفاعته في الآخرة ودعاءه بالمغفرة في الدنيا.

حقائق غيرت

 لقد غير الرواة الأمويون والقصاصون كلما استطاعوا عليه ومن ذلك لون الصحابة واصلهم وعبوديتهم. فقد كان عمر بن الخطاب عبدا حبشيا من عبيد الوليد بن المغيرة المخزومي فجعلوه حرا ومن ولد إسماعيل (عليه السلام) وأبيض اللون!! وهذه الزيف المتعمد يفقد القارئ الثقة بأولئك الكتاب والرواة. وكانت صهاك جدة عمر زنجية وكان نفيل زنجيا من الحبشة، وكانا من

(هامش)

(1) صحيح البخاري، كتاب الأحكام رقم 5 ج 9 / 190. (*)

ص 116

عبيد عبد المطلب بن هاشم، وكانت حنتمة أم عمر ممن عثر عليها هشام بن المغيرة المخزومي ورباها (1). وجاء بأن عمر بن الخطاب كان عسيفا (عبدا) للوليد بن المغيرة المخزومي (2). وقال ابن حجر العسقلاني عن عمر بن الخطاب: كان أعسر يسرا طويلا آدم شديد الأدمة (3). وقال سفيان الثوري: كان عمر رجلا آدم (4). لكن أتباع الخط القرشي الكارهين للون الأسود قالوا: كان عمر أبيض (5). لكن الواقدي أقر بزنجيته قائلا: إن سمرته إنما جاءت من أكل الزيت عام الرمادة (6). فأراد الواقدي أن يبعد أصله الحبشي الزنجي عن أذهان الناس، لكن الواقدي لم يعذر بلال الحبشي بأنه أصبح أسود اللون من أكله الزيت في عام الرمادة!

(هامش)

(1) راجع شرح نهج البلاغة، المعتزلي 3 / 102، تهذيب اللغة 8 / 122، تاج العروس، الزبيدي 13 / 188، النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير 3 / 338، مثالب العرب، الكلبي ص 103. (2) أقرب الموارد، مادة عسف. (3) تهذيب التهذيب، ابن حجر 7 / 386. (4) المصدر السابق. (5) المصدر السابق. (6) المصدر السابق. (*)

ص 117

وكان أبو بكر وأبوه أبو قحافة من العبيد، وكان اسمه عتيق لأنه أعتق من العبودية. وكان أسود اللون إذ ذكروه في جملة السودان فقال ابن الجوزي في كتاب عيون الأثر: بأن السودان: أسامة بن زيد وأبو بكر وسالم مولى أبي حذيفة وبلال بن رباح (1). وسمي عتيق لأنه أعتق من العبودية، فجاء: قال جبير بن مطعم بن عدي لعبده وحشي: إن أنت قتلت حمزة عم محمد بعمي طعيمة بن عدي فأنت عتيق (2)، فعتيق هو كل من يعتق. وكان أولاد أبي قحافة هم: عتيق وعتيق ومعتق، وهذه أسماء المعتقين من العبودية. وقال الشاعر عمير بن الإلب الضبي عن حربه مع عائشة مع معركة الجمل: أطعنا بني تيم بن مرة شقوة * وهل تيم إلا أعبد وإماء (3) لذلك قال أبو سفيان عن حكم أبي بكر: ما بال هذا الأمر في أقل قريش مكانة وأذلها ذلة (4).

(هامش)

(1) سورة الضحى: 5، عيون الأثر، ابن سيد الناس ص 449، وقد حذف الناشرون ذلك في الطبعات الجديدة. (2) السيرة الحلبية، الحلبي 2 / 217. (3) تاريخ الطبري 3 / 531. (4) أخرجه الحاكم وصححه الذهبي، تاريخ الخلفاء، السيوطي ص 66. (*)

ص 118

وقال عمر: والهفاه على ضئيل بني تيم (1). وكان أبو قحافة من عبيد عبد الله بن جدعان التيمي وعمله النداء على طعام ابن جدعان، فجاء في حق ابن جدعان من الشعر: له داع بمكة مشمعل * وآخر فوق دارته ينادي فالمشمعل هو سفيان بن عبد الأسد والآخر هو أبو قحافة والاثنان من عبيد عبد الله بن جدعان، قال هشام بن الكلبي: كانت أم سفيان بن عبد الأسد أمة لابن جدعان (2). وكان ابن جدعان أكبر تاجر للعبيد والإماء في مكة وصاحب أكبر دار لتوليد وبيع الأطفال، إذ كان يملك العشرات من الإماء اللواتي يعرضهن على الرجال فيحملن منهم ثم يبيع الأطفال من آبائهم أو من الغرباء (3). وبعد ذكرنا لتلك النصوص نفهم بأن أبا بكر كان من العبيد السود، والعبيد السود جاءوا إلى مكة من الحبشة، ولأنه أعتق في بني تيم فقد أصبح أبو بكر التيمي. وغير رجال البلاط وأتباع الهوى لونه فأصبح أبو بكر أبيض وعربي وهو أسود وحبشي. متناسين نظرة الإسلام إلى اللون والقومية في عدم الفرق عنده!

(هامش)

(1) شرح النهج، المعتزلي 2 / 31 - 34. (2) مثالب العرب، هشام بن الكلبي ص 139، طبعة دار الهدى للتراث - بيروت، معجم البلدان، الحموي 2 / 424، 5 / 185، السيرة النبوية، ابن كثير 1 / 117. (3) المصدر السابق. (*)

ص 119

بقوله تعالى: { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } (1) ولم يقل أبيضكم وقريشيكم. وكان لقمان الحكيم من السودان (2). وكانت عائشة أيضا سوداء اللون مثل أبيها، لكن الرواة المنصفون! جعلوها بيضاء اللون بل شقراء! جاء في مصنفات الشيخ المفيد (3): وفي تاريخ يحيى بن معين 3 / 509 قال: سمعت يحيى يقول: قال عباد: قلنا لسهيل بن ذكوان: هل رأيت عائشة أم المؤمنين؟ قال: نعم قلنا: صفها قال: كانت سوداء (4). وقال ابن حجر العسقلاني: إنها كانت أدماء (أي سوداء) (5). وقال البخاري صاحب كتاب صحيح البخاري أيضا عن سهيل بن

(هامش)

(1) الحجرات: 13. (2) أعلام النبلاء، الذهبي 1 / 355. (3) مصنفات الشيخ المفيد 1 / 369 في الحاشية. (4) مصنفات الشيخ المفيد 1 / 369، تاريخ يحيى بن معين 3 / 509. (5) لسان الميزان، ابن حجر العسقلاني 3 / 124، 3 / 125، 4 / 125 طبعة مجلس دائرة المعارف النظامية في الهند. (*)

ص 120

ذكوان قوله: كانت أدماء (1). وجاء في كتاب المجروحين: حدثتنا عائشة وكانت سوداء (2). وقال ابن حجر العسقلاني: بوجهها أثر جدري (3). فتكون عائشة سوداء في وجهها أثر جدري. وسميت بالحميراء في حديث الحوأب لأنها كانت سوداء مشربة بالحمرة، مثلما جاء في وصف الشريان: هو شجر عضاه الجبال تعمل منه القسي، وقوسه جيدة سوداء مشربة بالحمرة (4). وسمي الهنود السود في قارة أمريكا الشمالية بالهنود الحمر. ويتأسف المسلم للتغيرات الحاصلة في كتب السيرة والحديث بحيث تصبح السوداء شقراء ويصبح الكذاب موثق وبالعكس. ولأن بلال الحبشي الأسود من المعارضين للنظام فقد أبقوه على صفته أسود وحبشي، بينما أصبح الآخرون من البيض والعرب! وعن رحلة أبي بكر مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى غار حراء جاء: أخرج الشيخ ابن الصباغ المالكي وهو من أعاظم علماء المالكية في كتاب النور والبرهان عن حسان بن ثابت أنه قال: ذهبت إلى مكة للعمرة قبل هجرة النبي (صلى الله عليه وآله) فرأيت قريشا يسبون

(هامش)

(1) التاريخ الكبير، البخاري 4 / 104. (2) المجروحين، محمد بن حبان التميمي 1 / 353، ميزان الاعتدال، شمس الدين الذهبي 2 / 242، 243. (3) لسان الميزان، ابن حجر العسقلاني 4 / 136، طبعة حيدر آباد - الهند. (4) تاريخ المدينة المنورة، ابن شبة 4 / 1232. (*)

ص 121

أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)،... عليا فنام في فراشه (1)، وخشى من ابن أبي قحافة أن يدلهم عليه، فأخذه معه (2). وقالت فاطمة (عليها السلام) سيدة نساء العالمين لأبي بكر الآمر بالحملة على بيتها: والله لأدعون الله عليك في كل صلاة أصليها (3). وكان النبي (صلى الله عليه وآله) قد قال: فاطمة بضعة مني من آذاها فقد آذى الله تعالى، ومن أغضبها فقد أغضب الله تعالى (4). ولأن أبا بكر الحاكم الأول للمسلمين فقد حوله الأمويين إلى أبيض وعربي، وأول من أسلم، وأقرب رجل للنبي (صلى الله عليه وآله)، وجعلوا عائشة أقرب امرأة للنبي (صلى الله عليه وآله)!، ولأن عمر أصبح الحاكم الثاني، فقد منحوه مرتبة المقرب الثاني عند النبي (صلى الله عليه وآله) وهكذا!!

أحاديث المناقب

 قد يندهش القارئ من أمرين: الأول: صحة ما جاء في هذا الكتاب. والثاني: كثرة أحاديث المناقب في حق قتلة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فنقول:

(هامش)

(1) في الأصل المطبوع بكراچي جاء ذلك، والصحيح: فنام علي (عليه السلام) على فراشه . (2) كتاب النور والبرهان، ابن الصباغ المالكي. (3) الإمامة والسياسة، ابن قتيبة 2 / 20، طبعة مؤسسة الحلبي، مصر. (4) المستدرك على الصحيحين 3 / 167 ح 4730، أسد الغابة 7 / 224. (*)

ص 122

إن أحاديث المناقب الموجودة في كتب الحديث والسيرة لمدح أفراد الحزب القرشي ليس لها أصل، بل وضعها الأمويون لصالح رفاقهم وكرها لأهل البيت (عليهم السلام). إذ قال ابن أبي الحديد: فظهر حديث كثير موضوع وبهتان منتشر (1). وقال الجاحظ والسيوطي بأن الأحاديث الواردة في مدح أبي بكر من الموضوعات (2). وكتب معاوية بن أبي سفيان إلى الأمصار لتدوين الأحاديث الموضوعة في فضل عثمان بن عفان قائلا: أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه وأهل بيته، والذين يروون فضائله ومناقبه فادنوا مجالسهم وقربوهم وأكرموهم . ثم كتب معاوية إلى عماله أن الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كل مصر وفي كل وجه وناحية فإذا جاءكم كتابي هذا فادعو الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأولين، ولا تتركوا خبرا من المسلمين في أبي تراب إلا وائتوني بمناقض له في الصحابة، فإن هذا أحب إلي وأقر لعيني، وادحض لحجة أبي تراب وشيعته، وأشد عليهم من مناقب عثمان (3). فكثرت الأحاديث الموضوعة في فضل أبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية وغيرهم من أفراد الحزب القرشي حسدا لأهل البيت (عليهم السلام).

(هامش)

(1) شرح النهج، المعتزلي 3 / 15. (2) العثمانية، الجاحظ، المتوفى سنة 255 ه‍، ص 23، اللآلئ، السيوطي 1 / 286 - 304. (3) النصائح الكافية ص 72، 73 عن المدائني. (*)

 

الصفحة السابقة الصفحة التالية

اغتيال النبي (ص)

فهرسة الكتاب

فهرس الكتب