رفع المنارة لتخريج أحاديث التوسل والزيارة

الصفحة السابقة الصفحة التالية

رفع المنارة لتخريج أحاديث التوسل والزيارة

فهرسة الكتاب

فهرس الكتب

ص 94

حديث أبي جعفر وهو غير الخطمي. ورواه من هذا الوجه ابن خزيمة في صحيحه، وأحمد في المسند (4 / 138)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (ص 417)، وابن ماجة في السنن (1 / 441)، والبخاري في التاريخ الكبير (6 / 210)، والطبراني في المعجم الكبير (9 / 19)، وفي الدعاء أيضا (2 / 1289)، والحاكم في المستدرك (1 / 313، 519) وصححه وسلمه الذهبي، والبيهقي في دلائل النبوة (6 / 166)، وفي الدعوات الكبير، وتابع حماد بن سلمة شعبة في روايته عن أبي جعفر. أخرج هذه المتابعة: النسائي في عمل اليوم والليلة (ص 417)، وأحمد في المسند (4 / 138)، والبخاري في تاريخه (9 / 209). وقد اتفق شعبة وحماد بن سلمة على أن شيخ أبي جعفر هو عمارة بن خزيمة بن ثابت. بينما خالفهما هشام الدستوائي وروح بن القاسم. قال النسائي في عمل اليوم والليلة (ص 418): خالفهما هشام الدستوائي وروح بن القاسم، فقالا عن أبي جعفر عمير بن يزيد بن خماشة عن أبي أمامة بن سهل عن عثمان بن حنيف. ا ه‍. قلت: حديث هشام الدستوائي أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة (ص 418)، والبخاري في التاريخ الكبير (6 / 210)، والبيهقي في دلائل النبوة (6 / 168). وأما حديث روح بن القاسم فأخرجه البخاري في التاريخ الكبير

ص 95

(6 / 210)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (ص 209)، والطبراني في المعجم الكبير (1 / 17)، وفي الصغير وصححه (1 / 183) وفي الدعاء (2 / 1288)، والحاكم في المستدرك (1 / 526)، والبيهقي في دلائل النبوة (6 / 167 - 168). قلت: هذا إسناد صحيح، وقد صححه غير واحد من الحفاظ وقد تقدم منهم الترمذي والطبراني وابن خزيمة والحاكم والذهبي. وأبو جعفر: هو الخطمي عمير بن يزيد بن عمير بن خماشة المدني، كما نص على ذلك النسائي في عمل اليوم والليلة، وقد وقع التصريح بالخطمي عند أحمد، وبالمديني عند أحمد أيضا وابن ماجة والحاكم والبيهقي، وبالخطمي المدني عند الطبراني وابن السني، فلا تلتفت لتشغيب الشيخ بشير السهسواني رحمه الله تعالى في صيانة الإنسان (ص 125 - 127)، فإنه مما لا فائدة فيه. وقد جاءت زيادة موقوفة عن المرفوع، قال الطبراني في المعجم الصغير (1 / 184): حدثنا طاهر بن عيسى بن قيرس المقري المصري التميمي، حدثنا أصبغ بن الفرج، حدثنا عبد الله بن وهب عن شبيب بن سعيد المكي، عن روح بن القاسم، عن أبي جعفر الخطمي المدني، عن أبي أمامة ابن سهل بن حنيف، عن عمه عثمان بن حنيف: (أن رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه في حاجة له، فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته، فلقي عثمان بن حنيف فشكا ذلك إليه، فقال له عثمان بن حنيف ائت

ص 96

الميضاة فتوضأ ثم ائت المسجد فصل فيه ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك (ربي) جل وعز فيقضي لي حاجتي، وتذكر حاجتك. ورح إلى حتى أروح معك. فانطلق الرجل فصنع ما قال له عثمان ثم أتى باب عثمان فجاء البواب حتى أخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان فأجلسه معه على الطنفسة وقال: حاجتك؟ فذكر حاجته فقضاها له ثم قال له: ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة، وقال: ما كانت لك من حاجة فأتنا، ثم إن الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف، فقال له: جزاك الله خيرا، ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إلى حتى كلمته في، فقال عثمان بن حنيف: والله ما كلمته ولكن شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتاه ضرير فشكا عليه ذهاب بصره، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أفتصبر؟)، فقال: يا رسول الله إنه لي قائد وقد شق علي، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أيت الميضاة فتوضأ، ثم صل ركعتين، ثم ادع بهذه الدعوات. قال عثمان بن حنيف: فوالله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضرر قط). لم يروه عن روح بن القاسم إلا شبيب بن سعيد. أبو سعيد المكي وهو ثقة، وهو الذي يحدث عنه أحمد (ابن أحمد) بن شبيب عن أبيه عن يونس بن يزيد الأبلي. وقد روى هذا الحديث شعبة عن أبي جعفر الخطمي واسمه عمير ابن يزيد وهو ثقة تفرد به عثمان بن عمر بن فارس عن شعبة، والحديث صحيح. ا ه‍. وأخرجه من هذا الوجه الطبراني في الكبير (9 / 17)، وفي

ص 97

الدعاء (2 / 1288)، والبيهقي في دلائل النبوة (6 / 167 - 168). قلت: لا كلام بعد تصحيح الطبراني للحديث مرفوعا وموقوفا. فإن قيل: قد صحح الطبراني الحديث المرفوع لكنه لم يصحح القصة الموقوفة. أجيب: بأن الطبراني قد وثق (شبيب بن سعيد الحبطي)، وهو راوي الموقوف، وتوثيق حديث الرجل هو تصحيح لحديثه، فالأمر سهل ولا يحتاج لبيان، ويؤيد هذا ويوضحه أن الهيثمي في مجمع الزوائد (2 / 179) لم يتكلم على الحديث كما عهد عنه ولكنه اقتصر على نقل تصحيح الطبراني فقط. فتدبر أيها المستبصر. ومع ذلك سعى الساعون لتضعيف هذه الزيادة الموقوفة جهد الطاقة فأتوا بعلل مزعومة هي: 1 - شيخ الطبراني طاهر بن عيسى مجهول. 2 - شبيب بن سعيد الحبطي انفرد بالقصة وهو ضعيف الحفظ. 3 - الاختلاف عليه فيها. 4 - مخالفته للثقات الذين لم يذكروا القصة في الحديث. والثلاثة الأخيرة ذكرها الألباني في توسله (ص 88)، والناظر فيها لا يراها أكثر من دفعة صدر من متعنت، وسيرى أن السعي لتضعيف الأحاديث الصحيحة بهذه الحجج الواهية سعى لإقامة باطل بدعائم هي أوهى من بيوت العنكبوت، ولو فتح هذا المهيع الخطير لانسد باب الآثار والله المستعان. وإليك نقض هذه العلل المتوهمة:

ص 98

* أما عن الأولى: وهي كون شيخ الطبراني طاهر بن عيسى المصري من المجهولين فخذ الآتي: 1 - من علل الحديث بجهالة شيخ الطبراني أبعد جدا عن معرفة الحديث وغاير قواعده، فإن القصة الموقوفة تفرد بها شبيب، ثم رواها عن شبيب ثلاثة، ورواه عن الثلاثة المذكورين ثلاثة آخرون وعنهم آخرون، فلم يتفرد أحد برواية القصة إلا شبيب، فلا مدخل لشيخ الطبراني هنا فتأمل. 2 - قد صحح الطبراني الحديث وهو يعني توثيق رجال إسناده ومنه شيخه وهو أعلم به من غيره. فلا تغتر بعد بكلام صاحب النهج السديد عن شيخ الطبراني (ص 93). * أما عن العلة الثانية: وهي ضعف حفظ المتفرد بها وهو شبيب ابن سعيد الحبطي، هكذا زعم الألباني في توسله (ص 88)، ولم أجد من سبقه إلى هذه الدعوى. فشبيب بن سعيد الحبطي قد وثقه علي بن المديني ومحمد بن يحمص الذهلي والدارقطني والطبراني وابن حبان والحاكم. وقال أبو زرعة وأبو حاتم والنسائي: لا بأس به. وهذا غاية ما يطلب من التوثيق في الراوي ليصحح حديثه ويحتج به في الصحيحين. فإن قيل ماذا تقول في قول ابن عدي في الكامل (4 / 1347): كان شبيب إذا روى عنه ابنه أحمد بن شبيب نسخة يونس عن الزهري إذ هي أحاديث مستقيمة، ليس هو شبيب بن سعيد الذي

ص 99

يحدث عنه ابن وهب بالمناكير التي يرويها عنه، ولعل شبيبا بمصر في تجارته إليها كتب عنه من حفظه فيغلط ويهم وأرجو ألا يتعمد شبيب هذا الكذب. ا ه‍. قلت وبالله استعنت: في هذا الكلام ثلاثة أمور: الأول: ما رواه أحمد بن شبيب عن أبيه نسخة يونس عن الزهري فهي أحاديث مستقيمة. الثاني: ما رواه عبد الله بن وهب عن شبيب بمصر، فيه غلط ووهم. الثالث: حديثه في غير النوعين السابقين، وهو صحيح لأنه قيد وهم شبيب بكونه من رواية ابن وهب بمصر. وصحة النوع الثالث هو ما يقتضيه النظر الصحيح، وفي الذهاب لغير هذا المذهب فيه إهدار لتوثيق تسعة من الحفاظ لشبيب بن سعيد الحبطي، فهو ثقة طرأ عليه طارئ أثناء تجارته بمصر شأنه شأن كثير من الرواة الثقات. فإن قيل قد قال علي بن المديني: ثقة كان يختلف في تجارة إلى مصر، وكتابه كتاب صحيح، قد كتبتها عن ابنه أحمد بن شبيب. ا د. قلت: كلام ابن المديني يدل على أن الرجل ثقة وكتابه صحيح، وقد فهم من لا يفهم (1) إلا السب والشتم - سامحه الله - أن هذا القول من ابن المديني يثبت أن روايته من غير كتابه لا تصح. قلت: الرجل وثقه ابن المديني، فهو يعني أنه ضابط حفظا وكتابة،

(هامش)

(1) هو صاحب كشف المتواري (ص 40). (*)

ص 100

ثم نص على أحد أفراد العموم، وهو صحة كتابه، فلم يشترط ولم يصرح ولم يشر إلى شيء عن حفظه، وكلامه لا مفهوم له، وكنت أود أن يبين من أين أتى بهذا الفهم الذي لا يحسد عليه، والتفاته إلى السب والشتم صرفه عن الفهم. * تنبيه: من غرائب التشويش والحذف في العبارات أن الألباني - غفر الله لنا وله - حاول أن يستدل بعبارة علي بن المديني على ضعف حفظ شبيب بن سعيد، فقال في توسله (ص 86): قال ابن المديني: كان يختلف في تجارة إلى مصر... إلخ، وحذف الألباني أهم كلمة من كلام ابن المديني التي صدر بها عبارته وهي قوله: (ثقة) كان يختلف... إلخ، فحذف الألباني كلمة (ثقة) من كلام ابن المديني، وهكذا تكون الأمانة العلمية فالله المستعان. وقد أبعد الألباني فسلك مسلكا غريبا لم يسبق إليه، فأهمل كلام الأئمة الحفاظ الذين وثقوا شبيبا، فنقله من طائفة الثقات الذين يقبل حديثهم إلا غرائب وقعت في رحلاتهم إلى طائفة الضعفاء الذين لا يقبل حديثهم إلا بشروط، فشرط شرطين لقبول حديث شبيب بن سعيد الحبطي، فقال في توسله (ص 87): الأول: أن يكون من رواية ابنه أحمد عنه. والثاني: أن يكون من رواية شبيب عن يونس. ا ه‍ قلت: الذي أوقع الألباني في هذا القول الغريب هو عدم رجوعه

ص 101

للأصول (1)، فقد نقل عبارة ابن عدي في شبيب من الميزان (2 / 262)، واعتمد عليه دون الرجوع للأصول، والذي نقله الألباني عن ابن عدي هو ما نصه: كان شبيب لعله يغلط ويهم إذا حدث من حفظه وأرجو أنه لا يتعمد، فإذا حدث عنه ابنه أحمد بأحاديث يونس فكأنه شبيب آخر يعني يجود. ففرق بين (كان شبيب لعله يغلط ويهم إذا حدث من حفظه) كما في الميزان. وبين عبارة الكامل (4 / 1347): (لعل شبيبا بمصر في تجارته إليها كتب عنه ابن وهب من حفظه فيغلط ويهم). فالأولى تعني أن الغلط والوهم كانا ديدنه وصفة لازمة له وهي عبارة فيها نظر. والثانية التي في الكامل: تعني أن الغلط والوهم طارئ عليه وهو ما حدث عنه ابن وهب بمصر، فالأولى تعني ضعفه، والثانية لا تعني ذلك، والأمر واضح. وقد صرح النقاد بوجوب حكاية الجرح والتعديل وعدم التصرف

(هامش)

(1) وقد تتبعت شيئا كثيرا من كلامه على الرجال فوجدته لا يرجع للأصول ويكتفى بالكتاب الواحد في الكلام على الرجال، وقد نبهت على ذلك في (وصول التهاني بأثبات سنية السبحة والرد على الألباني)، وفي مقدمة (النقد الصحيح لما اعترض عليه من أحاديث المصابيح) للحافظ العلائي رحمه الله تعالى. (*)

ص 102

في عبارة المعدل أو المجرح، وقد اهتبل الألباني تصرف الذهبي في عبارة ابن عدي ولم يرجع للأصل فحدث ما تراه. والحاصل أن حديث شبيب بن سعيد صحيح من غير رواية عبد الله ابن وهب إذا أخذنا كلام ابن عدي في الاعتبار فإن كلامه فيه نظر. ولذلك فقد قال الذهبي في المغني (1 / 295) ثقة له غرائب. وقال في الديوان (ص 141): ثقة يأتي بغرائب. وفي الكاشف (2 / 4): صدوق. * * * فإن قيل قد ذكره الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في شرح علل الترمذي (ص 418) ضمن قوم ثقات لهم كتاب صحيح وفي حفظهم بعض شيء. فجوابه أن هذا الايراد لا يعني ضعف حديثهم إذا حدثوا من حفظهم، إنما يعني أن حديثهم من الكتاب صحيح وأدون منه حديثهم من حفظهم لأنهم قوم ثقات قد وثقهم عدد من الأئمة بدليل قوله: (وفي حفظهم بعض شيء)، فهذه العبارة لا تفيد أن الغلط كان غير منفك عنهم فهم ضعفاء الحفظ، بل العكس هو الصواب. وقد ذكر ابن رجب في هذا النوع طائفة من أعيان الثقات كعبد العزيز ابن محمد الداروردي، وهمام البصري، وعبد الرزاق الصنعاني، وأبو داود الطيالسي، وإبراهيم بن سعد الزهري وغيرهم والعمل على قبول حديثهم حدثوا من كتاب أو من حفظهم. على أن العبارات

ص 103

التي قيلت فيهم هي أشد من التي قيلت في شبيب بن سعيد الحبطي رغم الاتفاق عليهم. * * * فصل بقي الكلام على أمرين: أولهما: قال الحافظ في التقريب (ص 263) في ترجمة شبيب: لا بأس بحديثه من رواية ابنه أحمد عنه لا من رواية ابن وهب. ا ه‍، وما قاله الحافظ (1) يعني صحة القصة المذكورة، وهذا أيضا لم يرتضه الألباني فعقب عليه بقوله في توسله (ص 87): وليس كذلك بل هذا مقيد بأن يكون من روايته هو عن يونس..، ويؤيده أن الحافظ نفسه أشار لهذا القيد، فإنه أورد شبيبا هذا في (من طعن فيه من رجال البخاري) من مقدمة فتح الباري (ص 133)، ثم دفع الطعن عنه بعد أن ذكر من وثقه وقول ابن عدي فيه بقوله: (قلت: أخرج البخاري من رواية ابنه عنه عن يونس أحاديث، ولم يخرج من روايته عن غير يونس، ولا من رواية ابن وهب عنه شيئا)، فقد أشار رحمه الله بهذا الكلام إلى أن الطعن قائم في شبيب إذا كانت روايته عن غير يونس، ولو من رواية ابنه أحمد عنه. ا ه‍.

(هامش)

(1) وفيه تشدد لقصره القبول على رواية ابنه أحمد فقط، فتدبر. (*)

ص 104

قلت: الذي أشار له الحافظ هو أن البخاري أخرج له أصح حديثه، ذلك أن البخاري عندما أراد أن يخرج حديث الزهري في جامعه الصحيح أراده من طريق الطبقة الأولى من أصحاب الزهري كما فصله الحازمي في شروط الأئمة، ولما كان يونس من هذه الطبقة، وكان شبيب عنده نسخة يونس بن يزيد عن الزهري وسمعها منه أحمد بن شبيب فأصبحت النسخة من هذا الطريق غاية في الصحة فأخرجها البخاري في صحيحه. فأحمد عن أبيه عن يونس عن الزهري من شرط البخاري، فعدم إخراج البخاري لحديث شبيب من غير هذا الطريق لا تعني ضعف الغير مخرج في الصحيح، بل تعني أنه ليس على شرط البخاري فقط لأن البخاري لم يستوعب الصحيح وما ادعاه، ولا يلزم من كونه على غير شرطه أنه لا يصلح للاحتجاج به عند البخاري نفسه بل قد يكون صالحا للاحتجاج به عنده وليس هو على شرط صحيحه الذي هو أعلى شروط الصحة، كما صرح بذلك الحافظ في الفتح (2 / 205)، وكثيرا ما يختم الحافظ الترجمة في مقدمة الفتح في بيان كيفية رواية البخاري لحديث الراوي المتكلم فيه، ذلك أن حديث الرجل إذا جاء على خلاف ما ذكره الحافظ يكون فيه تفصيل هذا ما يجب التمسك به، والإذعان إليه وإلا نكون قد أعرضنا وأهدرنا توثيق تسعة من أئمة الحفاظ لشبيب. ولم أر من سبق الألباني في رد حديث شبيب مع اشتراط هذين الشرطين. ولم يزد ابن تيمية في كتابه (قاعدة في التوسل) (ص 102) عن قوله: (شبيب هذا صدوق روى له البخاري). وهو كلام جيد يرد على الألباني ومن شايعه، لكنه اتبع سبيلا آخر لتعليل هذا الحديث وهو:

ص 105

الأمر الثاني: وحاصله أن هذا الحديث يرويه شبيب عن روح بن القاسم، وقد ذكر ابن عدي حديثين في كامله أنكرهما على شبيب من رواية شبيب عن روح بن القاسم، وإن كان شبيب قد غلط في ذينك الحديثين أمكن أن يكون غلط عليه في هذا الحديث. انظر قاعدة في التوسل له (ص 104 - 105). قلت وبالله التوفيق: 1 - هذان الحديثان من رواية ابن وهب عن شبيب عن روح بن القاسم، وقد تقدم أن شبيبا حدث أثناء تجارته بمصر ابن وهب ببعض ما أنكر عليه، وقد أورد هذين الحديثين ابن عدي في كامله ليستدل بهما على صحة دعواه، فلا مدخل هنا لما يرويه شبيب عن روح بن القاسم، فالكلام على من حدثه شبيب (وهو ابن وهب)، لا من حدث عنه شبيب سواء كان روحا أو غيره. 2 - لا يسلم لابن عدي استشهاده بهذين الحديثين على صحة دعواه وهاك الحديثين: الحديث الأول: ما رواه شبيب بن سعيد عن روح بن القاسم عن أبي عقيل عن سابق بن ناجية عن أبي سلام قال: مر بنا رجل فقالوا: إن هذا قد خدم النبي صلى الله عليه وسلم قال: فقمت إليه، فقلت: حدثني شيئا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتداوله الرجال بينك قال: سمعته يقول: (من قال حين يصبح وحين يمسي رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا كان حقا على الله أن يرضيه يوم القيامة).

ص 106

وحاصل ما في هذا الحديث أن بعضهم عن أبي عقيل عن سابق بن ناجية عن أبي سلام عن خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم به مرفوعا. وهم شعبة وهشيم وروح بن القاسم، فأبو سلام هنا روى عمن رفعه، وخالفهم مسعر فجعله عن أبي عقيل عن سابق عن أبي سلام به مرفوعا، فأبو سلام هنا هو الذي رفعه، والصواب قول شعبة والجماعة وهو ما صححه الحفاظ: المزي والعلائي في جامع التحصيل (ص 385)، وابن حجر في الإصابة (4 / 93)، والبوصيري في مصباح الزجاجة (4 / 150). ومن هنا يظهر خطأ ابن عدي رحمه الله تعالى ومن اعتمد عليه في إيراد هذا الحديث على أنه مما أنكر على شبيب وخطأ ابن عدي من وجهين: الأول: الاختلاف من طبقة شيوخ شبيب فلا مدخل لشبيب فيه. الثاني: أن شبيب بن سعيد سلك المسلك الصواب فيه كما ترى والله أعلم. وأما الحديث الثاني: فهو ما رواه شبيب عن روح بن القاسم عن عبد الله بن الحسن عن أمه فاطمة بنت الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دخلت المسجد...) الحديث. ورواه عبد العزيز الداروردي، وإسماعيل بن إبراهيم بن علية، وقيس بن الربيع، وليث بن أبي سليم عن عبد الله بن الحسن عن أمه فاطمة عن فاطمة الكبرى عليها السلام. وإذا كان شبيب قد انفرد عن روح وروى الحديث معضلا، فالقول قول الجماعة، ولكن الخطب هنا سهل، وهو ما يحدث لكثير من

ص 107

كبار الحفاظ، ولا يعني هذا ضعف شبيب في روح بن القاسم لأنه جود الحديث السابق ووافق الجماعة. 3 - شبيب بن سعيد بصري كروح بن القاسم البصري، ورواية شبيب عن بلدية لها مزية وقوة، وأبو جعفر الخطمي مدني بصري كذلك، ومما يزيدها قوة أن حدث بها بصريين مثله هما ابنيه أحمد وإسماعيل. والحاصل مما سبق: إن شبيب بن سعيد ثقة إلا ما حدث عنه ابن وهب، وليس كله من المنكرات بل تعرف وتنكر، فإذا توبع ابن وهب كما هنا وجب عليك أن تعرف وتقبل، والله أعلم بالصواب. وبذلك تعلم أن إطلاق الضعف على شبيب من الألباني في توسله (ص 118) فضلا عن كونه تهافتا فهو أمر مردود ولم يسبق إليه. أما عن الأمر الثاني الذي ضعف به الألباني الحديث فهو قوله: والاختلاف عليه فيها. ا ه‍. قلت: أعاد الضمير إلى شبيب. ولكنه جعل الاختلاف في توسله (ص 87) على أحمد بن شبيب فقال: ثم ظهر لي علة أخرى وهي الاختلاف على أحمد فيها. فبان من هذا اضطرابه، فالأمر سهل والخطب غير جليل والأمثلة على تحديث الراوي للحديث على وجهين كثيرة، فإذا رجع الحديث لشبيب بن سعيد فقد روى القصة عنه ثلاثة، اثنان في بلدته البضرة وقت الراحة والبعد عن السفر والمشقة وهما أحمد وإسماعيل ابنا شبيب كما في دلائل النبوة للبيهقي (6 / 167 - 168).

ص 108

أما الثالث فهو عبد الله بن وهب، فقد روى عنه القصة وقت السفر، وكان السفر خاصا بالتجارة حيث تبلبل البال وتشتت الأفكار، ولكنه حدث على الجادة ولم يتلعثم ولم يخطئ، فجاء حديثه في قطعة العذاب موافقا لحديثه في بلدته، والراوي إذا حدث في بلده كان أتقن لما يحدث به في حال سفره كما هو معروف ونص عليه الحافظ في الفتح (10 / 444)، وإذا كان شبيب في هذا الحديث قد أجاد في السفر والحضر، فإن هذا غاية ما يطلب في الرجل كما لا يخفى على أولى العناية والإنصاف، وإذ قد انتهى الأمر إلى أن شبيبا قد جود الحديث بهذه الصورة فلا مدخل بعد صحة هذه القصة لمن يأتي من الرواة عن شبيب ويروي الحديث تارة بذكر القصة وتارة أخرى لا يذكرها. ولكن الهوى والتعصب يدفعان إلى الافتراء، وهو ما تراه هنا بادعاء الألباني اختلافا على أحمد بن شبيب، وجواب هذا الاختلاف الذي ارتأه الألباني فقط: أن أحمد بن شبيب كان يحدث الحديث بطوله وفيه قصة مجئ الرجل لعثمان بن عفان رضي الله عنه حدث بذلك الحافظ الثقة المتقن يعقوب بن سفيان الفسوي كما في دلائل النبوة للبيهقي (6 / 168). وكان أحمد أحيانا أخرى لا ينشط فيقتصر على أصل الحديث فقط أخرج ذلك ابن السني والحاكم، فكان ماذا بعد ذلك؟ والرجل (أي أحمد) ثقة، اللهم إلا التعنت والتعصب.

ص 109

على أن بعضهم (ا) قال: روى الحديث دون ذكر القصة عن ابن السني: 1 - العباس بن فرج الرياشي. 2 - والحسين بن يحمص الثوري. ورواه الحاكم وعنه البيهقي من طريق: 3 - محمد بن علي بن زيد الصائغ. ثلاثتهم عن أحمد بن شبيب ولم يذكروا القصة. ولم يرو القصة عن أحمد إلا يعقوب بن سفيان الفسوي، فهو على ثقته لا يقابل بمن هو أكثر منه عددا من الثقات 10 ه‍. قلت: إن صح هذا الكلام فرحمة الله على العلم والعقل والبرهان، وخذ الآتي: 1 - هؤلاء الثلاثة الذين قال عنهم ثقات إذا أضيف إليهم مثلهم لم يرجحوا على الإمام الحافظ العلم يعقوب بن سفيان الفسوي، فهو ثقة وفوق الثقة، وقد قال أبو زرعة الدمشقي: قدم علينا رجلان من نبلاء الناس أحدهما وأرجلهما يعقوب بن سفيان يعجز أهل العراق أن يروا مثله رجلا. ومن المعروف أن الشيوخ إذا خالفهم حافظ يرجح قول الحافظ على الشيوخ، فالقول تول الحافظ وإن اجتمع الشيوخ عليه، ويعقوب الفسوي إمام حافظ وفوق الحافظ. (1) هو صاحب كشف المتواري (ص 44).

ص 110

2 - العباس بن فرج روى الوجهين فقد أسند القصة عن إسماعيل ابن شبيب عن أبيه أخرجها البيهقي في دلائل النبوة (168 / 6) فوافق الحجة العلم يعقوب بن سفيان الفسوي. فبقي اثنان من الثلاثة، فهل ما زال يصر المعترض على مخالفتهما للفسوي؟ التهم غفرانك. والاثنان الباقيان أحدهما: الحسين بن يحيى الثوري لم أجده بعد بحث! فما أسرع انهيار صرح التعصب! ثم إن تعجب فعجب من محاولة تقديم رواية عون الضيف لأنه لم يرو القصة على من رواها كشبيب وابنه أحمد وعبد الله بن وهب ويعقوب بن سفيان الفسوي وغيرهم من الثقات!. 3 - رواية الحديث على أي من الوجهين لا تعل الأخرى فكلاهما صحيح، وهذا مقرر ومعروف، ذلك أن الاختلاف الذي يوجد الشك والريبة في الرواية هو الاضطراب الذي لا يمكن توجيهه أما هنا فلا اختلاف ولا اضطراب ونسأل الله السلامة والصون من التخبط والتعصب. أما الأمر الأخير الذي ضعف به الألباني الحديث فهو قوله في توسله (ص 88): ومخالفته للثقات الذين لم يذكروها في الحديث). قلت: هذا تمحل غريب. فأنت ترى أن الزيادة هي أن يروي جماعة حديثا واحدا بإسناد واحد ومتن واحد، فيزيد بعض الرواة فيه زيادة لم يذكرها بقية الرواة. كذا لابن رجب في شرح علل الترمذي (ص 310). وقال الحافظ في نكته على ابن الصلاح (2 / 692): وإنما الزيادة

ص 111

التي يتوقف أهل الحديث في قبولها من غير الحافظ حيث يقع في الحديث الذي يتحد مخرجه كمالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما إذا روى الحديث جماعة من الحفاظ الأثبات العارفين بحديث ذلك الشيخ وانفرد دونهم بعفر رواته بزيادة، فإنها لو كانت محفوظة لما غفل الجمهور من رواته عنها 10 ه‍. إذا علمت هذا فإن شبيبا لم يخالف أحدا من الثقات في ذكره القصة الموقوفة وبيان ذلك في الوجهين الآتيين: الأول: غاية ما في الأمر أن مخرج الحديث غير واحد فمرجعه إلى شيخين لأبي جعفر الخطمي، فلشعبة وحماد طريق، ولروح وهشام طريق آخر، وإذا لم يتحد المخرج فدعوى المخالفة غير صحيحه. فإن قيل قد اتحد المخرج بين روح بن القاسم وهشام الدستوائي، وقد جاءت القصة الموقوفة من طريق روح بن القاسم. أجيب بأن شبيب بن سعيد روى عن روح بن القاسم أمرا موقوفا عن صحابي بعد سنوات عديدة من رواية الحديث المرفوع. فهذا مرفوع وذاك موقوف فأين هي المخالفة الواقعة في المتن؟ لا تجدها إلا في التوهم. وقد صرح المحدثون الذين صنفوا في قواعد الحديث بقبول زيادة الراوي إذا تعدد المجلس ولم يتحد، فكيف وبين المرفوع والموقوف بون شاسع من السنين، فأين المجلس الذي اتحد هنا؟! هب أن المخرج واحد فهو لا يضر أيضا لما قد سبق بيانه. وغير واحد من أئمة الحديث قال بوجوب قبول زيادة الثقة ما لم

ص 112

تكن منافية منهم: الخطيب البغدادي. الثاني: قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: إذا كان في الحديث قصة دل على أن راويه حفظه. ا ه‍. نقله عنه الحافظ في مقدمة الفتح (ص 363). وهذا يدل على شفوف نظر الإمام أحمد فتدبر. فالحق الذي لا مرية فيه أن شبيبا ثقة يصحح حديثه كما فعل الأئمة، فإن تعنت غاية التعنت، فالرجل ليس بأقل ممن يحسن حديثه الأئمة، ولو وهم هذا الوهم وخالف هذه المخالفة فنقل قصة وقعت في زمن عثمان بن عفان رضي الله عنه لسقط إلى درجة الضعفاء والمتروكين الذين لا يحتج بهم أو الوضاعين الذين لا ينظر في حديثهم ولا يظن أحد بشبيب أن يفعل ذلك أو يقاربه ولم يختلط أو يصل وهمه إلى هذه الدرجة الدنيا إن صح وهم عنه وما أراه يصح. والاختلاف لا يضر إذا أمكن الجمع أو الترجيح بين الروايات على قواعد المحدثين، هذا إذا وجد الخلاف وتصور حدوثه، أما هنا فلا خلاف إلا في مخيلة من يدفع بالصدر والله المستعان. وحاصل ما تقدم أن هذه الزيادة الموقوفة التي فيها قصة مجئ الرجل إلى عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه صحيحة، ولذا فقد صححها الحفاظ أمثال الطبراني والحاكم والهيثمي، والحمد لله رب العالمين. * * * قال ابن أبي خيثمة في تاريخه (كما في قاعدة في التوسل لابن تيمية ص 106): حدثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا حماد بن سلمة، أنا أبو جعفر

ص 113

الخطمي عن عمارة بن خزيمة عن عثمان بن حنيف رضي الله عنه أن رجلا أعمى أتى النبي (ص) فقال: إني أصبت في بصري فادع الله لي، قال: لا اذهب فتوضأ وصل ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيي محمد نبي الرحمة يا محمد إني أستشفع بك على ربي في رد بصري، اللهم فشفعني في نفسي وشفع نبيي في رد بصري، وإن كانت حاجة فافعل مثل ذلك . قلت: هذا سند غاية في الصحة، وحماد بن سلمة ثقة حافظ علم، ومع ذلك فقد أعل بوجود زيادة في المتن وهي: وإن كانت حاجة فافعل مثل ذلك ، بتفرد حماد بن سلمة بها، وهي زيادة تفرد بها عن شعبة فتكون شاذة. والجواب عن هذا: إن زيادة الثقة مقبولة ما لم تقع منافية أو فيها نوع مخالفة لرواية الأوثق، وقوله: وإن كانت حاجة فافعل مثل ذلك لا لا تنافي أصل الحديث أو تخالفه بل توافقه تماما، لأن الأصل العموم واستعمال الحديث في أي وقت. وكون حماد غلط ظن مجرد لا حجة فيه، وغاية ما في الأمر أنها زيادة ثقة ليس فيها نوع منافاة فهي مقبولة بلا ريب، ونقول تبكيتا للمتشددين: وإن لم تصح هذه الزيادة فالأولى جعل زيادة الثقات من باب الحديث الشاذ وبالله التوفيق. وهذا الإمام الحافظ أبو حاتم ابن حبان يقول على زيادة تفرد بها حماد بن سلمة في الثقات (1 / 8) ما نصه: هذه اللفظة... تفرد بها حماد بن سلمة وهو ثقة مأمون، وزيادة الألفاظ عندنا مقبولة عن الثقات إذ جائز أن يحضر جماعة شيخا في

ص 114

سماع شيء ثم يخفى على أحدهم بعض الشيء ويحفظه من هو مثله أو دونه في الإتقان. ا ه‍. وهو كلام رصين ينبغي تعقله، ثم لا ينبغي أيضا هنا أن يخلي المقام من بيان أن الألباني الذي يسارع برد هذه الزيادة بدعوى مخالفة حماد ابن سلمة لراو واحد فقط هو شعبة، تجده يقبل مخالفة حماد بن سلمة لجماعة في موضع آخر فيقول في صحيحته (203 / 1) ما نصه: وخالف الجماعة (ا) حماد بن سلمة... فيحتمل أن يكون قد حفظ ما لم يحفظه الجماعة 10 ه‍. نعوذ بالله من الهوى. وعليه فزيادة رواية حماد بن سلمة ثابتة حتى عند من صنف لإنكارها وهو الألباني والحمد لله رب العالمين.

 4 - قال الطبراني في المعجم الكبير (2 4 / 352) حديث رقم 87 1: حدثنا أحمد بن حماد بن زغبة، ثنا روح بن صلاح، ثنا سفيان الثوري، عن عاصم الأحول، عن أنس بن مالك قال: لما ماتت فاطمة بنت أسد بن هاشم أم علي بن أبي طالب دخل عليها رسول الله جل وعز، فجلس عند رأسها فقال: (ا) قوله: ة وخالف الجماعة خطأ، بل تابعه الفزاري الإمام الثقة في عشرة النساء (ص 90)، ثم ذكر أن حمادا يتأيد برواية ذكرها عن علي بن زيد وهذا أيضا خطأ، فعلي بن زيد كأنه أخطأ فرواه بوجهين: وجه كرواية حماد، وآخر مخالف له في المسند (6 / 182). وليس المقصود التنبيه على هذه الأخطاء، ولكن المقصود ذكر عبارة الألباني، وأن زيادة حماد بن سلمة أولى بالقبول في حديث الأعمى.

ص 115

(رحمك الله يا أمي كنت أمي بعد أمي، تجوعين وتشبعيني وتعرين وتكسيني وتمنعين نفسك طيبا وتطعميني، تريدين بذلك وجه الله والدار الآخرة)، ثم أمر أن تغسل ثلاثا، فلما بلغ الماء الذي فيه الكافور سكبه رسول صلى الله عليه وسلم بيده، ثم خلع رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصه فألبسها إياه وكفنها ببرد فوقه، ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاري وعمر بن الخطاب وغلاما أسود يحفرون، فحفروا قبرها، فلما بلغوا اللحد حفره رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وأخرج ترابه بيده، فلما فرغ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاضطجع فيه ثم قال: (الله الذي يحمص ويميت وهو حي لا يموت اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ولقنها حجتها، ووسع عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي فإنك أرحم الراحمين)، وكبر عليها أربعا وأدخلوها اللحد هو والعباس وأبو بكر الصديق، رضي الله عنهم. ورواه من هذا الوجه الطبراني في الأوسط (1 / 152)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (3 / 121)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (1 / 268). وهو حديث حسن. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (9 / 257): رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه روح بن صلاح وثقه ابن حبان والحاكم وفيه ضعف وبقية رجاله رجال الصحيح. ا ه‍. قلت: شيخ الطبراني أحمد بن حماد بن زغبة ثقة من شيوخ النسائي ولم يخرج له في الصحيح.

ص 116

أما روح بن صلاح فقد اختلف فيه فوثقه قوم وضعفه آخرون فمثله يحتاج لإعمال النظر لبيان حاله. فقال عنه الحاكم في سؤالات السجزي: ثقة مأمون. وذكره ابن حبان في الثقات (8 / 244). وروى عنه يعقوب بن سفيان الفسوي في المعرفة والتاريخ (3 / 406) فهو ثقة عنده، قال الفسوي (التهذيب: 11 / 378): كتبت عن ألف شيخ وكسر كلهم ثقات. ا ه‍. أما من جرحه فلم يذكر سبب جرحه ولم يفسره، ففي المؤتلف والمختلف للدارقطني (3 / 1733) قال: روح بن صلاح بن سيابه يروى عن ابن لهيعة وعن الثوري وغيرهما كان ضيفا في الحديث سكن مصر. ا ه‍. ومثله لابن ماكولا في الإكمال (5 / 15) وابن عدي في الكامل (3 / 1005). وهذا جرح مبهم غير مفسر فيرد في مقابل التعديل المذكور قبله كما هو مقرر. مثاله قول الحافظ في مقدمة الفتح (ص 437) في ترجمة (محمد ابن بشار بن بندار) ضعفه عمرو بن علي الفلاس، ولم يذكر سبب ذلك، فما عرجوا على تجريحه. ا ه‍. وادعى الألباني (1) أن الجرح مفسر في روح بن صلاح بقول ابن يونس: رويت عنه مناكير، وبقول ابن عدي في الكامل: في بعض

(هامش)

(1) ضيفته (1 / 32 - 33). (*)

ص 117

حديثه نكرة. قلت: كلام الألباني فيه نظر يظهر في الوجهين الآتيين: الأول: عبارتي ابن يونس وابن عدي لا تدلان على الجرح، قال ابن دقيق العيد في (شرح الالمام) كما في (نصب الراية) (1 / 179)، (وفتح المغيث) (1 / 347): قولهم روى مناكير لا تقتضي بمجرده ترك روايته حتى تكثر المناكير في روايته وينتهي أن يقال فيه منكر الحديث، لأن منكر الحديث وصف في الرجل يستحق به الترك لحديثه. ا ه‍. الثاني: قولهم: (روى المناكير)، أو (رويت عنه مناكير) ليست أيضا من الجرح في شيء، فقد تكون تلك المنكرات من شيوخه أو من الرواة عنه وهو روى شيئا تحمله فقط. قال الحاكم للدارقطني (السؤالات ص 217 - 218): سليمان ابن بنت شرحبيل، قال: ثقة، قلت: أليس عنده مناكير، قال: يحدث بها عن قوم ضعفاء. ا ه‍. فما كل من روى المناكير ضعيف عندهم. وعندما ترجم ابن عدي لروح بن صلاح في كامله (3 / 1005 - 1006) روى عنه حديثين الآفة والحمل فيهما من الراوي عن (روح بن صلاح)، وعادة ابن عدي في كامله - كما يقول الحافظ في مقدمة الفتح (ص 429): أن يخرج الأحاديث التي أنكرت على الثقة أو على غير الثقة فلو وجد ابن عدي شيئا أنكر على روح بن صلاح لأتى به في ترجمته ولكنه خرج ما حدث به وكان منكرا،

ص 118

ولكن الحمل فيه على غيره فتدبر. فائدة: أراد الألباني تضعيف الحديث المذكور، فاعتبر قول ابن يونس في روح بن صلاح: (رويت عنه مناكير) من الجرح المفسر الذي يضعف به الراوي، بينما تناقض فاعتبر قولهم في راو آخر (له مناكير) ليس بجرح مطلقا، وذلك في ثنايا رده على الشيخ البوطي (ص 66 - 67)، وأكثر من هذا أنه اعتبر (منكر الحديث) جرح مردود، لأنه غير مفسر كذا في صحيحته (1 / 769). وأنت ترى ألا فارق بين القولين، ولكنك ترى فارقا بين صنيعي الألباني، فعندما يريد أن ينتصر لما يراه صوابا يبتعد عن قواعد الحديث ويسير حسبما يرى، فالله المستعان. * * *

 فصل قال الألباني في رد توثيق ابن حبان وتلميذه الحاكم لروح بن صلاح ما نصه (ضيفته: 1 / 32):

 إن ابن حبان متساهل في التوثيق، فإنه كثيرا ما يوثق المجهولين... ومثله في التساهل الحاكم كما لا يخفى على المتضلع بعلم التراجم والرجال فقولهما عند التعارض لا يقام له وزن حتى ولو كان الجرح مبهما لم يذكر له سبب. ا ه‍. * قلت: هذا كلام من لم يفهم - رغم اشتغاله - توثيق ابن حبان، ولم يمعن النظر في ثقاته، فسارع برد توثيقه والأولى التفصيل.

ص 119

فتوثيق ابن حبان على قسمين نص عليهما في مقدمة ثقاته (1 / 31):

 

الأول: من اختلف فيه علماء الجرح والتعديل

 فإذا صح عنده أنه ثقة أدخله في ثقاته وإلا فأودعه كتابه الآخر.

 

 الثاني: من لم يعرف بجرح ولا تعديل

 وكان كل من شيخه والراوي عنه ثقة، ولم يأت بحديث منكر، فهو ثقة عنده، ولم ينفرد ابن حبان بذلك المذهب، لكن هذا النوع من الرواة عند الجمهور يكون مجهول الحال (1). وأما نسبة التساهل إليه فبالنظر للنوع الثاني فقط، فإهدار توثيق ابن حبان مطلقا خطأ، ولا تصح نسبة التساهل إليه مطلقا، إنما هو في نوع معين من الرواة فقط وهو الثاني، أما النوع الأول فتوثيقه لا يقل عن توثيق غيره من الأئمة. إذا علم ذلك، فإن رد توثيق ابن حبان لروح بن صلاح بدعوى تساهله فيه نظر ظاهر. فروح بن صلاح روى عنه يعقوب بن سفيان الحافظ، ومحمد بن إبراهيم البوشنجي الفقيه الحافظ، وأحمد بن حماد بن زغبة صاحب النسائي الثقة، وأحمد بن رشدين وابنه عبد الرحمن، وعيسى بن صالح المؤذن، وفيه جرح وتعديل وبعضهم سبق ابن حبان في الكلام عليه كابن يونس.

(هامش)

(1) وإذا كان الرجل ليس من المجهولين فتوثيق ابن حبان لروح بن صلاح مقبول شأنه شأن غيره من النقاد. (*)

ص 120

أما عن توثيق الحاكم فرده أيضا بدعوى التساهل خطأ بين، فما زال العلماء ينقلون توثيق الحاكم معتمدين له، وكتب الرجال طافحة بذلك وهي بين أيدينا. وكان الحاكم إمام أهل زمانه في الحديث، وكانت له المعرفة التامة في الجرح والتعديل والعلل وكل فنون الحديث، وكان يراجع مشايخه في الكلام على الرجال وكان الدارقطني - وهو من مشايخه - يقدمه على ابن منده. وقال الحافظ أبو حازم العبدوي: وسمعت مشيختنا يقولون: كان الشيخ أبو بكر بن إسحاق وأبو الوليد النيسابوري يرجعان إلى أبي عبد الله الحاكم في السؤال عن الجرح والتعديل وعلل الحديث وصحيحه وسقيمه. قال (أي الحافظ العبدوي): وأقمت عند الشيخ أبي عبد الله العصمي قريبا من ثلاث سنين، ولم أر في جمله مشايخنا أتقى منه ولا أكثر تنقيرا، فكان إذا أشكل عليه شيء أمرني أن أكتب إلى الحاكم أبي عبد الله، وإذا ورد جوابه حكم به وقطع بقوله، وانتخب على المشايخ خمسين سنة. ا ه‍ كذا في طبقات الشافعية (4 / 158). نعم.. ذكر الذهبي في جزء (ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل) (ص 172) الحاكم على أنه من المتساهلين كالترمذي قلت: تساهل الحاكم خاص بالمستدرك (1)، فإنه رحمه الله تعالى أدركته المنية قبل أن ينقحه كله كما هو معلوم في مكانه، وتوثيقه لروح بن صلاح هو خارج المستدرك في سؤالات السجزي. ومما قوى دعوى

(هامش)

(1) وهذا ما ذكر في التنكيل (1 / 459)، والألباني قام على طبعه وخاصم فيه فهو مطالب بما فيه. (*)

ص 121

تساهله أنه صحح أحاديث في فضل علي رضي الله تعالى عنه شنع عليه بسببها وعند المحاققة القول فيها قوله والحق فيها معه. أما كلامه في غير المستدرك فكغيره من الأئمة النقاد، بل تراه يظهر التشدد أحيانا، فكذب ابن قتيبة كما في الميزان (2 / 503)، وفي ترجمة محمد بن الفرح الأزرق (4 / 4). قال الذهبي: تكلم فيه الحاكم لمجرد صحبته الحسين الكرابيسي، وهذا تعنت زائد. ا ه‍. وكم عاب الحاكم على الشيخين البخاري ومسلم إخراجهما لحديث رجال يحلم فيهم. هب إن الحاكم متساهل كما يقولون، فإنه قال عن روح بن صلاح: (ثقة مأمون)، فالرجل عنده في أعلى درجات القبول والتوثيق، فليس من العدل الذي أمرنا الله أن نقوم به أن نسقط هذا القول بالكلية بل نقول هو: (ثقة)، وإذا تشددنا غاية التشدد فالرجل (صدوق) ولا بد. فإذا ضم هذا التوثيق لتوثيق ابن حبان، وإذا كنت في أعلى درجات التعنت فلا يمكنك أن تنفك إلا عن توثيق الرجل، ويقوى توثيقي ابن حبان والحاكم توثيق ضمني من يعقوب بن سفيان الفسوي لأنه من مشايخه، فالرجل حديثه لا يقل عن الحسن والله تعالى أعلم بالصواب. أما قول الألباني (1): فقولهما عند التعارض لا يقام له وزن حتى

(هامش)

(1) ونقل كلامه وأضافه لنفسه الشيخ حماد بن محمد الأنصاري في كتابه (ص 44): ومما كنت أحب له ألا يكتبه قوله عن روح بن صلاح (ص 45) ما نصه: فأنت ترى أئمة الجرح قد اتفقت عباراتهم على تضعيفه. ا ه‍. فلا أدري هل يعقوب بن سفيان الفسوي والحاكم وشيخه ابن حبان من طلبة الحديث أو أئمته أو من حملة الدكتوراه؟ فلماذا هذه التعمية؟ ولماذا هذا التهويل؟ (*)

ص 122

لو كان الجرح مبهما لم يذكر له سبب. ا ه‍. ففيه إهدار لتوثيق هذين الإمامين بالكلية، وهو قول فيه نظر ولا يساوي سماعه لأنه مخالف للواقع وفيه جرأة لا تحمد. ثم زاد الطين بلة فقال: حتى لو كان الجرح مبهما لم يذكر له سبب. قلت: زدت نكدا، وهذا مثال للكلام الساقط الذي نجل كل مشتغل بالحديث أن يهذي بمثله ونستحي له فالله المستعان. وحاصل ما تقدم أن روح بن صلاح (صدوق) والحديث حسن الإسناد والله أعلم.

 5 - حديث: (حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم، ووفاتي خير لكم تعرض على أعمالكم، فما رأيت من خير حمدت الله عليه، وما رأيت من شر استغفرت لكم.) قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده (كشف الأستار: 1 / 397): حدثنا يوسف بن موسى، ثنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي

رواد عن سفيان عن عبد الله بن السائب، عن زاذان، عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم، ووفاتي خير لكم تعرض علي أعمالكم، فما رأيت من خير حمدت الله عليه، وما رأيت من شر استغفرت لكم.) قال الحافظ العراقي في (طرح التثريب) (3 / 297) إسناده جيد. وقال الهيثمي في (مجمع الزوائد) (9 / 24): رواه البزار ورجاله رجال الصحيح. وصححه السيوطي في الخصائص (2 / 281)، وفي تخريج

ص 123

الشفا وهو كما قال. ولشيخنا العلامة المحقق السيد عبد الله بن الصديق الغماري الحسني رحمه الله تعالى ونور مرقده في هذا الحديث جزء مفيد مطبوع اسمه (نهاية الآمال في شرح وتصحيح حديث عرض الأعمال). ورجال السند ثقات، وعبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد ثقة أيضا احتج به مسلم، وسيأتي تفصيل الكلام عنه إن شاء الله تعالى. وللحديث طرق أخرى غير ما رواه ابن مسعود فجاء عن أنس وبكر بن عبد الله المزني مرسلا وهو غاية في الصحة ومحمد بن علي ابن الحسين معضلا. أما مرسل بكر بن عبد الله المزني فله عنه طريقان صحيحان وثالث ضعيف، أما الصحيحان فأخرجهما القاضي إسماعيل في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم (ص 38. 39)، وقد قال ابن عبد الهادي في الصارم بعد ذكره أحد الإسنادين (ص 217): هذا إسناد صحيح إلى بكر المزني (1)، وبكر من ثقات التابعين وأئمتهم ا ه‍. والثالث الضعيف ما رواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده: حدثنا الحسن بن قتيبة، ثنا جسر بن فرقد عن بكر بن عبد الله المزني به مرفوعا. وانظر المطالب العالية (4 / 23). قلت: الحسن بن قتيبة وشيخه ضعيفان. وأما حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، فقال أبو طاهر المخلص في فوائده (من الاكتفاء ص 17): حدثنا يحيى بن محمد

(هامش)

(1) فهذا المرسل بمفرده حجة عن كثير من الأئمة كأبي حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم. (*)

 

الصفحة السابقة الصفحة التالية

رفع المنارة لتخريج أحاديث التوسل والزيارة

فهرسة الكتاب

فهرس الكتب