أضواء على الصحيحين

الصفحة السابقة الصفحة التالية

أضواء على الصحيحين

فهرسة الكتاب

فهرس الكتب

ص 255

وما تخريجه لهذه الأحاديث إلا أن تكون مقدمة لتحريف المفهوم الحقيقي للحديث المشهور لدى جميع المسلمين - والذي هو بمثابة وصمة عار على جبين معاوية -، فعلى هذا فإن لعن النبي (صلى الله عليه وآله) إياه هو وسيلة تقربه إلى الله وكفارة لجرائمه وأجرا لجناياته. 2 - أورد ابن حجر - في كتابه تطهير الجنان - الذي ألفه في فضائل معاوية عند تأويله للحديث (لا أشبع الله بطنه) إجابات عديدة ثم قال: إن هذا الدعاء جرى على لسانه (صلى الله عليه وآله) من غير قصد، وقد أشار مسلم في صحيحه إلى أن معاوية لم يكن مستحقا لهذا الدعاء، وذلك لأنه أدخل هذا الحديث في باب من سبه النبي (صلى الله عليه وآله) أودعا عليه وليس هو أهلا لذلك كان زكاة وأجرا ورحمة (1). 3 - قال الحافظ الذهبي في تذكرته في ترجمة النسائي صاحب السنن: قيل له: ألا تخرج فضائل معاوية؟ فقال: أي شيء أخرج حديث (اللهم لا تشبع بطنه)؟ فسكت السائل. قال الذهبي: هذا الحديث أورده النسائي ذما لمعاوية. أقول: لعل هذه منقبة لمعاوية لقول النبي (صلى الله عليه وآله): اللهم من لعنته أو شتمته فاجعل ذلك له زكاة ورحمة (2). 4 - أخرج ابن حجر روايات عديدة بأسانيد وطرق مختلفة نقلها من كتب ومصادر أهل السنة حول لعن النبي الحكم بن العاص وابنه مروان ثم يقول: لعنته (صلى الله عليه وآله) الحكم وابنه - مروان - لا تضرهما لأنه (صلى الله عليه وآله) تدارك ذلك بقوله مما بينه في الحديث الآخر: إنه بشر يغضب كما يغضب البشر، وأنه سأل ربه أن من سبه أو لعنه أو دعا عليه أن يكون ذلك رحمة وزكاة وكفارة وطهارة له (3). أقول: ترى في مقولة ابن حجر - الذي عرف بتأثره بالعصبية، والذي آثر رجلين

(هامش)

(1) تطهير الجنان بذيل الصواعق المحرقة: 29. (2) تذكرة الحفاظ 2: 699 ترجمة النسائي رقم الترجمة 719. (3) تطهير الجنان بذيل الصواعق المحرقة: 65. (*)

ص 256

حقيرين وذليلين مثل مروان وأبيه الحكم على النبي (صلى الله عليه وآله) وانتصر لهما ودافع عنهما - نوعا من التحجيم والتصغير لمرتبة النبوة، وتصوير النبي (صلى الله عليه وآله) بأنه كسائر البشر العاديين. وتشاهد أن بين هذا الكلام الذي تقوله ابن حجر وبين النصوص القرآنية التي تقول: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) (1) تفاوت كبير وتعارض واضح. نعم، رسول الله (صلى الله عليه وآله) بشر ولكن يمتاز عليهم بما يوحى إليه، قال تعالى: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي) (2). إذن فإذا أوحى الله عز وجل إلى النبي (صلى الله عليه وآله) أن يلعن أحدا فإنه يلعن بأمر من الله عز وجل. وعليه، فمن يلعن على لسان النبي (صلى الله عليه وآله) فلا يغنيه دفاع أحد عنه شيئا، وانتصار الآخرين له. 5 - نهي الرسول (صلى الله عليه وآله) عن تلقيح النخيل: روى مسلم في صحيحه، وابن ماجة في سننه، ثلاث أحاديث تتضمن: أن النبي (صلى الله عليه وآله) مر بقوم يلقحون النخيل فقال: لو لم تفعلوا لصلح. قال ثابت بن أنس: فخرج شيصا، فمر (صلى الله عليه وآله) بهم. فقال (صلى الله عليه وآله): ما لنخلكم؟ قالوا: قلت كذا وكذا. قال (صلى الله عليه وآله): أنتم أعلم بأمور دنياكم (3). وفي حديث آخر قال: إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر (4). وفي ثالث قال: أنتم أعلم بأمور دنياكم (5).

(هامش)

(1) النجم: 4. (2) الكهف: 110، فصلت: 6. (3 - 5) صحيح مسلم 4: 1836 كتاب الفضائل باب (38) باب وجوب امتثال ما قاله شرعا دون ما ذكره (صلى الله عليه وآله) من معايش الدنيا على سبيل الرأي ح 139 - 141، سنن ابن ماجة 2: 825 كتاب الرهون باب (15) باب تلقيح النخل ح 2470 - 2471. (*)

ص 257

دلائل اختلاق القصة: إن كون هذا الحديث من السخافات الموضوعة هو من أوضح الواضحات، بحيث يغنينا عن البحث والتكلف في جهات الحديث، لأن إحدى الروايات تقول: إن القصة وقعت في المدينة، فيا ترى أن نبيا عاش في الجزيرة العربية خمسين عاما وعاشر أهلها، ويراهم يلقحون النخيل في كل عام، هل يعقل بمجرد أن هاجر إلى يثرب نسي هذا الأمر - التلقيح -؟ ولم يعلم مدى تأثير التلقيح على النخلة ورشدها حتى منع أهل يثرب عن هذا العمل، ولما رأى أن المسألة صارت معكوسة ندم على قوله، ثم أعلن للناس أنتم أعلم بأمور دنياكم؟ لا يخفى أن الغاية من جعل هذا الحديث هي فتح باب المخالفة للنبي (صلى الله عليه وآله) بحيث لو أراد الخلفاء وأصحاب السلطة يوما أن يحكموا على خلاف تعاليم النبي (صلى الله عليه وآله) وينقضوا أوامره، فهم يملكون دليلا، ويستدلون على مخالفتهم بأن النبي قد ارتكب خطأ في مسألة تلقيح النخيل وبعدها قال: أنتم أعلم بأمور دنياكم. ومما يجدر ذكره أن هؤلاء عالجوا هذه المسألة بتلبيسها الوجهة العلمية والفنية واسموها بالاجتهاد، وادعوا بأن الرسول إذا أمر بحكم ولم يكن هذا الحكم في القرآن ولا علاقة له بالوحي فإنه يكون من اجتهاداته (صلى الله عليه وآله). ومخالفة المجتهدين بعضهم بعضا في المسائل العلمية أمر عادي ولا يرد عليه إشكال. وإليك آراء علماء العامة في هذا الموضوع: هل كان الرسول (صلى الله عليه وآله) يتعبد بالاجتهاد؟ قال الآمدي: اختلفوا في أن النبي هل كان متعبدا بالاجتهاد فيما لا نص قرآني فيه؟ فقال أحمد بن حنبل والقاضي أبو يوسف: إنه كان متعبدا، وجوز ذلك الإمام الشافعي في رسالته، وبه قال أصحابه والقاضي عبد الجبار وأبو الحسين البصري: نعم،

ص 258

كان النبي يتعبد باجتهاده فيما لا نص صريح من القرآن فيه. ثم يقول الآمدي: المختار عندنا جواز ذلك عقلا ووقوعه سماعا (1). ثم يضيف: إن القائلين بجواز الاجتهاد للنبي (صلى الله عليه وآله) اختلفوا فيما هل يمكن أن يخطأ النبي في اجتهاده أم لا؟ فذهب بعض أصحابنا إلى منع وقوع الخطأ في اجتهاداته، وذهب أكثر أصحابنا والحنابلة وأصحاب الحديث والجبائي وجماعة من المعتزلة إلى جواز ذلك (2). وقال الدكتور موسى توانا (3) في كتابه الاجتهاد ومدى حاجتنا إليه في هذا العصر: بدء الاجتهاد في الإسلام منذ عهد رسول الله، فقد كان النبي (صلى الله عليه وآله) يجتهد في الأمور التي لا تتعلق بالرسالة. ثم يذكر قصة التلقيح دليلا على ما ذهب إليه. قال الشيخ محمد عبدة: وقد كان الإذن المعاتب عليه اجتهاد منه (صلى الله عليه وآله) فيما لا نص فيه من الوحي، وهو جائز وواقع من الأنبياء (عليهم السلام)، وليسوا بمعصومين من الخطأ فيه، وإنما العصمة المتفق عليها خاصة بتبليغ الوحي ببيانه والعمل به.... ويؤيده حديث طلحة في تأبير النخل إذ رآهم يلقحونها (4). وقال المحقق المتكلم الفاضل القوشجي عند ذكره مسألة تحريم عمر للمتعة ومخالفته لحكم رسول الله فيها: وأجيب عن ذلك: بأن ذلك ليس مما يوجب قدحا فيه - أي عمر - فإن مخالفة المجتهد لغيره في المسائل الاجتهادية ليس ببدع (5).

(هامش)

(1) الإحكام في أصول الأحكام 4: 398 المسألة الأولى. (2) المصدر السابق ص 440 المسألة الحادية عشر. (3) وهو من علماء العامة ومن الأساتذة الأفغان وكتابه المذكور هو رسالته الجامعية طبع من قبل جامعة الأزهر بمصر. (4) تفسير المنار 10: 465 - 466. (5) شرح تجريد الاعتقاد للقوشجي: 384 فصل الإمامة. (*)

ص 259

وقال قاضي القضاة في المغني: إن الرسول (صلى الله عليه وآله) إنما يأمر بما يتعلق بمصالح الدنيا من الحروب ونحوها عن اجتهاده، وليس بواجب أن يكون ذلك عن وحي، كما يجب في الأحكام الشرعية، وإن اجتهاده يجوز أن يخالف بعد وفاته، وإن لم يجز في حياته لأن اجتهاده في الحياة أولى من اجتهاد غيره. ثم ذكر: أن العلة في احتباس عمر عن الجيش حاجة أبي بكر إليه، وقيامه بما لا يقوم به غيره. وأن ذلك أحوط للدين من نفوذه (1). أقول: ذكرنا في فصل هل الرسول كان يجتهد (2)؟ وأثبتنا عدم تعبد النبي (صلى الله عليه وآله) بالاجتهاد واستدللنا على ذلك بالآيات المتظافرة، ونقلنا آراء بعض علماء أهل السنة من المحدثين والمفسرين الذين ذهبوا إلى ما قلناه بعدم التعبد بالاجتهاد، وأن هناك نوعا آخر من الوحي غير الوحي القرآني فكلامه كله وحي إلهي. فعلى هذا فلو حكم النبي (صلى الله عليه وآله) بحكم لم يرد نصه في القرآن الكريم لم يكن دليلا على عدم وجود الوحي في الحكم، بل حكمه وحي من النوع الثاني القرآني. وعلى هذا فكما أن أساس قصة تأبير النخل فاقدة الصحة فكذلك عقيدة أولئك العلماء من أهل السنة الذين نسبوا إلى رسول الله التعبد بالاجتهاد وجواز الخطأ في اجتهاده تكون باطلة ومردودة، وإن التمسك بقصة تأبير النخل ذريعة ودليلا لعقيدتهم ليست لها قيمة علمية، كما أن عدم وجود حكم واضح في القرآن ليس دليل على عدم وجود الوحي والحكم الإلهي في المسألة. وأما ما ذكره الفاضل القوشجي عن مقولة الخليفة الثاني عمر بن الخطاب في تحريمه للمتعتين واعتبر مخالفته للرسول مخالفة في مسألة اجتهادية فهو مردود ومرفوض أيضا، ولم يقبله أي محقق لبيب، لأن هذا القول هو قياس مع الفارق ولا يوجد

(هامش)

(1) شرح نهج البلاغة 17: 176. (2) راجع ص: 207. (*)

ص 260

من يقيس الرسول ويقارنه بأحد أفراد هذه الأمة، وقول النبي (صلى الله عليه وآله) هو نفس الحكم الثابت في اللوح المحفوظ: (إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى) (1) أليس الاجتهاد هو رد الفروع على الأصول والاستفادة من الأدلة الظنية عن طريق استنباط الحكم الواقعي؟ فهل يبقى للمقايسة بين النبي (صلى الله عليه وآله) وغيره محل؟ فأين الثرى وأين الثريا؟ وأما ما ادعوه من جواز الاختلاف في الاجتهاد فهذا صحيح إذا اختلف مجتهدان ووقع اجتهاد أحدهما في مقابل اجتهاد الآخر وأما أن يجتهد أحد في مقابل نص الرسول والوحي والقانون الإلهي فهذا ليس باجتهاد وسميه بما تشاء.

 6 - النبي (صلى الله عليه وآله) يعاقب من دون ذنب هذا الحديث هو الآخر من الأحاديث الموضوعة والمختلقة على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فهو مروي في كتب العامة كالصحيحين وغيرهما بأسانيد ونصوص مختلفة، ويحكي لنا هذا الحديث قصة نسبت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ودلست عليه بأنه عاقب - في اللحظات الأخيرة من عمره - أناسا أبرياء عقابا ملؤه السخرية والهزل. والقصة اشتهرت بحديث اللدود، وخلاصتها: أنه اشتد المرض بالرسول (صلى الله عليه وآله) في آواخر حياته حتى أغمي عليه وغشي، فتشاورن زوجاته وأصحابه أن يصنعوا له دواء - وهو عجينة مرة تعطى لمن أصيب بداء ذات الجنب - فأعطوه وهو مغمى عليه، فلما أفاق وشعر بمرارة الدواء، حلف يمينا بأن يصب الدواء في فم كل من هو حاضر في المجلس عدا عمه العباس. فأعطوا الحاضرون حتى جاء دور زوجاته، فكانت ميمونة ذاك اليوم صائمة فأصرت على كونها صائمة، ولكن الرسول (صلى الله عليه وآله) لم يلتفت إلى قولها وأكد إعطاءها الدواء عملا ووفاءا باليمين. وهذه القصة أخرجها الشيخان في الصحيحين مختصرة ومجملة عن عائشة أنها

(هامش)

(1) النجم: 4 - 5. (*)

ص 261

قالت: لددناه في مرضه فجعل يشير إلينا: أن لا تلدوني، فقلنا: كراهية المريض للدواء، فلما أفاق قال: ألم أنهكم أن تلدوني؟ قلنا: كراهية المريض للدواء، فقال: لا يبقى أحد في البيت إلا لد وأنا أنظر إلا العباس فإنه لم يشهدكم (1). تحقيق حول الحديث: لما كانت دراسة جميع الأحاديث التي رويت بشأن حديث اللدود على ما احتوت من التفصيل والتطويل سواءا من حيث النص أو السند، خارج عما نحن عليه في هذا الكتاب من الأجمال وعدم الأطناب. لذا اقتصرنا على تبيين نصوص هذه الأحاديث والألفاظ الغريبة التي تتضمنها مع الإشارة إلى المصادر: أولا: أول ما يتبادر إلى الذهن ويثبت اختلاقية هذه الأحاديث وكذبها هو التضاد والتناقض بين ألفاظها، ونشير هنا فقط إلى ثلاثة موارد من هذه التناقضات: 1 - متى أحس النبي (صلى الله عليه وآله) باللد؟ فأكثر الأحاديث صريحة بأنه لما أفاق من غشوته على أثر مرارة الدواء عرف بأنه قد لد... (أفاق فعرف أنه قد لد ووجد أثر اللدود (2). ولكن حسب مضمون الحديث الذي ذكرناه في بداية هذا الفصل والمروي في الصحيحين عن عائشة بأن الرسول عرف بأنه يلد قبل أن يعطى الدواء ولذلك أشار بيده أن يمتنعوا من ذلك. (فجعل يشير إلينا أن لا تلدوني.... فلما أفاق قال: ألم أنهكم أن تلدوني؟). 2 - موقف العباس في القصة: حسب ما يتضمنه الحديث الذي رواه الترمذي

(هامش)

(1) صحيح البخاري 6: 17 باب كتاب النبي (صلى الله عليه وآله) إلى كسرى وقيصر باب مرض النبي (صلى الله عليه وآله) ووفاته، ج 7: 164 كتاب الطب باب اللدود، ج 9: 10 كتاب الديات باب إذا أصاب قوم من رجل هل يعاقب منهم كلهم، صحيح مسلم 4: 1733 كتاب السلام باب (27) باب كراهة التداوي باللدود ح 85. (2) مسند الإمام أحمد بن حنبل 6: 118. (*)

ص 262

وغيره من علماء العامة بأن العباس عم النبي كان ممن صب الدواء بفم النبي (صلى الله عليه وآله) لده العباس وأصحابه (1). ويروي ابن أبي الحديد عن عائشة أنها قالت: أغمي على رسول الله (صلى الله عليه وآله) والدار مملوءة من النساء، وعندنا عمه العباس بن عبد المطلب فأجمعوا على أن يلدوه فقال العباس: لا ألده، فلدوه (2). ولكن مضمون رواية الصحيحين يفيد بأن العباس لم يكن حاضرا وبعد أن لد النبي (صلى الله عليه وآله) دخل المجلس (إلا العباس فإنه لم يشهدكم). 3 - من الذي شملته العقوبة: حسب ما نقله الإمام أحمد بأن بعض الصحابة كانوا في المجلس فلدوا حتى جاء دور زوجات النبي (صلى الله عليه وآله) (3). ولكن هذا الإمام أحمد نفسه يروي حديثا آخر بأنه لم يكن في المجلس ذاك اليوم سوى زوجات النبي ولم يلد غيرهن. عن العباس أنه دخل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعنده زوجاته فاستترن منه إلا ميمونة، فقال: لا يبقى في البيت أحد شهد اللد إلا لد (4). فهل يمكن تصور الانسجام بين هذا الحكم ومنزلة النبوة؟ أضف إلى ما في نصوص الأحاديث من التناقضات الثلاث التي ذكرناها، هذا السؤال الذي يطرح على أصل القصة، وأنه هل أن صدور مثل هذا الأمر والحكم من رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتناسب مع منزلة الرسالة والنبوة وشخصية النبي (صلى الله عليه وآله)؟ فظاهر مضامين الأحاديث وصريح منطوق بعضها يدل على أن هذا الأمر المؤكد واليمين على لد كل

(هامش)

(1) سنن الترمذي 4: 342 كتاب الطب باب 12 باب ما جاء في الحجامة ح 2053، الفائق للزمخشري 3: 313. (2) شرح نهج البلاغة 13: 31. (3) مسند الإمام أحمد بن حنبل 6: 118. (4) مسند الإمام أحمد بن حنبل 1: 209. (*)

ص 263

الحاضرين في المجلس والدار هو رد وجزاء للعمل بمثله. لقسم رسول الله (صلى الله عليه وآله) عقوبة لهم بما صنعوا (1) ويرد على هذا: أولا: كما أشرنا إليه آنفا ودلت عليه مضامين بعض الأحاديث أن النبي (صلى الله عليه وآله) عرف موضوع اللد بعد أن أفاق، فعلى هذا فلم يكن نهي قبل ارتكابهم هذا العمل حتى تتحقق المخالفة ويجزون عقابا على ارتكابه. ثانيا: وعلى فرض قبول الحديث بأن الرسول (صلى الله عليه وآله) كان عالما بأنه يلد فأشار إليهم ناهيا إياهم بأن يمتنعوا من ذلك، فعملهم ليس بذنب حتى يعاقبون عليه، ويحق له أن يعاقبهم على مخالفتهم له، لأن هذه المخالفة مبتنية على اعتقادهم بكراهية المريض للدواء وهذه الكراهية للدواء هو دأب كل مريض. وثالثا: لو سلمنا أن الحاضرين في البيت أجمعوا جميعهم على اللد، ولكن المباشر في إعطاء الدواء للرسول (صلى الله عليه وآله) هو واحد لا الجميع لماذا عاقب النبي الجميع بفعل واحد أو اثنين منهم؟ والقرآن صريح في قوله: (لا تزر وازرة وزر أخرى) (2)، وهذا النوع من الحكم يشبه الحكم بقصاص أناس رضوا بالقتل، فهل من عاقل تسمح له نفسه أن يعاقب من عمل بواجبه الشرعي والإنساني تجاهه، فأحسن إليه وأنقذه من الموت؟ فالجواب حتما لا، فكيف بسيد الأنبياء وخاتم المرسلين الذي وصفه ابن حجر: بأنه ما اقتص ولا انتقم من أحد حتى من عدوه إذا تعدى على حقوقه الخاصة (3). لقد بينا في الفصلين السابقين أن الغاية من اختلاق ووضع مثل هذه الأحاديث التي مر ذكرها هي تزكية أولئك الذين لعنوا على لسان رسول الله (صلى الله عليه وآله) - كمن تخلف عن جيش أسامة، وقوله (صلى الله عليه وآله): لا أشبع الله بطنه، فجعلوا لعن النبي إياهم فخرا وتزكية ورفعة لمقامهم ورتبهم وصيروا ذلك اللعن أعلى رتبة من الدعاء والثناء.

(هامش)

(1) شرح نهج البلاغة 13: 32. (2) الأنعام: 164. (3) فتح الباري 8: 120. (*)

ص 264

واختلقوا قصة تلقيح النخل التي أصدر فيها الرسول (صلى الله عليه وآله) حكما خطأ ثم تدارك خطأه بالندم والتأسف، ليثبتوا أصل الاجتهاد للنبي (صلى الله عليه وآله) وجواز عدم إصابته في اجتهاده ويصححوا شطحات الآخرين بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله)، ومخالفتهم للسنة وأصولها على أنها مخالفة مجتهد لغيره، ولا بأس بهذه المخالفة. وأما حديث اللدود فإنه وضع توهينا وتطاولا على النبي (صلى الله عليه وآله) بحيث أصبح بعد ذلك ذريعة ووسيلة بأيدي أعداء الإسلام للنيل من الدين، وبناءا على هذا فإن الدواعي في جعل الحديث كثيرة أهمها اثنان: الأول: خلق فضائل لبني العباس: كانت سياسة بني العباس واهتمامهم منكب على تمهيد وسائل الخلافة سواء قبل وصولهم للخلافة أو بعدها، وهذا الأمر يستدعي أن يختلقوا فضائل ومفاخر لذويهم بدوا من عباس عم النبي (صلى الله عليه وآله) حتى آخرهم، حتى ولو كان هذا الوضع يستوجب تحجيم شخصية النبي والنبوة، كما نراه واضحا في قصة اللدود. فسعوا لإثبات فضيلة وكرامة للعباس جدهم، حيث إننا نقرأ في جميع أحاديث اللدود مع تظافر التناقضات فيما بينها أنها قد اتحدت في مسألة واحدة وهي، إن ظاهر الأحاديث المروية في هذا الباب تدل على أن كل من كان في البيت من الصحابة وزوجات النبي (صلى الله عليه وآله) حتى ميمونة التي كانت صائمة وأهل البيت وسبطا الرسول (عليهم السلام) قد شملتهم العقوبة، لأن أمير المؤمنين والزهراء والسبطان (عليهم السلام) على فرض صحة الحديث كانوا في الدار عند أبيهم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأنهم قد لدوا كرها وبأمر من رسول الله (صلى الله عليه وآله) والوحيد الذي لم يلد وكان حاضرا واستثني من عقوبة الرسول هو العباس بن عبد المطلب. الثاني: تأييد نظرية عمر، الغاية الثانية التي استهدفوها وضاع هذا الحديث المختلق، هي إثبات وتأكيد صحة مقولة الخليفة عمر التي قالها في اللحظات الأخيرة من حياة النبي (صلى الله عليه وآله) ونسبها إليه (أنه يهجر) (1)، وأرادوا باختلاقهم ذلك تصحيح كلمة عمر بأن

(هامش)

(1) سنوافيك البحث في هذا الموضوع في فصل الوصية التي لم تكتب. (*)

ص 265

النبي كان يصدر أوامر في أواخر حياته هذيا ومن دون تعقل، لأنه تارة يقول: لدوا الحاضرين في البيت بتلك العجينة المرة وأنا أنظر إليهم، وتارة أخرى يقول: ائتوني بكتف ودواة لأكتب لكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي. النقيب وحديث اللدود: ومن العلماء الذين نفوا صحة حديث اللدود، وحكم عليه بكونه مختلقا وموضوعا هو أبو جعفر النقيب أستاذ ابن أبي الحديد. يروي ابن أبي الحديد كلام أستاذه مع أنه كان مؤيدا للحديث ومخالفا لرأي أستاذه فيقول: سألت النقيب أبا جعفر عن حديث اللدود، فقلت: ألد علي بن أبي طالب ذلك اليوم. فقال: معاذ الله لو كان لد لذكرت عائشة ذلك فيما تذكره وتنعاه عليه. قال: وقد كانت فاطمة حاضرة في الدار وابناها معها، أفتراها لدت ولد الحسن والحسين؟! كلا، وهذا أمر لم يكن. وإنما هو حديث ولده من ولده تقربا إلى بعض الناس (1). وأما النتيجة: فهذا الذي قرأته هو أسطورة حديث اللدود، وتلك هي التناقضات والاختلافات في أحاديث اللدود والأسئلة التي ترد على مضامينها، وقرأنا أيضا الغاية من اختلاقهم هذه الأسطورة الخرافية، حتى أن واحدا من محققين العامة صمد في مقابل جميع محدثيهم ومؤرخيهم وأعلن اختلاقية وزيف هذه القصة. ولما كانت هذه الأسطورة الخرافية برأي علماء الشيعة وفقهائهم موضوعة ومختلقة، وهي مباينة لعقيدتهم في النبوة، لم يروها أحد من محدثيهم ومؤرخيهم، بل إنهم لم يتصدوا للرد والجواب عن ذلك، ومروا عليها مرورا غير معتنين بها وتركوها نسيا منسيا خلافا لعلماء العامة الذين بذلوا جهودا كثيفة في إثباتها (2).

(هامش)

(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 13: 32. (2) رأيت في الآونة الأخيرة أن أحد مؤلفي العامة كتب كتابا وسطر فيه بعض الخز عبلات منها هذه الأسطورة ونمقها بعبارات وكلمات أدبية، وثم حكم على علماء الشيعة الذين لم يروون هذه الرواية الأسطورية بأنهم ليسوا مطلعين ومضطلعين في المسائل التاريخية، وللأسف أن = (*)

ص 266

7 - النبي ونسيانه بعض آيات القرآن عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: سمع النبي (صلى الله عليه وآله) رجلا يقرأ في المسجد فقال (صلى الله عليه وآله): (رحمه الله) أذكرني كذا وكذا آية أسقطتها في سورة كذا وكذا. روى هذا الحديث البخاري ومسلم في صحيحيهما (1). وفي حديث آخر أخرجه الصحيحان ذكرت كلمة أنسيتها بدلا عن أسقطتها أي أذكرني تلك الآيات التي أنسيتها (2). وهذا من الأكاذيب الواضحة والصريحة التي لا تتناسب والعقل والقرآن والسنة لأن النبي - حاشاه - الذي ينسى ما يوحى إليه من الآيات ولم يستطع أن يحفظ معجزة دينه الخالدة، لا شك أنه لا يمكن الاعتماد عليه والوثوق به في مجال تبليغ الدعوة، بل لم يكن صالحا لتلقي الوحي والرسالة. ومن هنا يمكننا أن ندرك مدى خطورة هذا الحديث للطعن على أصل النبوة، ولما كانت هذه المسألة من المواضيع الهامة نفى القرآن صريحا صدور أي غفلة ونسيان من النبي (صلى الله عليه وآله) بقوله: (سنقرئك فلا تنسى) (3) فالآية تنفي صحة الحديث وتنكره، وتثبت أن الرسول حفاظ للقرآن وغير نساء له. وأضف إلى هذا أن تخريج مسلم لهذا الحديث في باب الأمر بتعهد القرآن وكراهة قول نسيت وتخريجه حديثا قريبا لمضمون عنوان الباب (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): بئسما

(هامش)

= هذا الحكم والتحكم قد أثر في بعض السذح والغافلين فاتخذوا الموقف السلبي تجاه علماء الشيعة!! (1) صحيح البخاري 3: 225 كتاب الشهادات باب شهادة الأعمى ونكاحه، وج 6: 238 كتاب فضائل القرآن باب نسيان القرآن، وج 8: 91 كتاب الدعوات باب قول الله وصل عليهم. (2) صحيح البخاري 6: 239 كتاب فضائل القرآن باب نسيان القرآن، صحيح مسلم 1: 543 كتاب فضائل القرآن باب (33) باب الأمر بتعهد القرآن وكراهة قول نسيت ح 225. (3) الأعلى: 6. (*)

ص 267

للرجل أن يقول نسيت سورة كيت وكيت أو نسيت آية كيت وكيت (1). وبناء على هذا فكيف يعقل أن يذم النبي (صلى الله عليه وآله) أحدا على شيء وهو متصف به؟ أو يكره عملا للآخرين ويذمه لهم وهو مبتلى به؟

 8 - النبي يبول واقفا: نبز تهمة 1 - روى البخاري ومسلم عن حذيفة قال: أتى النبي (صلى الله عليه وآله) سباطة قوم خلف حائط فبال قائما (2). 2 - ورويا أيضا عن أبي وائل قال: كان أبو موسى الأشعري يشدد في البول ويقول: إن بني إسرائيل كان إذا أصاب ثوب أحدهم قرضه فقال حذيفة: لوددت أن صاحبكم لا يشدد هذا التشديد، فلقد رأيتني أنا ورسول الله (صلى الله عليه وآله) نتماشى، فأتى سباطة، خلف حائط فقام كما يقوم أحدكم فبال فانتبذت منه فأشار إلي فجئت فقمت عقبه حتى فرغ (3). مؤدى هاتين الروايتين اللتين رواهما البخاري ومسلم: أن رسول الله - حاشاه - هو مثل الأشخاص السذج الذين آنسوا السنن الجاهلية، ولما يتعرفوا على التعاليم والآداب الإسلامية، وإنه كمثل هؤلاء يقف على السباطة خلف الجدران ويبول وهو واقف (قام رسول الله كما يقوم أحدكم فبال قائما)). اعتراف بقبح هذه التهمة: إننا في هذا البحث الموجز نغض النظر عن التحقيق والبحث العلمي حول هذه الفرية التي ألصقوها برسول الله (صلى الله عليه وآله).

(هامش)

(1) صحيح مسلم 1: 544 كتاب فضائل القرآن باب (33) باب الأمر بتعهد القرآن... ح 228. (2 و3) مفاد ما ورد في صحيح البخاري 1: 66 كتاب الوضوء باب البول عند صاحبه والتستر بالحائط وباب البول قائما وقاعدا وباب البول عند سباطة قوم، وج 3: 177 كتاب المظالم باب الوقوف والبول عند سباطة قوم، صحيح مسلم 1: 228 - 230 كتاب الطهارة باب (22) باب المسح على الخفين ح 73 - 80. (*)

ص 268

ولا أريد أن أقول: إن النظافة مسألة فطرية وغريزية مودعة حتى في الحيوانات بحيث تشعر بها بشعورها الذاتي، وأنها تسعى عند البول أن لا تتلوث به. ولا أريد أن أقول: أن النظافة من البول مسألة بديهية يعرفها حتى أبو موسى الأشعري وكان يشدد فيها. ولا أريد أن أقول: أن مسألة البول عند بني إسرائيل - كما حدثنا أبو موسى - كانت مهمة للغاية بحيث إنهم كانوا يقرضون ثيابهم إذا أصابها بول. إنا نغض النظر عن كل هذه المسائل لأن قبح المسألة بديهي، حتى أن علماء العامة وشراح الصحيحين أذعنوا لذلك، واعترفوا بكون هذه المسألة ونسبتها إلى النبي هي إهانة واستخفاف بشأن النبوة، ولذا عمدوا إلى توجيه وتأويل الأحاديث المذكورة، وذكروا لها معاذير واهية التمسوا عذرا هو أقبح من الذنب. أعذار أقبح من الفعل: قال شراح صحيحي مسلم والبخاري في تبريرهم لهذين الحديثين: 1 - إن العرب كانت تستشفي لوجع الصلب بالبول قائما، فلعل كان به (صلى الله عليه وآله) وجع الظهر فتأسى بآداب الجاهلية فبال قائما. 2 - أنه بال قائما لعلة بمأبضه - أي باطن الركبة - بحيث تمنعه من الجلوس. 3 - أنه لم يجد مكانا للقعود فاضطر إلى القيام. 4 - البول قائما يحصن الإنسان من خروج الحدث من مخرج الغائط، ولكن هذه الحصانة غير مأمونة عند الجلوس، ولذا قال عمر: البول قائما أحصن للدبر (1)، ولعل النبي بال قائما عملا بهذا الاحتمال. 5 - أنه (صلى الله عليه وآله) كان يبول قائما أحيانا لكي يبقى حكمه الجواز.

(هامش)

(1) شرح صحيح مسلم 3: 166. (*)

ص 269

ذكر هذه التبريرات الركيكة شارحو صحيحي البخاري ومسلم كابن حجر في فتح الباري (1)، والقسطلاني في إرشاد الساري (2)، والنووي (3) في شرح صحيح مسلم نقلا عن الخطابي والبيهقي وغيرهما من أهل السنة. وأضاف السيوطي إلى هذه الوجوه وجوها أخرى (4). لم هذه التوجيهات؟ هذه تبريرات مؤيدي البخاري ومسلم وتأويلهم لهاتين الروايتين، وقد عرفت أيها القارئ الكريم هزال هذه التبريرات وخفتها، إنها أعذار أقبح من الذنب، وإنها لأشأم من نفس التهمة التي ألصقوها بالنبي (صلى الله عليه وآله). وأعتقد أن قبول هذه الأحاديث ثم تبريرها وتأويلها بتأويلات فارغة المعنى وسخيفة لم تكن إلا لعلتين وسببين: 1 - الجهل بمقام النبوة. 2 - الاعتقاد الأعمى بصحة كل حديث أورده البخاري ومسلم في صحيحيهما وكما يروي السيوطي: إن البول قياما صار عادة اعتاد عليها المسلمون من العامة في مدينة هرات وإحياء لهذه السنة المبتدعة، وعدم مخالفتهم لما جاء في صحيح البخاري ومسلم، تراهم أنهم يستنون بهذه السنة فكانوا يبولون عن قيام حتى ولو مرة واحدة في كل عام (5). ونقل لي أحد العلماء المعاصرين: إن بعض المسلمين من أهل السنة في العراق اليوم، يبولون قياما تأسيا بهذه الأحاديث الموضوعة.

(هامش)

(1) فتح الباري 1: 261 - 262. (2) إرشاد الساري 1: 293. (3) شرح صحيح مسلم للنووي 3: 165 - 166. (4 و5) شرح سنن النسائي 1: 19 - 26. (*)

ص 270

دحض هذه الأباطيل: فلو كان لهؤلاء أدنى معرفة بالنبوة والرسالة، ولو أنهم فرغوا عقولهم من السذاجة والتعصب المفرط، وحسن ظنهم الشديد وتعلقهم بالصحيحين، وتأملوا قليلا فيهما لعرفوا أن هذا الموضوع الذي لفقوه على النبي (صلى الله عليه وآله) ليس فقط لا يتلاءم ومقام النبوة فحسب، بل إنه يشين بأي فرد من الأفراد ممن له معرفة سطحية بالمعارف الدينية أو يكون محترما عند نفسه. وإننا نرفض جميع هذه الروايات الملفقة على النبي (صلى الله عليه وآله) ولا نقول بصحتها أبدا - كما يعتقد بأن الحديث الصحيح هو كل ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما - بل نأخذ بالأحاديث الصحيحة التي تروي لنا: كنت مع النبي (صلى الله عليه وآله) في سفر فأتى النبي حاجته فأبعد في المذهب (1)، وأنه كان يرتاد لبوله مكانا كما يرتاد منزلا (2). وإننا نقبل الأحاديث التي تقول: مر النبي (صلى الله عليه وآله) على قبرين فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير. ثم قال: بلى أما أحدهما فكان يسعى بالنميمة، وأما أحدهما فكان لا يستتر من بوله (3).

 دواعي وضع هذه الأحاديث: يبدو أن هناك بين أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) من ترسخت فيه عادات الجاهلية مثل البول قياما فهو لا يستطيع ترك هذه العادة السافلة، وحتى لا يكون مشجوبا عند الناس، ولا

(هامش)

(1) سنن الترمذي 1: 31 كتاب الطهارة باب (16) باب ما جاء أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان إذا أراد الحاجة أبعد في المذهب ح 20 وسنن النسائي 1: 18 كتاب الطهارة باب الأبعاد عند إرادة الحاجة. (2) سنن الترمذي نفس المصدر. (3) صحيح البخاري 2: 124 كتاب الجنائز باب عذاب القبر من الغيبة والبول، صحيح مسلم 1: 240 كتاب الطهارة باب (34) باب الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه ح 111، سنن أبي داود 1: 6 كتاب الطهارة باب الاستبراء من البول ح 20. سنن النسائي 1: 28 كتاب الطهارة باب التنزه عن البول. (*)

ص 271

يحط شأنه وشخصيته في الأنظار، فلذا تراه يختلق مثل هذه السخافات، ويتهم فيها رسول الله بالبول قائما لكي تمكنه ممارسة هذا العمل القبيح ويقلل من قبح عادته المخزية. وتتجلى لك حقيقة قولنا إذا راجعت وتمعنت في الروايات المروية في كتب العامة المعتبرة. أخرج ابن ماجة في سننه: وكان من شأن العرب البول قائما (1). وخرج مالك في الموطأ عن عبد الله بن دينار قال: رأيت عبد الله بن عمر يبول قائما (2). وحول تبول الخليفة عمر قائما ورد حديثان: 1 - عن ابن عمر، عن عمر قال: رآني النبي (صلى الله عليه وآله) وأنا أبول قائما. فقال: يا عمر لا تبل قائما، فما بلت قائما بعده (3). 2 - وعن ابن عمر قال عمر: ما بلت قائما مذ أسلمت (4). ونجد أن الراوي الوحيد الذي حدث وروى حديثا في البول قائما هو عمر بن الخطاب. الذي روى حديثا وبين فيه الحكمة والفلسفة للبول في حال القيام فقال: البول قائما أحفظ للدبر (5). وعلى أي حال فإن كلام عبد الله بن دينار في ابن عمر وكذا نفي موضوع التبول في حالة القيام عن الخليفة عمر بن الخطاب ونسبته إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلسفة عمر في هذا،

(هامش)

(1) سنن ابن ماجة 1: 112، كتاب الطهارة باب (14) باب في البول قاعدا ذيل ح 309. (2) موطأ مالك 1: 65 كتاب الطهارة باب (31) باب ما جاء في البول قائما وغيره ح 112. (3) سنن الترمذي 1: 17 كتاب الطهارة باب (8) باب ما جاء في النهي عن البول قائما ح 12، وسنن ابن ماجة 1: 112 كتاب الطهارة باب (14) باب في البول قاعدا ح 308. (4) سنن الترمذي 1: 18 كتاب الطهارة باب (8) باب ما جاء في النهي عن البول قائما ح 12. (5) فتح الباري 1: 262، إرشاد الساري 1: 277 وشرح صحيح مسلم 3: 165. (*)

ص 272

الموضوع، كل ذلك يدلنا على أن بين هذه الموارد المذكورة علاقة وثيقة. والجدير بالذكر أن هذه المسألة قد طرحت بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله) وفي حياة عائشة، وقد دار النقاش حوله فبعض نفى نسبتها إلى الرسول، والآخر أثبته، وأما عائشة فقد التزمت بالدفاع عن الرسول وقامت تفند وتستنكر هذه الأحاديث وتقول: من حدثكم أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يبول قائما فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعدا (1). وقال الترمذي بعد تخريجه لهذا الحديث: حديث عائشة أحسن شيء في الباب وأصح (2). ومن الذين صادق على صحة رواية عائشة وأكدها ابن حجر العسقلاني في شرحه على صحيح البخاري (3).

 9 - قصة سحر النبي (صلى الله عليه وآله): ومن مفتريات الصحيحين على رسول الله (صلى الله عليه وآله) رواية لم يروها أحد سوى عائشة بنت أبي بكر وصارت بعد ذلك ذريعة وحربة بأيدي أعداء الإسلام (4) للنيل من الإسلام ورسوله، هي قصة سحر النبي (صلى الله عليه وآله). وخلاصة القصة هي: أن الساحر اليهودي لبيد بن الأعصم من بني زريق سحر النبي (صلى الله عليه وآله) حتى كان الرسول (صلى الله عليه وآله) يتخيل أنه يعمل عملا ما، بينما هو لا يعمله، وتارة يتصور أنه قد أتى إحدى زوجاته في حين لم يكن هكذا، وإليك النص: عن عائشة قالت: سحر النبي (صلى الله عليه وآله) حتى أنه يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما فعله، حتى إذا كان ذات يوم وهو عندي، دعا الله ودعاه ثم قال (صلى الله عليه وآله): أشعرت يا عائشة إن الله قد

(هامش)

(1) سنن الترمذي 1: 17 كتاب الطهارة باب (8) باب ما جاء في النهي عن البول قائما ح 12، سنن ابن ماجة 1: 112 كتاب الطهارة باب (14) باب في البول قاعدا ح 307، سنن النسائي 1: 26 كتاب الطهارة باب البول في البيت جالسا. (2) سنن الترمذي 1: 17 كتاب الطهارة ذيل حديث 12. (3) فتح الباري 1: 261. (4) للمؤلف كتاب آخر باسم الإسلام.... يرد فيه على شبهات أعداء الدين. (*)

ص 273

أفتاني فيما استفتيته فيه. قلت: وما ذاك يا رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ قال (صلى الله عليه وآله): جاءني رجلان فجلس أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، ثم قال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب. قال: وما طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم اليهودي من بني زريق. قال: في ماذا؟ قال: في مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر. قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذي أروان. قال: فذهب النبي (صلى الله عليه وآله) في أناس من أصحابه إلى البئر، فنظر إليها وعليها نخل، ثم رجع إلى عائشة، فقال: والله لكأن ماءها نقاعة الحناء، ولكأن نخلها رؤوس الشياطين. قلت: يا رسول الله أفأخرجته؟ قال (صلى الله عليه وآله): لا، أما أنا فقد عافاني الله وشفاني، وخشيت أن أثور على الناس منه شرا، وأمر بها فدفنت (1). رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عائشة، وأخرج البخاري حديثا آخر في الموضوع نفسه عن عائشة أنها قالت: سحر الرسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى كان يرى يأتي النساء ولا يأتيهن. قال سفيان: وهذا أشد ما يكون من السحر إذا كان (2). أقول: نرجع الجواب والتحقيق في هذه القصة التي وردت في كثير من الكتب التاريخية والتفسيرية، وحتى أنها دست أحيانا في بعض كتب الشيعة، إلى محله وأوانه

(هامش)

(1) صحيح البخاري 4: 148 كتاب بدء الخلق باب صفة إبليس وجنوده، وج 7: 177 كتاب الطب باب هل يستخرج السحر وص 176 و178 باب السحر، وج 8: 22 كتاب الأدب باب قول الله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل).... وص 103 كتاب الدعوات باب تكرير الدعاء، صحيح مسلم 7: 1719 كتاب السلام باب (17) باب السحر ح 43. (2) صحيح البخاري 7: 177 كتاب الطب باب هل يستخرج السحر. (*)

ص 274

المناسب، وأما هنا فنكتفي بما ذكره أحد المحققين المعاصرين في هذا الشأن فقال: والأحاديث المروية حول هذا الموضوع كلها تنص على أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد أثر به السحر إلى حد أصبح يخيل إليه أنه قد صنع الشيء وما صنعه، ولازم ذلك أن يكون قد فقد رشده، ومن الجائز عليه في تلك الحالة أن يتخيل أنه قد صلى ولم يصل، وأن يتخيل شيئا يتنافى مع نبوته بل مع إنسانيته فيفعله، وبالرغم من أني قد أخذت على نفسي أن لا أهاجم أحدا في هذا الكتاب، ولكني أراني مضطرا في هذا المورد وأرى لزاما علي أن أقول: إن الذين رووا هذا الحديث ودونوه هم المسحورون لأنهم لا يفكرون بما يكتبون، ويروون ولا يتثبتون، وكيف يصح على نبي لا ينطق عن الهوى - كما وصفه ربه - أن يكون فرية للمشعوذين؟ فيفقد شعوره ويغيب عن رشده ومع ذلك يصفه القرآن بأنه لا ينطق إلا بما يوحى إليه، ويفرض على الناس أجمعين أن يقتدوا بأقواله وأفعاله، والمسحور قد يقول غير الحق ويفعل ما لا يجوز فعله على سائر الناس، وقد يخرج عن شعوره وادراكه (1). مفتريات على النبوة!! تقدمت - في الصفحات الأولى من الكتاب - الإشارة إلى الأيادي الخفية والقاتمة التي شوهت صورة الأنبياء الحقيقية في التوراة والأنجيل وحرفوها حسب أهوائهم وشهواتهم، وتبريرا لأعمالهم وأفكارهم الجائرة والفاسدة فإنهم صوروا الأنبياء بأنهم زناة وجناة، خمارين وشهوانيين. فاتهموا نبيا بأنه تعدى على امرأة محصنة وذات بعل، فحملت منه سفاحا، ولكي يدفن ما اقترفه من ذنب ويحفظ حيثيته.... خطط جريمة قتل زوجها... (2)

(هامش)

(1) دراسات في الكافي وصحيح البخاري: 247. (2) راجع ص 210 هامش 1. (*)

ص 275

وافتروا على نبي آخر بأنه سكر وزنى بابنتيه وحملتا منه سفاحا ووضعتا ابنتين (1). وكذبوا على نبي آخر بأنه صناع للخمر واعتبروا هذه معجزة له (2). ومما يجدر الإيماء إليه أن رسول الإسلام لم يخرج عن دائرة التهم والافتراءات، حتى نسبوا إليه أكاذيب صنعتها أيدي الجائرين المتسلطين، فلفقوا عليه المفتريات وعتموا عنه الحقائق والفضائل. وحيث كان الله قد ضمن صيانة القرآن من التحريف والتغيير فبثت تلك الاتهامات بين المسلمين على هيئة الحديث لا آي القرآن فتقبلها أكثر المسلمين - العامة - بقبول حسن واعتمدوا عليها واعتبروها جميعها صحيحة.

 ونسرد إليك أيها القارئ هذه المفتريات على نبينا (صلى الله عليه وآله) من خلال أربعة مجموعات، وبعد ذلك نختم بحثنا بتفنيدها ونوضح لك دواعي وضعها:

 1 - الغناء في بيت النبي (صلى الله عليه وآله)

روى البخاري ومسلم أحاديثا تتضمن أن الجواري كن يطربن ويعزفن في بيت الرسول (صلى الله عليه وآله) وهو جالس يستمع إليهن، فدخل أبو بكر فتأذى من هذا المشهد فزجرهن. فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): دعهن يا أبا بكر فإن اليوم يوم عيد وسرور. وكذلك يرويان بأن عائشة كانت تلعب بالدمية ورسول الله (صلى الله عليه وآله) حاضر في البيت، وكانت بعض صديقاتها يأتينها ويلعبن معها، فما أن يدخل الرسول (صلى الله عليه وآله) في بعض الأحيان داره، حتى يقمن ويتسترن حياء منه، ولكن الرسول يدعوهن ويرغبهن بمواصلة اللعب، وأحيانا كان يرسل واحدة تلو أخرى للعب مع عائشة. وهاك - أيها العزيز - النصوص المشيرة التي أخرجها مؤلفا الصحيحين:

(هامش)

(1) راجع ص 210 هامش 1. (2) راجع ص 211 هامش 3 و4. (*)

ص 276

1 - عن عائشة: أن أبا بكر دخل عليها والنبي (صلى الله عليه وآله) عندها يوم فطر أو أضحى، وعندها قينتان تغنيان بما تقاذفت الأنصار يوم بعاث. فقال أبو بكر: مزمار الشيطان - مرتين -؟ فقال النبي (صلى الله عليه وآله): دعهما يا أبا بكر، إن لكل قوم عيدا، وإن عيدنا هذا اليوم (1). بيان: وردت في الحديث كلمة القينة أي الأمة غنت أولم تغن كما صرح بذلك ابن الأثير (2). وكذا وردت لفظة تقاذقت الأنصار أي كن يقرأن تلك الأشعار التي كان الأنصار قبل الهجرة يتقاذفونها ويسبون بها بعضهم بعضا. 2 - وأيضا رويت هذه الرواية بلفظ آخر عن عائشة أنها قالت: دخل علي أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بعاث. قالت: وليستا بمغنيتين. فقال أبو بكر: أمزامير الشيطان في بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ وذلك في يوم عيد. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا أبا بكر إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا (3). 3 - وقالت أيضا: إن أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى، تدففان وتضربان، والنبي (صلى الله عليه وآله) متغش بثوبه، فانتهرهما أبو بكر، فكشف النبي (صلى الله عليه وآله) عن وجهه فقال: دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد، وتلك الأيام أيام منى (4). ورواها عنها عروة بلفظ آخر فقال:

(هامش)

(1) صحيح البخاري 5: 86 كتاب الفضائل فضائل أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) باب مقدم النبي وأصحابه المدينة، مسند أحمد بن حنبل 6: 99. (2) النهاية 4: 135 مادة قين. (3) صحيح البخاري 2: 21 كتاب العيدين باب سنة العيدين لأهل الإسلام، صحيح مسلم 2: 607 كتاب صلاة العيدين باب (4) باب الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه في أيام العيد ح 16. (4) صحيح البخاري 4: 225 كتاب المناقب باب قصة الحبش وقول النبي (صلى الله عليه وآله) يا بني أرفده، وج 2: 29 كتاب العيدين باب إذا فاته العيد يصلي ركعتين، صحيح مسلم 2: 608 كتاب صلاة العيدين باب (4) باب الرخصة في اللعب... ح 17. (*)

ص 277

4 - عن عائشة قالت: دخل علي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث فاضطجع على الفراش وحول وجهه، ودخل أبو بكر فانتهرني، وقال: مزمارة الشيطان عند النبي (صلى الله عليه وآله)! فأقبل عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال: دعهما، فلما غفل، غمزتهما فخرجتا (1). 5 - وقالت أيضا: كنت ألعب بالبنات عند النبي (صلى الله عليه وآله) وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا دخل يتقمعن منه، فيسربهن إلي فيلعبن معي (2). وروى البخاري هذا الحديث في موضعين من كتابه الأدب المفرد (3). نكتة توضيحية: روى البغوي حديثا آخر في كتابه المصابيح (4): عن عائشة أنها قالت: رجع رسول الله (صلى الله عليه وآله): من غزوة تبوك أو حنين ومعها بنات لعب. ولا يخفى إن كلتا الغزوتين تبوك وحنين وقعتا بعد فتح مكة وفي الأيام الأخيرة من حياة الرسول (صلى الله عليه وآله). ولو سلمنا صحة الحديث لكان عمر عائشة آنذاك خمسة عشر سنة إلى عشرين.

 2 - النبي (صلى الله عليه وآله) يدعو عائشة لمشاهدة الرقص

 أخرج الصحيحان أن بعض مهاجري الحبشة كانوا يلعبون في فناء مسجد الرسول، فدعا النبي (صلى الله عليه وآله) زوجته عائشة لتشهد الأحباش، وتارة كانت عائشة هي التي تسأل

(هامش)

(1) صحيح البخاري 2: 20 كتاب العيدين باب الحراب والدرق يوم العيد، وج 4: 47 كتاب الجهاد باب الدرق، صحيح مسلم 2: 609 كتاب صلاة العيدين باب (4) باب الرخصة في اللعب... ح 19. (2) صحيح البخاري 8: 37 كتاب الأدب باب الانبساط إلى الناس، صحيح مسلم 4: 1890 كتاب فضائل الصحابة باب (13) باب في فضل عائشة ح 81، مصابيح السنة 2: 443 كتاب النكاح باب (10) باب عشرة النساء... ح 2420. (3) الأدب المفرد للبخاري: 13 باب (172) باب مسح رأس الصبي ح 370 وص 427 باب (627) باب لعب الصبيان بالجوز ح 1304. (4) مصابيح السنة للبغوي 2: 452 كتاب النكاح باب (10) باب عشرة النساء، ح 2442. (*)

ص 278

رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليسمح لها بذلك. والرسول (صلى الله عليه وآله) تارة يجعل رداءه حائلا بينها وبين من كان في المسجد من الرجال، وتارة أخرى كان يقف هو أمامها وكانت عائشة ترتقي كتف الرسول وتنظر مشهد الأحباش الذين كانوا يرقصون. ولكن الخليفة عمر بن الخطاب لم يكن يرض بلعب الأحباش، ورقصهم حتى ورد أنه رآهم فأهوى إلى الحصى في فناء المسجد ليرميهم بها ويصدهم عن لعبهم، فمنعه الرسول (صلى الله عليه وآله) وقال لهم: أمنا بني أرفدة، فشجعهم الرسول (صلى الله عليه وآله) ورغبهم إلى ما كانوا يفعلون. وإليك بعض النصوص التي رويت في الصحيحين: 1 - إن عائشة قالت: لقد رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوما على باب حجرتي، والحبشة يلعبون في المسجد، ورسول الله (صلى الله عليه وآله) يسترني بردائه لكي أنظر إلى لعبهم، ثم يقوم من أجلي حتى أكون أنا التي أنصرف. فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو (1). 2 - وقالت عائشة: رأيت النبي (صلى الله عليه وآله) يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة: وهم يلعبون في المسجد، فزجرهم عمر. فقال النبي (صلى الله عليه وآله): دعهم، أمنا بني أرفدة يعني من الأمن، وأنا جارية، فاقدروا الجارية العربة الحديثة السن) (2). والجملة الأخيرة في الرواية (وأنا جارية فاقدروا الجارية العربة الحديثة السن) أوردها مسلم (3).

(هامش)

(1) صحيح البخاري 1: 123 كتاب الصلاة باب أصحاب الحراب في المسجد، وج 7: 48 كتاب النكاح باب نظر المرأة إلى الحبش ونحوهم من غير ريبة، صحيح مسلم 2: 609 كتاب صلاة العيدين باب (4) باب الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه.... ح 18. (2) صحيح البخاري 2: 29 كتاب العيدين باب إذا فاته العيدين يصلي ركعتين، وج 4: 225 كتاب المناقب باب قصة الحبش، صحيح مسلم 2: 608 كتاب صلاة العيدين باب (4) باب الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه في أيام العيد ح 17. (3) انظر صحيح مسلم في الهامش السابق. (*)

ص 279

وفي حديث آخر أخرجه البخاري وردت جملة: فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن تسمع اللهو (1). 3 - وعن عروة عن عائشة قالت: وكان يوم عيد يلعب السودان بالدرق والحراب، فإما سألت النبي (صلى الله عليه وآله) وإما قال (صلى الله عليه وآله): تشتهين تنظرين؟ فقلت: نعم، فأقامني وراءه، خدي على خده، وهو يقول: دونكم يا بني أرفدة، حتى مللت، قال: حسبك؟ قلت: نعم، فقال: فاذهبي (2). 4 - وعنها أيضا قالت: جاء حبش يزفنون في يوم عيد في المسجد، فدعاني النبي (صلى الله عليه وآله)، فوضعت رأسي على منكبه، فجعلت أنظر إلى لعبهم حتى كنت أنا التي أنصرف عن النظر إليهم (3). بيان وتوضيح: قال النووي في شرحه على صحيح مسلم: يزفنون: من الزفن يعني الرقص (4). وقال ابن من يأبى في كتابه فتح المنعم: دونكم أي الزموا لعبكم، وأرفدة هم أجداد الحبش (5). قال القسطلاني: إن ذلك - رقص الأحباش وضربهم الدف - بعد قدوم وفد الحبشة وإن قدومهم كان سنة سبع ولعائشة يومئذ ست عشرة سنة (6). أقول: في مقولة عائشة التي قالت: (فأقامني وراءه وخدي على خده لكي أنظر

(هامش)

(1) راجع ص 278 هامش 2. (2) صحيح البخاري 2: 20 كتاب العيدين باب الحراب والدرق يوم العيد، وج 4: 47 كتاب الجهاد باب الدرق، صحيح مسلم 2: 609 كتاب صلاة العيدين باب (4) باب الرخصة في اللعب... ح 19. (3) صحيح مسلم 2: 609 كتاب صلاة العيدين باب (4) باب الرخصة في اللعب... ح 20. (4) شرح صحيح مسلم للنووي 6: 186. (5) زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم لابن من يأبى 1: 197 ح 447. (6) إرشاد الساري 8: 118. (*)

ص 280

لعب الأحباش) سؤال وهو: هل كانت عائشة أطول من النبي حتى وضعت خدها على خده، أم أنها وضعت شيئا تحت قدميها، أم كانت تصعد منكب النبي (صلى الله عليه وآله حتى تضع الخد على الخد؟ ولما كانت عائشة قد سكتت من بيان ذلك ونحن كذلك لم نكن حاضري الواقعة ولذلك فإننا نعتذر عن الجواب الصريح. 5 - وكذلك قالت عائشة: للعابين، وددت أني أراهم. قالت: فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقمت على الباب أنظر بين أذنيه وعاتقه، وهم يلعبون في المسجد (1).. 6 - وعن أبي هريرة قال: بينما الحبشة يلعبون عند رسول الله بحرابهم، إذ دخل عمر بن الخطاب. فأهوى إلى الحصباء يحصبهم بها. فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): دعهم يا عمر (2).

 3 - اشتراك النبي (صلى الله عليه وآله) في الحفلات النسائية

 يظهر من أحاديث أخرى وردت في الصحيحين متظافرة بأن الرسول (صلى الله عليه وآله) كان يشترك في الأعراس والحفلات النسائية، ويستمع إلى أغاني الفتيات اللاتي كن يمتعن المستمعين الحاضرين بصوتهن العذب. وتارة كان يشترك في الأعراس التي تقوم العروس بخدمة الرجال واستقبالهم وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يحظى بخدمة العروس له. وإليك النصوص في ذلك: 1 - خالد بن ذكوان قال: قالت الربيع بنت معوذ بن عفراء، جاء النبي (صلى الله عليه وآله) فدخل حين بنى على، فجلس على فراشي كمجلسك مني، فجعلت جويريات لنا يضربن بالدف

(هامش)

(1) صحيح مسلم 2: 610 كتاب صلاة العيدين باب (4) باب الرخصة في اللعب... ح 21. (2) صحيح البخاري 4: 46 كتاب الجهاد والسير باب اللهو بالحراب، صحيح مسلم 2: 610 كتاب صلاة العيدين باب (4) باب الرخصة في اللعب... ح 22. (*)

ص 281

ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر. إذ قالت إحداهن: وفينا نبي يعلم ما في غد. فقال (صلى الله عليه وآله): دعي هذه وقولي بالذي كنت تقولين.... (1) أخرجه البخاري في موضعين من صحيحه ونقله المؤرخون وأصحاب التراجم عن البخاري في ترجمة الربيع بنت معوذ بن عفراء (2). تبريرات سخيفة: ولما شوهد الحديث محفوف بالتفاهة والركاكة وتباينه لمقام النبوة والنبي (صلى الله عليه وآله) ما لا يقبله العقل بدا القوم في تبرير هذه الحكايات التافهة، وذلك لأنه لا يعقل أن يشترك مؤمن ملتزم أو عالم ديني حتى لو كان في أدنى درجة من العلم والدين في الأعراس، ويجالس النساء اللاتي تزين بوسائل التجميل من الملابس وغيرها - الماكياج -، وهن يعزفن ويرقصن أمامه وهو يراهن ويستمع إلى ما يغنين ويبدي رأيه في ما عزفن. نعم، إن الإنسان العادي الذي لم يملك تلك المعنوية العالية والغيرة الدينية الشديدة يمتنع من هذا المشهد فكيف بنبي ورسول؟ ولذا ترى ابن حجر يخيط أعذارا هي أقبح من الذنب نقلها عن الكرماني. تبريرا وتوجيها لهذا الحديث فقال: قال الكرماني للحديث احتمالات ووجوه عديدة منها أن هذه القصة محمولة على أن ذلك كان من وراء حجاب، أو كان قبل نزول آية الحجاب، أو جاز النظر للحاجة أو الأمن من الفتنة، انتهى. وأضاف ابن حجر: والأخير هو المعتمد والذي وضح لنا بالأدلة القوية أن من خصائص النبي (صلى الله عليه وآله) جواز الخلوة بالأجنبية والنظر إليها (3).

(هامش)

(1) صحيح البخاري 5: 105 كتاب الفضائل باب في ذيل باب شهود الملائكة بدرا، وج 7: 20 كتاب النكاح باب ضرب الدف في النكاح والوليمة. (2) الطبقات الكبرى 8: 447 قسم ذكر نساء بني مالك بن النجار ترجمة الربيع بنت معوذ الإستيعاب 4: 1837 ترجمة الربيع بنت معوذ بن عفراء الأنصارية رقم 3336. (3) فتح الباري 9: 166. (*)

ص 282

أقول: أما الاحتمال الأول الذي أورده ابن حجر - أي اشتراك النبي (صلى الله عليه وآله) في تلك الحفلات من وراء حجاب - ففي غاية البطلان، وأن منطوق الحديث (فجلس على فراشي كمجلسك هذا) يكشف زيف هذا الاحتمال. وأما الاحتمال الثاني: أن القصة وقعت قبل نزول آية الحجاب، ويدل كلام ابن حجر هذا على أن النبي (صلى الله عليه وآله) لم يكن متورعا من الأعمال المشينة والقبائح التي كانت متداولة في أيام الجاهلية. وهذه السخافة مردودة بالأدلة والشواهد التاريخية وغيرها مما ذكرناها في ما سبق، وسنورد عليك شواهدا أخرى فيما يأتي بأن النبي (صلى الله عليه وآله) حتى في أيام طفولته وقبل البعثة كان يتبرأ من أعمال وعادات العرب في الجاهلية فكيف بعد أن بعث نبيا وفي أواخر حياته؟ وأضف إلى هذا فإنه لم نستكشف من كلام الربيع أن القصة وقعت قبل نزول آية الحجاب أو بعده. وأما الاحتمال الأخير الذي احتمله وقواه ابن حجر (بأنه من خصائص النبي (صلى الله عليه وآله) جواز الخلوة بالمرأة الأجنبية والنظر إليها فهو مرفوض وغير مقبول خاصة على رأي الشيعة الذين أنكروا ذلك عليهم، وفندوا هذه الأفكار. وهذه الفكرة من الناحية الاجتماعية أصبحت ذريعة وحربة بيد أعداء الدين للإغارة على الإسلام وشخصية النبي (صلى الله عليه وآله). قال سهل بن سعد: دعا أبو أسيد الساعدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) في عرسه، وكانت امرأته يومئذ خادمهم وهي العروس، قال سهل: تدرون ما سقت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، انقعت له تمرات من الليل فلما أكل سقته إياه (1).

(هامش)

(1) صحيح البخاري 7: 32 كتاب النكاح باب حق إجابة الوليمة والدعوة، وص 33 باب النقيع والشراب الذي لا يسكر في العرس، وص 138 كتاب الأشربة باب الانتباز في الأوعية والتور، وص 139 باب نقيع التمر ما لم يسكر، صحيح مسلم 3: 1590 كتاب = (*)

ص 283

وأخرج البخاري أيضا عن أبي حازم، عن سهل قال: لما عرس أبو أسيد الساعدي دعا النبي (صلى الله عليه وآله) وأصحابه، فما صنع لهم طعاما ولا قربه إليهم إلا امرأته أم أسيد، بلت تمرات في تور من حجارة من الليل فلما فرغ النبي من الطعام أماثته له فسقته تتحفه بذلك (1).

 4 - شغف النبي (صلى الله عليه وآله) بالغناء.

 ومجموعة رابعة من تلك الأحاديث الموضوعة، تحدثنا بأن الرسول (صلى الله عليه وآله) كان مولعا بالغناء واستعمال آلات الغناء في حفلات العرس إلى حد الشغف، وإذا اشترك في حفلة ولم يكن فيها من الغناء شيء، فكان يتدخل في الموضوع ويؤكد عليهم الغناء والتغني في الأعراس. ويظهر من الروايات أنه كان يرحب بالجواري والنساء المغنيات اللاتي كن مقبلات من عرس، ويقوم لهن واقفا ويقول: قسما بالله أنتن من أحب الناس إلى. ولنقرأ معا هذه النصوص: عن عائشة قالت: أنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار. فقال نبي الله (صلى الله عليه وآله): يا عائشة ما كان معكم لهو، فإن الأنصار يعجبهم اللهو (2). أخرجه البخاري. وأما ابن ماجة أخرج حديثا آخر بإسناده عن ابن عباس قال: أنكحت عائشة ذات قرابة لها من الأنصار. فجاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: أهديتم الفتاة؟ قالوا: نعم. قال: أرسلتم معها من يغني؟ قالت: لا. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن الأنصار قوم فيهم غزل، فلو بعثتم معها من يقول: أتيناكم أتيناكم فحيانا وحياكم (3). وعن أنس بن مالك قال: أبصر النبي (صلى الله عليه وآله) نساءا وصبيانا مقبلين من عرس فقام

(هامش)

= الأشربة باب (9) باب إباحة النبيذ الذي لم يشتد ولم يعد مسكرا ح 86. (1) صحيح البخاري 7: 33 كتاب النكاح باب قيام المرأة على الرجال في العرس وخدمتهم بالنفس. (2) صحيح البخاري 7: 38 كتاب النكاح باب النسوة اللاتي يهدين المرأة إلى زوجها. (3) سنن ابن ماجة 1: 612 كتاب النكاح باب (21) باب الغناء والدف ح 1900. (*)

ص 284

ممتنا فقال: اللهم أنتم من أحب الناس إلي (1). وأخرج ابن ماجة حديثا قريبا إلى الحديث المذكور رواه عن أنس بن مالك أنه قال: أن النبي (صلى الله عليه وآله) مر ببعض المدينة فإذا هو بجوار يضربن بدفهن ويتغنين ويقلن: نحن جوار من بني النجار * يا حبذا محمد من جار فقال النبي (صلى الله عليه وآله): الله يعلم أني لأحبكن (2).

 تقييم الأحاديث المذكورة

 نظرة في ما سلف: لقد ذكرنا في الفصول الأربعة المذكورة بعض التهم القبيحة والأكاذيب التي افتروها على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وشوهوا بها شخصية الرسول الطاهرة ولطخوا بها كرامته وقدسيته، إن هذه الأحاديث المزورة رويت جميعها في الصحيحين وسائر المراجع المعتبرة والمعتمدة عند أهل السنة والجماعة، وصححوها على أنها أصول إسلامية قطعية لا تقبل النقد والخدش، حتى انتشرت وشاعت بين أتباعهم فتقبلوها بالرضا، وعلى أساسها أصدروا فتاويهم. وقد رتبناها على أربعة مجموعات وتعرضنا لذكر أحاديث كل مجموعة منها في فصل مستقل. 1 - الغناء في بيت الرسول (صلى الله عليه وآله). 2 - الرسول يدعو زوجه عائشة إلى حفلة الرقص. 3 - اشتراك الرسول في الحفلات النسائية.

(هامش)

(1) صحيح البخاري 5: 40 كتاب فضائل أصحاب النبي باب قول النبي للأنصار أنتم أحب الناس إلي، وج 7: 32، كتاب النكاح باب ذهاب النساء والصبيان إلى العرس، صحيح مسلم 4: 1948 كتاب فضائل الصحابة باب (43) باب من فضائل الأنصار ح 174. (2) سنن ابن ماجة 1: 612 كتاب النكاح باب (21) باب الغناء والدف ح 1899. (*)

ص 285

4 - شغف الرسول بالطرب والغناء. وفي هذا الفصل نتعرض حسب الترتيب المسبق إلى تقييم هذه المواضيع. فضيحة رواتها: في البدء نسأل رواة هذه المختلقات: من هو هذا النبي الذي تغني الفتيات والنساء في داره وبمرأى منه، ويطربن بأشعار وقصائد هجائية مما كانت تهجو كل طائفة خصمها، وتنسب كل واحدة منها إلى الأخرى الأباطيل والأراجيف، والنبي يدعوهن إلى المزيد من التغني وإذا أراد أحد مثل أبي بكر أن يمنعهن يقول له: دعهن يا أبا بكر وشأنهن؟ ومن هو هذا النبي الذي يرى أناسا يرقصون في فناء مسجده، وعوضا من منعهم وردعهم يحثهم على الإكثار وإذا أراد عمر بن الخطاب أن يصدهم عن فعلهم قال له: دعهم يا عمر وشأنهم؟ ومن هو هذا الرسول الذي يدعو زوجته الشابة إلى مشاهدة الرقاصين الأجانب فتنظر إليهم إلى أن تشبع عينيها من مشاهدتهم؟ ومن هو هذا الرسول الذي يتصدر الحفلات النسائية ويجلس بينهن ويستمع غنائهن وربما أبدى رأيه في أغنيتهن؟ وأي مبعوث هذا الذي يشترك في حفلة زواج، والعروس بنفسها تقوم بخدمة الرجال؟ وأي رسول هذا الذي يتناسى وظائفه الرسالية ويفكر في الأعراس التي تقام هل أنهم دعوا مغنية أم لا؟ وإذا لم يدعوا أحدا يحثهم على ذلك، ومن ثم هو الذي يقوم بتعيين نوع الأغنية: أتيناكم أتيناكم فحيانا وحياكم؟ ومن هو هذا النبي الذي يقف ممثلا أمام نساء راجعات من العرس ويخاطب الفتيات اللاتي يعزفن ويغنين ويقول لهن: والله إني لأحبكن وإنكن لأحب الناس إلي؟

ص 286

وأي وأي..... هذه القصص وأمثالها - التي حيكت حول الرسول (صلى الله عليه وآله)، وأخرجوها على شكل حديث صحيح، وتناقلوها عبر قرون متمادية - فإنها مصداق واضح لقول الشاعر: إذا كان رب البيت بالدف مولعا * فشيمة أهل البيت كلهم الرقص ولكن الحق والحق أقول: وما آفة الأخبار إلا رواتها. البراهين القطعية تفند صحة الأحاديث: فلو رجعت - أيها المطالع البصير - إلى المواضيع التي أسلفنا ذكرها في أول بحثنا حول الأنبياء عامة ورسول الله (صلى الله عليه وآله) خاصة، وبرهنا بالآيات والأحاديث الصحيحة، على إثبات زيف هذه الأحاديث وجعليتها، ولرأيت أن سيرة الرسول قبل بعثته التي تطرقنا إليها بالأجمال هي الأخرى تدل على بطلان صحة هذه الأحاديث الموضوعة، واستنكرت هذه الأباطيل التي نسبت إليه (صلى الله عليه وآله). ولكي يتجلى اختلاقية هذه الأحاديث التي دلست ونسبت إلى النبي (صلى الله عليه وآله) أكثر وضوحا، نذكر لك بعض الأحاديث الأخرى التي تشير إلى سيرة الرسول (صلى الله عليه وآله)، وأهمية المساجد في الإسلام، ونتطرق أيضا إلى سرد بعض الروايات المروية في حرمة الغناء، وحرمة النظر إلى الأجانب والأجنبيات، في مصادر العامة المعتمدة عليها والمعتبرة عندهم في هذه المسألة. حول الرسول (صلى الله عليه وآله): روي في المصادر التاريخية المعتبرة عن محمد بن الحنفية عن أبيه الإمام علي (عليه السلام قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يعملون به غير مرتين، كل ذلك يحول الله تعالى بيني وبين ما أريد من ذلك، ثم ما هممت بسوء حتى أكرمني الله برسالته. قلت ليلة لغلام من قريش كان يرعى معي بأعلى مكة: لو أبصرت لي غنمي حتى،

ص 287

أدخل مكة، فأسمر بها كما يسمر الشباب، فخرجت أريد ذلك حتى إذا جئت أول دار من دور مكة سمعت عزفا بالدف والمزامير. فقلت: ما هذا؟ قالوا: هذا فلان تزوج ابنة فلان. فجلست أنظر إليهم، فضرب الله على أذني فنمت، فما أيقظني إلا مس الشمس، فرجعت إلى صاحبي فقال: ما فعلت؟ فقلت: ما صنعت شيئا، ثم أخبرته الخبر. ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك، فقال: افعل. فخرجت فسمعت حين دخلت مكة مثل ما سمعت حين دخلتها تلك الليلة، فجلست أنظر فضرب الله على أذني، فما أيقظني إلا مس الشمس، فرجعت إلى صاحبي فأخبرته الخبر. ثم ما هممت بعدها بسوء حتى أكرمني الله برسالته (1). أقول: إن هذا النبي الذي حضي في صغره بألطاف وعنايات ربانية، ومنع بالفعل عن الاشتراك في مجالس اللهو، ولم يخطر على باله ولو للحظة واحدة أن يشارك أهل الجاهلية في عملهم، فكيف به بعد أن نال رتبة النبوة وبعث رسولا وهو يشرف على الشيب أن يغير سيرته، فيشترك في حفلات النساء وتخدمه العروس الشابة، ويدعو زوجته لمشاهدة الأجانب؟ أليست هذه الأعمال من تراث الجاهلية وعاداتها؟ أليست هذه الأعمال قد منعت شرعا، وجاء تحريمها في الإسلام وعلى لسان النبي الكريم (صلى الله عليه وآله)؟ الغناء في القرآن: ثمة آيات عديدة ومتظافرة تدل دلالة واضحة على حرمة الغناء والموسيقى، وقد أشار إلى ذلك المفسرون، نذكر منها ثلاث آيات على سبيل التمثيل لا الحصر: 1 - قوله تعالى: (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل به عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مبين) (2).

(هامش)

(1) مستدرك الصحيحين 4: 245 كتاب التوبة والانابة، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 13: 207، تاريخ الطبري 2: 279، الكامل في التاريخ لابن أثير 2: 38، البداية والنهاية 2: 287، السيرة الحلبية 1: 122. (2) لقمان: 6. (*)

ص 288

سئل ابن مسعود عن قوله تعالى: (لهو الحديث)، فقال: الغناء والله الذي لا إله إلا هو - يرددها ثلاثا -. وورد أيضا تفسير لهو الحديث بالغناء عن: ابن عباس، ابن عمر، عكرمة، سعيد بن جبير، مجاهد، مكحول، ميمون بن مهران، قتادة، النخعي، عطاء والحسن البصري (1). 2 - قوله تعالى: (واستفزز من استطعت منهم بصوتك) (2). قال ابن عباس ومجاهد: المراد من صوت الشيطان هو الغناء وآلاته (3). 3 - قوله تعالى: (أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون) (4). عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال عقيب الآية: أن المراد من سامدون هو الغناء والتغني. وذلك لأن سمد في لغة بني حمير هو الغناء، يقولون: سمد لنا أي غنى لنا (5).

 الغناء في السنة:

 وأما الروايات الدالة على حرمة الغناء فهي متواترة ومتظافرة أيضا نكتفي بذكر بعضها على سبيل المثال:

(هامش)

(1) تفسير الطبري 21: 39 - 41، تفسير القرطبي 14: 51 - 53، تفسير القرآن العظيم لابن كثير 3: 450 - 451، تفسير الدر المنثور 5: 159 - 160، إرشاد الساري 9: 171. (2) الإسراء: 66. (3) تفسير الطبري 15: 81، تفسير القرطبي 10: 288، تفسير ابن كثير 3: 49، تفسير الآلوسي 15: 111. (4) النجم: 60. (5) تفسير الطبري 28: 48، تفسير القرطبي 17: 122، تفسير ابن كثير 4: 260، تفسير الدر المنثور 6: 132. (*)

ص 289

1 - عن أبي موسى الأشعري مرفوعا: من استمع إلى صوت غناء، لم يؤذن له أن يستمع الروحانيين. فقيل: ومن الروحانيون يا رسول الله؟ قال (صلى الله عليه وآله): قراء أهل الجنة (1). 2 - عن علي (عليه السلام) مرفوعا: تمسخ طائفة من أمتي قردة، وطائفة خنازير، ويخسف بطائفة، ويرسل على طائفة الريح العقيم، بأنهم شربوا الخمر ولبسوا الحرير واتخذوا القيان وضربوا بالدفوف (2). 3 - عن أنس مرفوعا: بعثني الله رحمة وهدى للعالمين وبعثني بمحق المعازف والمزامير وأمر الجاهلية (3). 4 - روى ابن ماجة في سننه عن مجاهد: كنت مع ابن عمر فسمع صوت طبل، فأدخل إصبعيه في أذنيه. ثم تنحى. حتى فعل ذلك ثلاث مرات. ثم قال: هكذا فعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) (4). وقريب منه رواه أبي داود في سننه (5). هذه كانت خلاصة ما ورد في ذم الغناء وحرمته من الآيات والروايات. ولكن سؤال يطرح: إن مثل هذا الرسول الذي نزلت عليه هذه الآيات، وجاء بسنة تحرم الغناء، وهو القائل: من يستمع الغناء يحرم من صوت قراء الجنة، وإن استماع الغناء والتغني سبب لمسخ الفضائل الإنسانية، وتراه يسد أذنيه بإصبعيه بمجرد أن يطرق أذنه صوت الغناء، ويتنحى عن ذاك المكان بسرعة. فهل يعقل لمثل هذا الرسول أن يسمح للفتيات بالغناء، وضرب الدف في داره، بحيث لو أراد أحد أن يصدهن عن ذلك يمنعه ويقول: دعهن وشأنهن؟

(هامش)

(1) تفسير القرطبي 14: 54. (2) تفسير الدر المنثور 2: 324. (3) المصدر: ص 323. (4) سنن ابن ماجة 1: 613 كتاب النكاح باب (21) باب الغناء والدف ح 1901. (5) سنن أبي داود 4: 281 كتاب الأدب باب كراهية الغناء والزمر ح 4924. (*)

ص 290

حول المساجد: للمساجد في الإسلام شأن كبير ومقام رفيع وأهمية قصوى، وأية بقعة في الأرض أطلق عليها اسم المسجد يحرم على المسلمين تنجيسه، والمكث فيه جنبا، والقيام بأي عمل ينافي حرمة المسجدية. ولقد شرع رسول الله (صلى الله عليه وآله) أحكاما في المساجد مما تدل على رفعة شأنها وأهميتها: 1 - قال (صلى الله عليه وآله): جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وشراركم وبيعكم وخصوماتكم ورفع أصواتكم وإقامة حدودكم وسل سيوفكم (1). والمراد من ذلك تمكين هؤلاء من المسجد، وأما جلب الأطفال إلى المساجد لتعويدهم على العبادة ومراقبتهم فليس فيه منع، بل إنه مستحسن وإنه من أصول التعليم والإرشاد. 2 - وفي مراعاة حرمة المساجد قال (صلى الله عليه وآله): من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد، فليقل: لا أداها الله إليك، فإن المساجد لم تبن لذلك (2). 3 - وقال (صلى الله عليه وآله): إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين (3).

(هامش)

(1) سنن ابن ماجة 1: 247 كتاب المساجد والجماعات باب (5) باب ما يكره في المساجد ح 750. (2) سنن أبي داود 1: 128 كتاب الصلاة باب في كراهية إنشاد الضالة في المسجد ح 473، السنن الكبرى للبيهقي 2: 447 كتاب الصلاة باب كراهية إنشاد الضالة في المسجد... (3) صحيح البخاري 1: 121 كتاب الصلاة باب إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين، وج 2: 70 كتاب الصلاة باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى، صحيح مسلم 1: 495 كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب (11) باب استحباب تحية المسجد بركعتين... ح 69 - 70، سنن الترمذي 2: 129 كتاب الصلاة باب (233) باب إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين ح 316. (*)

ص 291

مسجد النبي (صلى الله عليه وآله): هذه الأحاديث التي ذكرناها ومئات غيرها، كلها تبين مكانة المسجد بشكل عام في شتى بلاد العالم، وأما مكانة مسجد النبي (صلى الله عليه وآله)، فإنه يمتاز على غيره بكثرة الفضيلة والقداسة وأن بعض المذاهب الإسلامية يعتبرون أن مسجد النبي (صلى الله عليه وآله) هو ثاني مساجد المسلمين بعد المسجد الحرام من حيث المكانة والفضيلة، وهناك مذاهب أخرى تعتقد بأن مكانة المسجد النبوي أجل وأرفع شأنا حتى من المسجد الحرام (1). ولهذه القداسة والفضيلة نقرأ في تاريخ حياة النبي (صلى الله عليه وآله) أن الرسول (صلى الله عليه وآله) كان يقضي أوقات مناجاته مع الله ونفحات الدعاء في مسجده الذي هو أشرف بقاع الأرض، والذي كان ينزل فيه جبرئيل على النبي بالوحي الإلهي، حتى أنه كان له ورد خاص ودعاء خاص حين دخول المسجد وعند الخروج منه. روى الترمذي بإسناده عن فاطمة بنت الحسين (2) عن فاطمة الزهراء بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) قالت: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا دخل المسجد صلى على محمد وآله وسلم وقال: رب اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج صلى على محمد وآله وسلم وقال: رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك (3). وأخرج البخاري أن النبي إذا قدم من سفر دخل المسجد وصلى ركعتين ثم يدخل داره (4).. وإذا عرفت أيها القارئ الكريم أحكام المساجد ومكانتها وخاصة مسجد

(هامش)

(1) الفقه على المذاهب الأربعة 1: 284 - 291 كتاب الصلاة باب ما يكره فعله في المساجد وما لا يكره. (2) هي فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمية، وزوجها هو ابن عمها الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب الهاشمي. (3) سنن الترمذي 2: 127 كتاب الصلاة باب (234) ما يقول عند دخول المسجد ح 314. (4) صحيح البخاري 4: 94 كتاب الجهاد والسير باب الصلاة إذا قدم من سفر. (*)

ص 292

النبي (صلى الله عليه وآله) من خلال مطالعتك للأحاديث التي مرت عليك، فهل يعقل أن سيد المرسلين (صلى الله عليه وآله) يسمح للأحباش أن يشتغلوا بالرقص واللعب في فناء مسجده؟ فيا ترى أن النبي الذي خص دعاء مأثورا - احتراما لكيان المسجد - لدخوله والخروج منه، هل يسمح لأحد أن يعلن في المسجد بفقد ضالة له؟ هذا النبي (صلى الله عليه وآله) الذي أمر الناس بإقامة ركعتي صلاة التحية في المسجد إجلالا للمسجد وحفظا لقداسته ومكانته، ومنع الأطفال والمجانين والأشرار الذين يخلون بنظم المسجد ولا يراعون آداب المسجد من دخولهم المساجد، و... و.... فهل من عاقل يعقل ويقبل بأن حفلة رقص وأعمال الشعبذة أقيمت في هذا المسجد الذي هو انبل بقاع الأرض شرفا وأعلاها كرامة والنبي (صلى الله عليه وآله) يقف متفرجا عليهم بل ويحث الرقاصين على فعلهم ويشجعهم بقوله: (دونكم يا بني أرفدة)، حتى إذا أراد أحد مثل الخليفة أبي بكر أو عمر أن يصدهم عن الرقص واللعب ويحثو في وجوههم حصب المسجد ينهاه النبي. ويقول له: دعهم يا... وشأنهم؟ النظر إلى الأجنبي والأجنبية: نظر الرجل إلى المرأة الأجنبية ونظر المرأة إلى الرجل الأجنبي من المسائل التي حرمها الدين الإسلامي، وهذه من الأمور الفطرية التي لا يحتاج إثباتها إلى آية أو حديث، ومع هذا الوضوح البين نورد لك - أيها القارئ - حديثين استخرجناهما من كتب العامة ومصادرهم المعتبرة: 1 - أخرج السيوطي في تفسيره عن سنن أبي داود (1) والترمذي (2) والنسائي (3)

(هامش)

(1) سنن أبي داود 4: 63 كتاب اللباس باب في قوله تعالى: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن) ح 4112. (2) سنن الترمذي 5: 94 كتاب الأدب باب (29) باب ما جاء في احتجاب النساء من الرجال ح 2778. (3) السنن الكبرى للنسائي 5: 393 كتاب عشرة النساء باب (108) نظر النساء الأعمى = (*)

ص 293

والبيهقي (1) بسندهم عن أم سلمة قالت: كنت وميمونة عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذ أقبل ابن أم مكتوم فدخل عليه، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): احتجبا عنه. فقالت أم سلمة: قلت: يا رسول الله أليس هو أعمى لا يبصرنا؟ فقال (صلى الله عليه وآله): أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه؟!! (2) 2 - أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما، أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: إياكم والدخول على النساء. فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أفرأيت الحمو - زوجة الأخ -...؟ قال (صلى الله عليه وآله): الحمو الموت (3)، لعل الحماة تكون سببا في الانزلاق إلى المعاصي والذنوب. فأنت - أيها المطالع العزيز - بإمكانك بعد التمعن في أهمية هذا الموضوع، ومعرفة حرمة النظر إلى الأجنبي أو الأجنبية، أن تقيم هذه الأحاديث المزورة على النبي (صلى الله عليه وآله) بأنه كان يجتمع مع النساء في حفلات العرس، والعروس بنفسها تقوم بخدمته وخدمة الرجال، أو أنه كان يشجع زوجته الشابة - عائشة بنت أبي بكر - ويدعوها للتفرج على الرقاصين. فهل هذه القضايا الملفقة على النبي تبدو صحيحة؟ بينما تراه هو الذي أمر زوجيه العجوزتان أم سلمة وميمونة أن تحتجبا حتى عن رجل ضرير وأعمى حتى لا تقع عينيهما عليه وإن كان هو لا يراهما.؟؟!! هذا النبي الذي ينهى المسلمين أن يدخلوا على النساء الأجنبيات حتى ولو كن حماة لهم، ويمنعهم من أن يتوسطونهن، كيف يسوغ لنفسه أن يتوسط النساء في حفلاتهن؟ أو يبيح للعروس وهي في ليلة زفافها أن تخدمه وتخدم أصحابه الكرام؟!!

(هامش)

= ح 9241 / 1. (1) السنن الكبرى للبيهقي 7: 91 كتاب النكاح باب مساواة المرأة الرجل في حكم الحجاب والنظر إلى الأجانب. (2) تفسير الدر المنثور للسيوطي 5: 42. (3) صحيح البخاري 7: 48 كتاب النكاح باب لا يخلون رجل بامرأة إلا ذو محرم،... صحيح مسلم 4: 1711 كتاب السلام باب (8) باب تحريم الخلوة بالأجنبية والدخول عليها. (*)

ص 294

عائشة تلعب بالنبات عند الرسول (صلى الله عليه وآله): جاءت أحاديث عديدة في كتب أهل السنة تؤكد النهي القاطع عن التماثيل وصناعتها، وهذه الأحاديث داحضة للحديث المشهور عندهم بأن عائشة كانت تلعب بالنبات بمرأى من النبي (صلى الله عليه وآله). ولكي تقف على حقيقة التزييف في أحاديث عائشة نورد بعضها: 1 - أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما بسندهما عن ابن عباس، عن أبي طلحة قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله): لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا تصاوير (1). 2 - وانفرد البخاري بالتخريج بسنده عن الأعمش، عن مسلم قال: كنا مع مسروق في دار يسار بن نمير فرأى في صفته تماثيل فقال: سمعت عبد الله قال: سمعت النبي (صلى الله عليه وآله) يقول: إن أشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة المصورون (2). 3 - وأخرجا معا بإسنادهما عن عائشة أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير، فقام النبي (صلى الله عليه وآله) بالباب فلم يدخل، فقلت: أتوب مما أذنبت. قال (صلى الله عليه وآله): ما هذه النمرقة؟ قلت: لتجلس عليها وتوسدها. قال (صلى الله عليه وآله): إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم، وإن الملائكة لا تدخل بيتا فيه الصورة (3).

(هامش)

(1) صحيح البخاري 7: 214 كتاب اللباس باب التصاوير، صحيح مسلم 3: 1665 كتاب اللباس والزينة باب (26) باب لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب وصورة ح 84. (2) صحيح البخاري 7: 215 كتاب اللباس باب عذاب المصورين يوم القيامة، صحيح مسلم 3: 1670 كتاب اللباس والزينة باب (26) باب تحريم تصوير صورة الحيوان وأن الملائكة لا تدخل... ح 98 - 90. (3) صحيح البخاري 3: 83 كتاب البيوع باب التجارة فيما يكره لبسه للرجال والنساء، وج 7: 216 كتاب اللباس باب من كره القعود على الصورة وباب لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة، صحيح مسلم 3: 1669 كتاب اللباس والزينة باب (26) باب لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة ح 96. (*)

ص 295

وأخيرا أيها القارئ النبيه، ماذا تقول في نبي قال: إن ملائكة الرحمة لا تدخل بيتا فيه التماثيل والصور، وقال: إن المصورون الذين يصنعون التماثيل هم أشد الناس عذابا يوم القيامة، وأن هذا النبي الذي رأى صورا على نمارق في بيته فأبى أن يدخله فهل يصح لهذا النبي أن يجيز لزوجه أن تمتلك بناتا وتلعب بهن، ويجلس هو شاهدا على حضور بنات الجيران في بيته، وهن يلعبن مع زوجته بهذه المجسمات والتماثيل؟ أسباب جعل هذه الأحاديث وهكذا فرغنا من سرد مجموعة كبيرة من آيات القرآن الكريم والروايات التي تفند وتدحض الأحاديث المدسوسة في كتب أهل السنة والتي تكيل الأكاذيب والافتراءات التي لفقت على النبي (صلى الله عليه وآله).

 والآن نقف معا على معرفة الدواعي والأسباب لجعل هذه الأحاديث والأكاذيب حتى ينكشف الغل والغش أكثر وضوحا، ويتعرف القارئ على أحاديث أهل السنة المترامية في كتبهم، حسب ما تسمح لنا ظروف كتابنا. ونذكر من بين جميع العلل والأسباب والدواعي ثلاثة منها فقط:

 1 - تبرير الفساد الخلقي في البلاط الخليفي:

 عندما يدرس الواحد منا التاريخ دراسة متقنة ودقيقة، يعرف أن الحكومات التي تسلطت على رقاب المسلمين وخاصة منذ خلافة عثمان كانت تعيش فسادا أخلاقيا وانهيارا دينيا كبيرا، وأن الزمرة التي تشكل منهم بلاط الحكم وتقلدوا أكثر المناصب وإمارة الولايات هم في الغالب من المنتسبين لعثمان الخليفة، الذين لم يتورعوا من الولوج في أي عمل فاسد ومخالف لأصول الدين والأخلاق. وما كانوا يمتنعون من ذلك حتى طغت عليهم الملاهي بشكل ملحوظ، من معاقرة الخمور وتعاطيها وسهرات الطرب والغناء بحيث شاع الالتهاء بالطرب والغناء في أكثر البلاد الإسلامية خاصة مكة والمدينة اللتان تعتبران أهم مدن الإسلام، ومنهما انتقلت إلى سائر المدن الأخرى. ولما كانت الطغمة الحاكمة وبلاط الخلافة تحكم باسم الدين والشريعة، وترى

ص 296

نفسها ممثلا ونائبا عن المتقلد خلافة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وحيث كانت تتظاهر بتلك الأمور وهم خلف الستار ملتهون بالعيش المرفه ويستمتعون بالبذخ ومجالس الإنس والطرب وحفلات معاقرة الخمور والتشدق بها، فلذلك رأت أن تتذرع بخلق أخبار مفتراة وأحاديث مختلقة وينسبونها إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) تحجيما لمقامه وتصغيرا لشأنه حتى تبرر أعمالها وجرائمها التي كانت تمارسها. وهكذا خدشوا شخصية النبي (صلى الله عليه وآله) وطعنوا فيها وأنزلوها إلى أدنى مرتبة لكي تسنح لهم الأمور، ويتقبلهم المسلمون من دون خلاف. فعلى هذا فإذا كان النبي (صلى الله عليه وآله) يشترك في الحفلات النسائية ويسمع الغناء، بل ويشجع الجواري على ذلك، أو أنه يدعو زوجته الشابة لمشاهدة حفلات رقص الرجال، أو يحضر هو وأصحابه الأعراس وتقوم العروس بنفسها بخدمته واستقباله و.... فما المانع من أن يشترك خلفاؤه وممثلو الخليفة في مجالس الأنس والطرب الليلية وينصتوا إلى أصوات المغنيات؟ وهذه الأمور التي نسبوها إلى النبي (صلى الله عليه وآله) تفتح باب الفساد الخلقي والتكييف بالأهواء لهؤلاء الهواة على مصراعيه، وذلك مع حرصهم على التصدي للزعامة وزمام المسلمين. فهذه المفتريات على النبي تسد أفواه الرجال الذين يشجبون هذه المناكير ويحتجون على فاعلها لأن بزعمهم الرسول كان كذلك - حاشاه (صلى الله عليه وآله) -. صور من مناكير بلاط الخليفة: بالرغم من المحاولات التي قام بها المحدثون والمؤرخون لإخفاء مساوئ أصحاب رسول الله ومخازيهم، ويستروا معايب الخلفاء والأمراء، ويعتموا على نقاط ضعفهم، فإن بعض الهفوات والنقاط التي تحكي هذه المخازي قد تسربت منهم ووصلت إلينا.

ص 297

ونستعرض لك - أيها القارئ النبيه - نماذجا وصورا مما نقلته كتب الحديث والتاريخ، والتي تعطيك لمحة واضحة وصورة كاشفة عن الأوضاع السائدة في عهد ذي النورين عثمان ومعاوية. 1 - ظهر في عهد عثمان ومعاوية عشرات المغنين والمطربين، كابن سيحان، طويس، ابن عائشة، ذي الأصبع، وسائب خاثر و... و... ويمكنك أن تعبر عنهم بمغنيي ومطربي البلاط الخليفي، إذ أنهم كانوا مخصوصين بالبلاط أو بذات الخليفة (1). 2 - قال أبو الفرج الاصفهاني في ترجمة ابن سيحان المطرب المعروف: وهو أحد المعاقرين للشراب والمحدودين فيه وكان مع بني أمية كواحد منهم، إلا أن اختصاصه بآل أبي سفيان وآل عثمان خاصة كان أكثر، الوليد بن عثمان ابن الخليفة ومؤانسته إياه أكثر من سائرهم لأنهما كانا يتنادمان على الشراب. وقال: كان الوليد بن عثمان يشرب مع الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وابن سيحان، وكان يخمر، فأصابه من ذلك شيء شديد حتى خيف عليه، وشق النساء عليه الجيوب، فدعي له ابن سيحان، فلما رآه قال: اخرجن عني وعن أخي، فخرجن فقال له: الصبوح يا أبا عبد الله - أي حان وقت شراب الصبح -. فجلس مفيقا. فذلك حيث يقول ابن سيحان: بأبي الوليد وأم نفسي كلما * بدت النجوم ودر قرن الشارق (2) 3 - روى أبو الفرج أيضا قصة مجالسة معاوية مع ابنه يزيد وسائب خاثر المغني المعروف بالمدينة ثم أوصى ابنه يزيد أن يكثر بره وصلته لسائب خاثر، ولا تفوته مجالسته، وهكذا روى: بأن أشرف معاوية على منزل يزيد ابنه فسمع صوتا أعجبه، واستخفه السماع فاستمع قائما حتى مل، ثم دعا بكرسي فجلس عليه واشتهى الزيادة

(هامش)

(1) راجع ترجمتهم في موسوعة الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني الأجزاء 1 و2 و3. (2) الأغاني 2: 243 و244. (*)

ص 298

فاستمع بقية ليلته حتى مل، فلما أصبح غدا عليه يزيد فقال له: يا بني من كان جليسك البارحة؟ قال: سائب خاثر. قال: فاخثر له يا بني من برك وصلتك فما رأيت بمجالسته بأسا (1). 4 - ويروي كذلك عن ابن الكلبي يقول: قدم معاوية المدينة في بعض ما كان يقدم، فأمر حاجبه بالأذن للناس. فخرج الآذن ثم رجع فقال: ما بالباب أحد. فقال معاوية: وأين الناس؟ قال: عند أبي جعفر، فدعا ببغلته فركبها ثم توجه إليهم، فلما جلس فغنى سائب خاثر فسمع منه معاوية وطرب، وأصغى له حتى سكت وهو مستحسن لذلك (2). 5 - أخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده عن عبد الله بن بريدة قال: دخلت أنا وأبي على معاوية فأجلسنا على الفرش، ثم أتينا بالطعام فأكلنا، ثم أتينا بالشراب فشرب معاوية، ثم ناول أبي ثم قال: ما شربته منذ حرمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) (3). 6 - روى المسعودي في تاريخه: وغلب على أصحاب يزيد بن معاوية وعماله ما كان يفعله من الفسوق، وفي أيامه ظهر الغناء بمكة والمدينة واستعملت الملاهي وأظهر الناس شرب الشراب (4). 7 - روى أحمد بن حنبل: أن الوليد بن عقبة - والي عثمان على الكوفة وأخوه من أمه - كان معاقرا ومدمنا للشراب، ومولعا بالزنا ومشهورا بذلك، فشرب الخمر ليلة ودخل المسجد ليؤم الناس لصلاة الصبح، فصلى بهم أربعا ثم التفت إلى المأمومين فقال: هلا أزيدكم؟ حتى إنه كان في الصلاة - الكذائية - فأنشد أبياتا عشقية قال: علق القلب الربابا * بعد ما شابت وشابا

(هامش)

(1 و2) الأغاني 8: 324. (3) مسند أحمد بن حنبل 5: 347. (4) مروج الذهب 3: 77. (*)

ص 299

ومن ثم تقيأ في محرابه، فوصل خبره هذا إلى أخيه الخليفة عثمان في مركز الخلافة الإسلامية، فأمر أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب أن يجري عليه الحد، بمحضر من أخيه الخليفة عثمان. فلما تولى سعيد بن العاص إمارة الكوفة من بعده أبى سعيد أن يصعد المنبر إلا أن يغسل ويطهر، لأنه قد صعده الوليد الفاسق والنجس (1). نعم، فما دام ابن الخليفة - الوليد بن عثمان - يروم السهرات معاقرا الشراب والطرب، أو أخ الخليفة - الوليد بن عقبة - وواليه على الكوفة يؤم الناس في صلاة الصبح وهو سكران وأن الخليفة ذاته - معاوية - في مركز الدولة الإسلامية ومهبط الوحي وعند المسجد النبوي يحضر مجالس السمر والطرب، ويصغي إلى صوت المغني ويطرب به، ويشرب الشراب على مائدته ويدعو ضيفه إلى أخذ نخب من الخمر وما دام هذا هو دأب الخلفاء وبلاطهم وذويهم، حيث يأتون بالمنكرات على مرأى من الناس فلا سبيل إلى توجيه وتبرير هذه المخازي - وتلطيف الرأي العام لقبول هذه المساوئ - إلا لبس الفرو مقلوبا واتهام الرسول (صلى الله عليه وآله) والافتراء عليه بمثل ما هم يعملون حتى يتلقى الناس فعلهم بالمشروعية، وإليك - أيها القارئ - بعض المفتريات على النبي (صلى الله عليه وآله) لكي يبرروا معاقرتهم للخمر: إهداء الشراب إلى النبي (صلى الله عليه وآله): عند ما كنت أقوم بدراسة المفتريات التي حيكت ضد النبي (صلى الله عليه وآله) تأملت في السياسة التي اتخذها الخلفاء، ومن ناحية أخرى كنت أفكر في السبب لتفشي الخمر ومعاقرته وشربه بين الزمرة الحاكمة آنذاك، فبدرت إلي فكرة لا بد أنهم أباحوا كل ذلك بعد أن اختلقوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) في هذا المجال كما هو دأبهم - في جعل الحديث - حديثا ينسبون إليه شرب الخمر!!

(هامش)

(1) مسند أحمد بن حنبل 1: 144، أنساب الأشراف للبلاذري 5: 33، مروج الذهب للمسعودي 2: 344 - 346، الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني 5: 126. (*)

ص 300

ولذلك قمنا بالفحص والتنقيب في كتبهم الحديثية حتى تمكنا من العثور على حديث في هذا المجال يرويه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده، وعرفنا أن النبي (صلى الله عليه وآله) لم ينج من هذه الفرية والتهمة أيضا، ولكن وضاعي الحديث والدساسين لما وجدوا أن أكذوبتهم بأن الرسول (صلى الله عليه وآله) قد عاقر الخمر في أواخر حياته لم تتفق مع الآيات المحكمة الصريحة التي نزلت بشأن تحريم الخمر، لذلك تراهم نسبوا الفرية لرسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى عهد ما قبل التحريم. ورووا عن نافع بن كيسان أنه قال: إن أباه كيسان أخبره أنه كان يتجر في الخمر في زمن النبي (صلى الله عليه وآله)، وإنه أقبل من الشام ومعه خمر في الزقاق يريد بها التجارة، فأتى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال: يا رسول الله جئتك بشراب جيد، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا كيسان إنها حرمت بعدك (1). هذا ما رووه في مجال معاقرة النبي (صلى الله عليه وآله) الخمر وافتروا عليه ذلك بأسلوب رزين ودقيق!! تبريرا لما كانوا يتسامرون ويتعاطون الخمر. وربما نوافيك في الفصول القادمة أيضا ببعض الأخبار المدسوسة على رسول الله (صلى الله عليه وآله).

 2 - تضخيم دور عائشة

 أما السبب الآخر في الافتراء وجعل الأكاذيب ونسبتها إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله هو تضخيم دور عائشة، ونفوذها وتقويته، وذلك لأنه وقعت في أيامها حوادث وقضايا كبيرة، مثل قتل الخليفة عثمان ذي النورين في عقر داره، ونشوب حرب كبرى فرضتها على خليفة آخر راح ضحيتها آلاف المسلمين، ولا يكون لها شبيه في تاريخ الإسلام (2)، وكان المحرك الأول من وراء هذه الحوادث هو عائشة بنت أبي بكر وزوجة

(هامش)

(1) مسند أحمد بن حنبل 4: 335. (2) ذكر ابن عبد ربه في العقد الفريد أن عدد قتلى واقعة الجمل 25000 مسلم. وزاد اليعقوبي على 300000 مسلم، بينما نلاحظ أن عدد قتلى المسلمين في جميع حروبهم إلى قبل اندلاع هذه الواقعة لم يصل إلى عدد قتلى هذه الواقعة، ولمزيد الاطلاع على نتائج هذه الواقعة راجع كتاب عائشة على عهد علي. (*)

ص 301

النبي (صلى الله عليه وآله)!!. أفترى إن قيادة واقعة الجمل وسائر الحوادث، والأفتاء بقتل الخليفة (1) وانقياد الناس لهذه القيادة والتزامهم بأوامرها، وفتح جبهة أخرى ضد إمام عصرها أي الخليفة الحق أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فهل كل هذه الأمور تستدعي أن تضخم شخصية عائشة وموقعها عند الناس، إلى حد بحيث إذا أمرت بشيء كان لأمرها التأثير الكبير في نفوس المسلمين، ويتلقوا أمرها فريضة دينية، والدفاع عن عائشة وحمايتها جهاد في سبيل الله؟ وهكذا ترفعوا في تضخيم شخصية عائشة وعظموا شأنها بحيث اختفت مخالفتها لصريح القرآن وأمره (2)، ومعاندتها لأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) (3) خلف أستار هذا التضخيم، حتى أن برؤوها وعملها عن النقد والمؤاخذة... وأفضل ذريعة تمسكوا بها في هذا المجال هو أن يصوروا لعائشة صورة مضخمة، ويرسموا شخصيتها مكبرة بحيث قالوا: إن النبي (صلى الله عليه وآله) كان ينقاد لها، وكان يتحمل الصعاب والمتاعب في سبيل رغباتها، وكان يقف لتضع عائشة رأسها على كتفه لتتفرج على رقص الأحباش، وأنه لم يكشف عن تعبه حتى تمل هي وتنزل!! وإن دل هذا على شيء فإنه يدل على أنهم يريدون بذلك إبراز العلاقة الشديدة عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالنسبة إلى عائشة، وكان يسعى أن يلبي رغباتها ولم يبرز أي نوع من الضجر والملل، حتى وإن بلغت ثمانية عشر عاما فإنها كانت تلعب بالبنات، ولكي يطيب قلبها ويرضيها فكان يدعو الجواري ويشجعهن على اللعب مع عائشة.

(هامش)

(1) الفتوى التاريخية التي أصدرتها أم المؤمنين عائشة إذ أعلنت على الملأ بأن عثمان قد كفر، وخرج عن الدين، وارتد بعد إسلامه، فلا بد من قتله وإعدامه، وهذه الفتوى هو قولها: اقتلوا نعثلا فقد كفر. وسيأتيك فيما بعد مصدر هذه الفتوى، فراجع. (2) قال تعالى مخاطبا نساء النبي: (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى). الأحزاب: 33. (3) راجع كتب الحديث والتاريخ والعقائد فيما ورد الكلام حول حرب الجمل وخروج عائشة محاربة خليفة رسول الله علي بن أبي طالب (عليه السلام). (*)

ص 302

وبناءا على هذه الأمور فلا يحق لأي أحد أن ينتقدها ويشجب أعمالها، خاصة بالنسبة إلى فتواها في قتل الخليفة: اقتلوا نعثلا فقد كفر (1)، إذ أنها حكمت على عثمان بالارتداد والتهور، فلذلك يجب إعدامه، وما كان أحد يتردد فيما قالته عائشة ورأته، أو يبدي معارضته لرأيها. وبعد فترة من الزمن - وبعد أن تم العمل بفتوى عائشة بقتل عثمان - تغيرت الأمور على عكس هواها فنهضت ثائرة لدم عثمان - الذي أفتت بكفره بالأمس - وأعلنت حربا ضد أمير المؤمنين، واستنفرت الناس بفتواها الثانية التاريخية: ألا إن عثمان قتل مظلوما فاطلبوا قتلته فإذا ظفرتم بهم فاقتلوهم (2). وبعد هذا التضخيم لشخصية عائشة هل يجوز لأحد أن يتخلف عن فتواها ولا يقاتل الإمام علي (عليه السلام)؟ فهل يحق لأحد أن يشجب حكمها ويستنكر عليها بأنك بالأمس حكمت بارتداد عثمان وفرضت قتله واليوم تطالبين بثأره؟ و... و....؟ هذا العامل الذي ذكرناه ضمن دواعي جعل الأحاديث ونسبتها إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليس أمرا يمكن دركه وفهمه من خلال التأمل في الأحاديث المذكورة فحسب بل ثمة أحاديث أخرى تدل على ذلك - تضخيم دور عائشة - بوضوح وعيان، ولكي يتضح ذلك أكثر نذكر حديثين على سبيل المثال مما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما والترمذي في سننه: 1 - أخرج الصحيحان بإسنادهما عن عائشة زوج النبي (صلى الله عليه وآله) أنها قالت: كنت أنام بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) ورجلاي في قبلته - مزاحمة لسجدته - فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي، فإذا قام بسطتهما (3).

(هامش)

(1) تاريخ الطبري 4: 477، الفتوح لابن أعثم الكوفي: 2: 225، تاريخ ابن أثير 3: 87، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2: 77، النهاية لابن أثير 4: 156. (2) الإمامة والسياسة 1: 8، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2: 499. (3) صحيح البخاري 1: 107 كتاب الصلاة باب الصلاة على الفراش وص 136 باب التطوع = (*)

ص 303

وأخرج ابن سعد في طبقاته الكبرى عن عائشة قالت: فضلت على نساء النبي (صلى الله عليه وآله) بعشر قيل: وما هن يا أم المؤمنين؟ فعددت فضائلها ثم قالت: وكان (صلى الله عليه وآله) يصلي وأنا معترضة بين يديه ولم يكن يفعل ذلك بأحد من نسائه غيري (1). نستفيد من هاتين الروايتين: أولا: إن استلقاء عائشة وتمددها أمام النبي (صلى الله عليه وآله) وهو في حال الصلاة وغمزه إياها لم يكن على سبيل الصدفة والاتفاق، بل يظهر من قول عائشة بكونه فضيلة لها دون سائر نسائه، وإن هذا العمل كانت تؤديه دائما وباستمرار، ولو كان مرة واحدة لم تكن فضيلة تفتخر بها أم المؤمنين على ضراتها. ثانيا: إن هذا الفعل يدل على إساءتها الأدب تجاه النبي (صلى الله عليه وآله) وعدم إكرامها وإجلالها للصلاة والعبادة. ومن ناحية أخرى ترى أن هذا العمل هو تنزل وتحجيم لمقام النبوة والرسالة. لأن المؤمن والملتزم يأنف أن يمزح ويتفكه وهو في الصلاة التي هي معراج المؤمن ومقام الابتهال إلى الله، ويغمز زوجته وهو في حال السجود، فكيف بخاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله)؟ والجدير بالذكر إن هذه الفرية مع انحطاط مفهومها وركاكتها، فيها إساءة أدب للنبي (صلى الله عليه وآله) حين تعتبر إحدى الفضائل التي فضلت عائشة على سائر نساء النبي (صلى الله عليه وآله) وعلاقة النبي الشديدة بعائشة! 2 - أخرج الترمذي بإسناده عن عروة، عن عائشة قالت: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) جالسا فسمعنا لغطا وصوت صبيان، فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله) فإذا حبشية تزفن والصبيان حولها. فقال: يا عائشة تعالي فانظري، فجئت فوضعت لحيي على منكب رسول الله (صلى الله عليه وآله)

(هامش)

= في خلف المرأة وص 138 باب هل يغمز الرجل امرأته عند السجود لكي يسجد، وج 2: 81 كتاب الصلاة باب ما يجوز من العمل في الصلاة، صحيح مسلم 2: 367 كتاب الصلاة باب (51) باب الاعتراض بين يدي المصلي ح 272، وسنن النسائي 2: 67 كتاب الصلاة باب الرخصة في الصلاة خلف النائم. (1) الطبقات الكبرى لابن سعد 8: 64 ترجمة عائشة. (*)

ص 304

فجعلت أنظر إليها ما بين المنكب إلى رأسه، فقال لي: أما شبعت أما شبعت؟ قالت: فجعلت أقول: لا، لأنظر منزلتي عنده إذ طلع عمر. قالت: فانفض الناس عنها قالت: فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إني لأنظر إلى شياطين الجن والإنس قد فروا من عمر قالت: فرجعت (1). وقد عرفت أيها القارئ أن هذه الرواية المزيفة والمختلقة تشير إلى نقطتين: الأولى: اختبار رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أن كم لعائشة من منزلة واحترام عنده، وقد صرحت الرواية: كلما كان يقول النبي (صلى الله عليه وآله): أما شبعت من مشاهدة الحبشية ورقصهن؟ تقول: لأمتحنه وأعرف منزلتي عنده. الثانية: اختلاق فضيلة للخليفة عمر بن الخطاب الذي فر منه الناس وتفرقوا لما رأوه قادما، حتى أن النبي يشيد بهذه الفضيلة تكريما لعمر يقول: إني لأنظر إلى شياطين الجن والإنس قد فروا من عمر.

 3 - اختلاق الفضائل للخلفاء:

 العامل الثالث لوضع هذه الافتراءات السخيفة على النبي (صلى الله عليه وآله)، وخلق هذه الخزعبلات، هو خلق فضائل للخلفاء وإظهارهم بأنهم الأفضل. ولتوضيح هذا نقول: لقد مر عليك في الجزء الأول من كتابنا (2) أن معاوية بن أبي سفيان لما تسلط على الحكم ودامت خلافته عشرون عاما ولم يكن هناك منازع له في الحكم، أسس لجنة وكلفها وضع الأحاديث لصالح الخلفاء، وأمر ولاته وعماله في أقصى البلاد إلى أقصاها أن يقرؤوها على الناس في خطب صلاة الجمعة وينشروها بينهم. ولم يدع معاوية في هذا المجال ذريعة إلا استفاد منها، واستفرغ كل ما كان في وسعه من فكر وقوى في تحقيق هذه الأمنية، حتى أن مرتزقته وعملاءه لم يهنوا لحظة من مساعدته في ذلك، فاختلقوا فضائل للخلفاء حتى ولو كانت هذه الفضائل المزيفة تودي إلى الإهانة بالرسول (صلى الله عليه وآله) وتحجيم منزلته.

(هامش)

(1) سنن الترمذي 5: 580 كتاب المناقب باب (18) باب مناقب عمر بن الخطاب ح 3691. (2) راجع ص: 51. (*)

 

الصفحة السابقة الصفحة التالية

أضواء على الصحيحين

فهرسة الكتاب

فهرس الكتب