القول المقنع في الرد على الألباني المبتدع

الصفحة السابقة

القول المقنع في الرد على الألباني المبتدع

فهرسة الكتاب

فهرس الكتب

ص 13

والآخرة، قال ابن حبان يروي عن أبيه العجائب كأنه كان يهم ويخطئ ا ه‍. فاقتصار الألباني على كلام ابن حبان في تضعيف على الرضا، قصور ينبئ عن قلة اطلاع وكثرة جهل، فقد نقل أبو سعد ابن السمعاني كلام ابن حبان كما نقله الألباني، مع أحاديث منكرة رويت من طريقة، وقال: والخلل في رواياته من رواته فإنه ما روى عنه إلا متروك ا هـ. ونقل الذهبي في ترجمته من الميزان، قول ابن طاهر: يأتي عن آبائه بعجائب، وقال عقبه: إنما الشأن في ثبوت السند إليه، وإلا فالرجل قد كذب عليه ووضع عليه نسخة سائرها كذب على جده جعفر الصادق ا ه‍. وقال في المغني: علي بن موسى بن جعفر الرضا، عن آبائه. قال ابن طاهر، يأتي عن آبائه بعجائب. قلت الشأن في صحة الإسناد إليه: فإنه كذب عليه وعلى جده ا ه‍ وأظن الألباني اطلع على بعض هذه النقول أو جميعها، لكنه أثر كلام ابن حبان، لنصب عنده. والتشيع الذي شم رائحته منا، خير من النصب الذي شممنا رائحته منه. وما أحسن قول الإمام الشافعي رضي الله عنه: يا راكبا قف بالمحصب من منى * * واهتف بقاعد خيفها والناهض إن كان رفضا حب آل محمد * * فليشهد الثقلان أني رافضي

من أخطاء الالباني

 ومن أخطائه الدالة على قلة فهمه، وضعفه في قواعد الاستنباط: أنه اختار للمصلي أن يقول في تشهده: السلام على النبي، ولا يقول: السلام عليك أيها النبي، مع أن الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثبت فيها التشهد بلفظ الخطاب. ففي الصحيحين عن أبو مسعود قال: أخذ رسول الله صلى الله عيه وآله وسلم بيدي، وعلمني التشهد كما يعلمني سورة من القرآن. قال قل التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله . ورواه بقية الستة كذلك. وفي صحيح مسلم والأربعة عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن. فذكر مثل تشهد ابن مسعود.

ص 14

ورواه مسلم والأربعة إلا الترمذي عن أبي موسى قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبين لنا سنتنا، وعلمنا صلاتنا فقال إذا صليتم وكان عند القعدة فليكن من أول قول أحدكم: التحيات الطيبات الصلوات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته الحديث. وهكذا ثبت التشهد بخطاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في السلام عليه، من حديث ابن عمر وجابر وسلمان الفارسي وابن الزبير وعائشة وأبي يعيد الخدري وغيرهم وهو تواتر، وواظب عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهو سنة من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفعله. وأخذ به الشافعية، فقالوا بوجوب الخطاب في السلام على النبي صلى الله عليه وآله وسلم. لكن ثبت في صحيح البخاري بعد روايته للحديث عن ابن مسعود قوله: بين ظهرانينا فلما قبض، قلنا: السلام يعني على النبي. قال الحافظ في فتح الباري: كذا وقع في البخاري، وأخرجه أبو عوانة في صحيحه والسراج والجوزقي وأبو نعيم الإصبهاني والبيهقي من طرق متعددة إلى أبي نعيم شيخ البخاري فيه، بلفظ: فلما قبض قلنا السلام على النبي، بحذف لفظ يعني. وكذلك رواه أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي نعيم. قال السبكي في شرح المنهاج، بعد أن ذكر هذه الرواية عن أبي عوانة: وحده: إن صح هذا عن الصحابة، دل على أن الخطاب في السلام على النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير واجب، فيقال: السلام على النبي: قلت: قد صح بلا ريب، وقد وجدت له متابعا قويا، قال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج أخبرني عطاء: أن الصحابة كانوا يقولون - النبي صلى الله عليه وآله وسلم حي: السلام عليك أيها النبي، فلما مات قالوا: السلام على النبي، وهذا إسناد صحيح ا ه‍ كلام الحافظ. قلت: كلام عطاء هذا، عنعنه ابن جريح كما في مصنف عبد الرزاق ج 2 ص 204 وابن جريح مدلس، فلا يقبل ما عنعنه.

 قال الألباني: وقول ابن مسعود: فقلنا السلام على النبي. يعني أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يقولون السلام عليك أيها النبي في التشهد. والنبي حي بينهم، فلما مات عدلوا عن ذلك وقالوا: السلام على النبي، ولا بد أن يكون بتوقيف منه، ويؤيده إن عائشة رضي الله عنها كذلك كانت تعلمهم التشهد في الصلاة، السلام على النبي، رواه السراج في مسنده والمخلص في فوائده بسندين صحيحين عنها ا ه‍

ص 15

وهذا الكلام يدل على جهل عريض. وقد أغرب بعزو أثر عائشة إلى السراج والمخلص خلص الله الألباني من جهله، مع أنه في مصنف ابن أبي شيبة ومصنف عبد الرزاق، وجهل الألباني فيما قاله يتبين بوجوه: الأول: أن قول ابن مسعود: فلما قبض قلنا السلام على النبي، ليس عن توقيف بل هو اجتهاد منه وممن وافقه، استنادا منهم إلى أن الوفاة تناسبها الغيبة، وهو خطأ، لما سيأتي: الثاني: لو كان عند ابن مسعود توقيف بذلك، لصرح به بأن يقول: فلما قبض قلنا بأمره أو بإرشاد، فلما لم يقل دل على أنه رأي له محض. الثالث: أن التشهد يتعلق بالصلاة التي هي أهم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وكان الصحابة يتعلمونه، كما يتعلمون السورة من القرآن، فلو كان عندهم توقيف، لنقلوه إلينا كما نقلوا ألفاظ التشهد، لأنه قيد متمم لها، وهم يعرفون إن نقل المقيد بدون قيد لا يجوز. الرابع: أنه ثبت بالأسانيد الصحيحة في الموطأ ومصنف ابن أبي شيبة ومصنف عبد الرزاق وغيرها عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه سمع عمر رضي الله عنه يعلم الناس التشهد على المنبر، وهو يقول: قولوا: التحيات لله الزاكيات لله الصلوات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. الخ. هكذا علم عمر التشهد على منبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحضرة المهاجرين والأنصار، ولو كان توقيف بتغيير صيغة السلام، لما خفي على عمر، ولو خفي عليه، لنبهه بعض الصحابة الذين سمعوا تعليمه. ومثل هذا ما رواه الطحاوي في معاني الآثار عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان أبو بكر رضي الله عنه يعلمنا التشهد على المنبر كما تعلمون الصبيان الكتاب، ثم ذكر مثل تشهد ابن مسعود رضي الله عنه، لكن في سنده زيد العمي. ومثله ما رواه الطبراني من طريق إسماعيل بن عياش عن حريز بن عثمان عن راشد بن سعد عن معاوية بن أبي سفيان أنه كان يعلم الناس التشهد وهو على المنبر: التحيات لله والصلوات والطيبات فذكر مثل تشهد ابن مسعود. الخامس: روى الطبراني بإسناد صحيح عن الشعبي قال: كان ابن مسعود يقول بعد السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته: السلام علينا من ربنا: فهذه

ص 16

الجملة زادها ابن مسعود اجتهادا منه، فكذلك تغيير صيغة السلام من الخطاب إلى الغيبة، اجتهادا منه أيضا. السادس: أن البيهقي روى في سننه عن القاسم عن عائشة رضي الله عنها قالت: هذا تشهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم: التحيات لله إلى آخره، مثل تشهد ابن مسعود. قال النووي في الخلاصة: إسناده جيد: وهو يفيد أن تشهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثل تشهدنا، وهي فائدة حسنة ا ه‍. السابع: روى أبو عاصم قال أخبرنا ابن جريح قال: سئل وأنا أسمع عن التشهد؟ فقال، التحيات لله، وذكر تشهد ابن عباس، ثم قال: لقد سمعت عبد الله بن الزبير يقولهن على المنبر، يعلمهن الناس، ولقد سمعت عبد الله ابن عباس يقول مثل ما سمعت ابن الزبير يقول، قلت: فلم يختلف ابن الزبير وابن عباس؟ فقال: لا، أخرجه الطحاوي. ووقع هذا الأثر في مصنف عبد الرزاق بصيغة الغيبة وما هنا أرجح، لأنه أحال على تشهد ابن عباس، والسلام فيه بصيغة الخطاب. الثامن: أن المسلمين المقيمين في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمكة واليمن وأطراف الجزيرة العربية، كانوا يسلمون على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تشهد الصلاة بصيغة الخطاب ولم يأمرهم بتغيير صيغة السلام، لكونهم غائبين عنه. التاسع: أن وفاته صلى الله عليه وآله وسلم لا تستوجب تغيير السلام من الخطاب إلى الغيبة، لأن سلامنا عليه يبلغه حيث كنا، روى أحمد والنسائي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن لله في الأرض ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام صححه ابن حبان. وللحديث طرق كثيرة. العاشر: قال ابن حزم أثناء الرد على من زعم أن رسالة النبي تنتهي بانتقاله، ما نصه: وكذلك ما أجمع الناس عليه، وجاء به النص، من قول كل مصل فرضا أو نافلة: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ا ه‍ من كتاب الفصل ج 1 ص 89، لابن القيم قريب من هذا المعنى في كتاب الروح. وقال ابن تيمية في الجواب الباهر: والسلام عليه صلى الله عليه وآله وسلم قد شرع للمسلمين في كل صلاة، وشرع للمسلمين إذا دخل أحدهم المسجد أي مسجد

ص 17

كان، فالنوع الأول كل مصل صلاة يقول المصلي: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ا ه‍. وقال في موضع آخر من هذا الكتاب: وهم يقولون في الصلاة: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، كما كانوا يقولون ذلك في حياته ا ه‍. الحادي عشر: أن قول ابن مسعود: فلما قبض قلنا السلام على النبي، لا يجوز أن يكون نسخا لما علمه النبي صلى الله عليه وآله وسلم من التشهد للصحابة كما كان يعلمهم السورة من القرآن، لأن النسخ لا يثبت إلا بوحي، ولا وحي بعده صلى الله عليه وآله وسلم. ولا يثبت بقول الصحابي كما يقرر في الأصول. بل غاية ما يفيد قول ابن مسعود أن يكون قرينة على أن الخطاب غير واجب، فلو قال مصل في بعض الأحيان: السلام على النبي، صحت صلاته. وقال الشافعية: تبطل لأن الخطاب عندهم واجب. وهم أسعد بالدليل، وأحق بموافقة قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلوا كما رأيتموني أصلي وعهدنا بالألباني، يظهر الحرص على التمسك بالوارد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فما بالنا نراه في هذه المسألة يحيد عن اللفظ النبوي المتواتر والمتوارث بين الأمة جيلا عن جيل. ثم يختار لفظا يزعم أنه عن توقيف؟!. ولا غرابة في ذلك، فإنه يتكلم على فقه الحديث وهو لا يعرف الأصول، ولا يحسن قواعد الاستنباط، فخبط خبط عشواء ويتيه في ضلالة عمياء، يجعل المحكم منسوخا والمخصوص عاما، والموقوف مرفوعا كما هنا. ولو أنه اقتصر على الكلام في سند الحديث - على تخليط له فيه - لكان خيرا له وأفضل، وأستر لحاله وأجمل، على أنه كثيرا ما يضعف الحديث بالهوى والعصبية، متعاميا عن المتابعات والشواهد، ويريد إحياء أقول ميتة كقول ابن العربي لا يجوز العمل بالضعيف في فضائل الأعمال ويزعم أن إقرار النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أمر يفيد استحبابه، وعلى هذا فالسلام على المصلي يستحب، وكل الضب مستحب. وتارة يرمي بقاعدة أصولية في غير موضعها، فيؤكد بذلك جهله بعلم الأصول، فقد استعمل في كتاب الجنائز قول الأصوليين: تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فضحكنا من حسن استعماله لهذه القاعدة!! وتارة يتحمس للتغليظ في حكم، فيؤدي به الحماس

ص 18

إلى الزيادة على الشارع. ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (اعفوا للحي خالفوا المجوس - اشتمل الحديث على الأمر بإعفاء اللحي وتعليله بمخالفة المجوس، لأنهم يحلقون لحاهم. فلم يقف الألباني عند هذا التعليل واعتبره غير كاف في الزجر عن حلق اللحي، فعلله بعلتين أخريين ذكرهما في رسالة أدب الزفاف، وهما تغيير خلق الله والتشبيه بالنساء وزيادة هاتين العلتين تعتبر استدراكا على الشارع، والاستدراك على الشارع لا يجوز، لأنه لا ينسى فيذكر ولا يغفل فينبه. وبالجملة فلألباني في استنباطه وغيرها سقطات عظيمة يتحمل وزرها ووزر من يقلده فيها، لإقدامه على الخوض في ما لا يحسنه، وقد أخطأ من زعمه وهابيا بل هو أعمق من الوهابيين تعصبا وأشد منهم تعنتا، وأجمد على بعض النصوص بغير فهم وأكثر ظاهرية من ابن حزم، مع سلاطة في اللسان وصلابة في العناد لا تخطر بخلد إنسان، وهذا شعار أدعياء السنة والسلفية في هذا الزمان. وبلغنا عنه أنه أفتى بمنع إعطاء الزكاة للمجاهدين الأفغانيين، نصرهم الله، فخالف نص القرآن في قوله تعالى (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله) وأجمع العلماء على أن سبيل الله، هو الجهاد، ولا دليل للألباني على مخالفة النص والإجماع إلا عقيدة. وهو في الحقيقة الضال المضل، يسعى في التفريق بين المسلمين، ويعمل على خذلان المجاهدين الذين أوجب الله نصرهم وإمدادهم بالمال والسلاح والعتاد، والله تعالى يقول: (إنما المؤمنون إخوة) والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: المسلم أخو المسلم وتواتر عنه صلى الله عليه وآله وسلم تواترا قطعيا معلوما بالضرورة أنه كان يكتفي في إسلام المرء بالشهادتين ولم يشترط شيئا آخر غيرهما، وجرى على هذا صحابته الكرام، وتابعوهم بإحسان. فما بال هذا الألباني المبتدع، يفرق بين المسلمين ويضلل جمهورهم كالأشعرية الذين منهم المالكية والشافعية، وبعض الحنابلة، وكالماتريدية الذين هم الحنفية. ولم يبق من المسلمين سني إلا هو ومن على شاكلته من الحشوية والمجسمة الذين ينسبون إلى الله تعالى ما لا يليق بجلاله. وآية فساد عقيدته أن العلماء عابوا على ابن تيمية قوله بإثبات حوادث لا أول لها، ورجح حديث كان الله ولم يكن شيء قبله على حديث كان الله ولم يكن شيء غيره وكلاهما في صحيح البخاري، ليوافق الحديث قوله المخالف لقول الله تعالى

ص 19

(الله خالق كل شيء... وخلق كل شيء فقدره تقديرا)، (إنا كل شيء خلقناه بقدر) ولإجماع المسلمين على أن الله كان وحده لا شيء معه، ثم أوجد العالم، وابن تيمية لم يفهم الحديثين، فلجأ إلى الترجيح بينهما فأخطأ. والصواب الذي لم يوفق إليه أن حديث كان الله ولم يكن شيء قبله، أو كان الله قبل كل شيء، يبين معن اسمه تعالى الأول. وحديث كان الله ولم يكن شيء غيره، يبين معنى اسمه الواحد الأحد. ثم أخطأ خطأ آخر حيث زعم أن مع الله تعالى في الأزل حوادث لا أول لها بالنوع لا بالعين والنوع لا وجود له إلا في جزئي من جزئياته كما تقرر في علم المنطق، وزعم أن الناس اشتبه عليهم الفرق بين النوع والعين، لا بل هو الذي اشتبه عليه الحال. والعين هو الجزئي الذي لا يتحقق وجود النوع إلا به والمقصود أن ابن تيمية انفرد بهذه المقالة الشنعاء، وعابها العلماء عليه، واطلع عليها الألباني، فكان تعقيبه عليها: أن قال: وليته لم يقلها. ولم يزد على ذلك، كأنه خالف في فرع من فروع الطهارة، وكان الواجب عليه أن يشتد في إنكار هذه المقالة وبيان فسادها ومخالفتها للقرآن والإجماع، لأنها تتعلق بالعقيدة، لكنه يشتد فقط ويبالغ في إنكار السبحة وقراءة القرآن على الميت ونحو هذا من المسائل التي لا تعد من الضروريات في الدين. فأيهما صلى الله عليه وآله في الأزل؟! معارضا قوله تعالى (الله خالق كل شيء) وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان الله ولم يكن شيء غيره ؟!!. وهكذا شأن هذا الألباني وإخوانه الزائغين يتشددون في مسائل هينة، ويحابون بعضهم البعض على حساب الدين والعقيدة!. ولو أن تلك المقالة صدرت عن أشعري أو صوفي، لوفع الألباني عقيرته بإنكارها وإكفار قائلها، لكن حيث صدرت عن شيخ الإسلام ابن تيمية، اكتفى بقوله: ليته لم يقله!!.

ص 20

سلف ابن تيمية في مقالته تلك، عبد الله بن ميمون الاسرائيلي صاحب كتاب دلالة الحائرين، وأنعم به سلفا!!. ومن أخطائه في الرجال: أنه يعزو في الضعيفة إلى فوائد أبي عثمان البجيرمي بالباء الموحدة، وهذا الخطأ تكرر منه بتكرر العزو إلى الفوائد، والصواب: النجيرمي بالنون، وهي نسبة إلى نجيرم، بفتح النون وكسر الجيم، بليدة قرب البصرة نسب إليها قوم من أهل الأدب واللغة والحديث. ومن قبيح تعنته - وكل تعنت قبيح - ما كتبه على صلاة ابن مسعود التي رواها إسماعيل القاضي وابن ماجة، بلفظ: اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين محمد عبدك ورسولك إمام الخير ورسول الرحمة، اللهم ابعثه مقاما محمودا يغبطه به الأولون والآخرون، وذكر الصلاة الإبراهيمية. فعلق عليه الألباني بقوله: قال الحافظ ابن حجر: إسناده ضعيف، ذكر ذلك في فتوى له في عدم مشروعية وصفه صلى الله عليه وآله وسلم بالسيادة ضعيف، ذكر ذلك في فتوى له في عدم مشروعية وصفه صلى الله عليه وآله وسلم بالسيادة في الصلاة عليه صلى الله عليه وآله وسلم، وهي فتوى مهمة، جرى الحافظ فيها على طريقة السلف في الإتباع وترك الابتداع ا ه‍ وهذا جمود شديد، وتزمت ممقوت، يشبه نكتة تحكى عن فلاح، ذهب إلى فقيه القرية، يسأله عن يمين أوقعها صهره على بنته التي تسمى فاطمة، فأخبره الفقيه بحكم اليمين، وقرأ عليه نص الحكم في كتاب الفقه الموجود فيه، فقال له الفلاح: لكن لم يذكر اسم بنتي فاطمة!! وهذا المبتدع، يريد أن يثبت فزيادة السيادة بدعة، والناطق بها مبتدع، فلقد حظر واسعا، ونطق هجرا. وما أتى إلا من قبل جهله بقواعد علم الأصول التي كيف يكون جمع الأدلة، والتوفيق بينها، حتى تصير في خط مستقيم، لا تناقض بينها ولا تعارض. فنحن حين نذكر السيادة في الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لم نزدها من قبل أنفسنا، ولكن من قوله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث المتواتر أنا سيد ولد آدم . فضممنا هذا الحديث إلى حديث الصلاة عليه صلى الله عليه وآله وسلم، وعملنا بالدليلين، وهذا مستند ابن مسعود في وصف النبي صلى الله عليه وآله وسلم بسيد المرسلين.

ص 21

وكثير من الأحكام بل غالبها لم تستفد من دليل واحد بل من دليلين أو أكثر، فالصلاة عرفت أركانها وشروطها وسننها ومبطلاتها، من عدة أدلة. وكذلك الصيام والزكاة والحج، وهي أركان الإسلام. وهذا من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى بيان ولكن المتزمتين لا يفهمون. والمبتدع الألباني، وقع في البدعة التي ينعاها علينا، وهو لا يشعر، لضعف فهمه، وقلة إدراكه. فهو حين يصلي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في خطبته كتبه، يصلي على أصحابه معه، وزيادة الصحابة بدعة (لما تقدم بيانه). أرأيت كيف وقع في البدعة وهو ينعاها على غيره؟!!. نسأل السلامة والتوفيق. ومن جهله بعلم الأصول، وهو جهل فاضح: أنه جعل القراءة خلف الإمام في الصلاة الجهرية منسوخة، بزيادة مدرجة في الحديث. قال في صف صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ص 80 ثم نهاهم عن القراءة كلها في الجهرية، وذلك حينما انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، وفي رواية أنها صلاة الصبح، فقال إني أقول ما لي أنازع قال أبو هريرة: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما جهر فيه بالقراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقرءوا في أنفسهم سرا فيما لا يجهر فيه الإمام ا ه‍. كتب هذا تحت ترجمة: نسخ القراءة وراء الإمام في الجهرية. وهذا جهل كبير، يتبين بالوجوه الآتية: الأول ليس في الحديث نهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن القراءة خلف الإمام، روى مسلم والنسائي عن عمران بن حصين: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى الظهر فجعل رجل يقرأ خلفه (سبح اسم ربك الأعلى) فلما انصرف قال:

ص 22

أيكم قرأ؟ فقال الرجل: أنا، فقال: لقد ظننت أن بعضكم خالجنيها . قال شعبة: قلت لقتادة: كأنه كرهه، قال: لو كرهه لنهى عنه وحيث لم يوجد نهي، فلا نسخ يصح. الثاني قال البيهقي في المعرفة قوله: فانتهى الناس عن القراءة، من كلام الزهري، قاله محمد بن يحيى الذهلي صاحب الزهريات، ومحمد بن إسماعيل البخاري وأبو داود، واستدلوا على ذلك برواية الأوزاعي حيث ميزه من الحديث وجعله من قول الزهري وكيف يصح ذلك عن أبي هريرة وأبو هريرة يأمر بالقراءة خلف الإمام فيما جهر به وفيما خافت ا ه‍. وكذا قال الترمذي في السنن، ولو صح عن أبي هريرة لم يكن فيه دليل نسخ، لأن النسخ لا يثبت إلا بقول الشارع كما هو مقرر في الأصول، ولا يثبت بقول صحابي فضلا عن تابعي. الثالث أنه لم يثبت نهي عن القراءة مع الإمام إلا مقيدا باستثناء الفاتحة. ففي صحيح ابن حبان عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلى بأصحابه، فلما قضى صلاته أقبل عليهم بوجهه فقال: أتقرؤون في صلاتكم خلف الإمام والإمام يقرأ؟! . فسكتوا، قالها ثلاثا، فقال قائل: إنا لنفعل قال: فلا تفعلوا وليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه . ورواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط، وقال الحافظ الهيثمي: رجاله ثقات. وروى أحمد عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: تقرؤون خلفي؟! قالوا نعم، قال: فلا تفعلوا إلا بأم القرآن . وروى أحمد أيضا بإسناد صحيح عن رجل من الصحابة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلكم تقرؤون والإمام يقرأ؟! قالها ثلاثا، قالوا: أنا لنفعل ذلك، قال: فلا تفعلوا إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه . وروى أبو داود والترمذي عن عبادة بن الصامت قال كنا خلف رسول الله صلى الله عليه وآله

ص 23

وسلم في صلاة الفجر، فثقلت عليه القراءة فلما فرغ قال لعلكم تقرؤون خلف إمامكم؟! . قلنا نعم، هذا (2). يا رسول الله. قال: لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها حسنه الترمذي وصححه البخاري في جزء القراءة وابن حبان والحاكم وغيرهم، وما أعل به من عنعنة ابن إسحاق مردود بقول البيهقي. وقد رواه إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحق فذكر سماعه فيه من مكحول، فصار الحديث بذلك موصولا صحيحا ا ه‍. وقال الخطائي: إسناده جيد لا طعن فيه، وقال الحافظ في التلخيص الحبير وتخريج أحاديث الأذكار: إسناده حسن، وروى الدار قطني عن عبادة بن الصامت أيضا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا يقرأن أحدكم شيئا من القرآن إذا جهرت بالقراءة إلا بأم القرآن . قال الدار قطني: رواته كلهم ثقات. أما النهي عن القراءة مطلقا فلم يثبت أبدا، فكيف يدعي الألباني نسخ قراءة الفاتحة؟! أليس هذا جهلا واضحا؟. الرابع تقرر في علم الأصول: أن الجمع بين الأدلة واجب، لا يجوز العدول عنه إذا كان ممكنا بوجه من الوجوه. والجمع هنا ممكن بوضوح، والأحاديث نفسها بشير إليه. فالذين قرؤوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم جهروا بالقراءة، فلذلك قال: ظننت أن أحدكم خالجنيها... ما لي أنازع؟ . وكانوا يقرأون السورة مثل سبح حرصا على حفظها منه صلى الله عليه وآله وسلم فأرشدهم إلى الإنصات وترك الجهر لئلا يحصل تشويش وأمرهم مع ذلك بقراءة الفاتحة في أنفسهم. وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: وإذا قرأ فأنصتوا . معناه لا تجهروا بالقراءة، وهم مأمورون بقراءة الإمام له قراءة . حديث ضعيف بجميع طرقه، ولو فرضنا أنه يتقوى بتلك الطرق الضعيفة، لا يتجاوز أن يكون له أصل فلا يرقى إلى معارضة حديث الفاتحة المتواتر كما قال البخاري.

(هامش)

(2) بتشديد الذال المعجمة: أي سريعا. (*)

ص 24

ثم حمل القراءة فيه على قراءة الفاتحة غلط لا مسوغ له. بل المراد قراءة السورة وأدعية الركوع والسجود، والمعنى: أن الإمام يكفي المأموم عن قراءة السورة. وعن قراءة الأدعية الواردة في الركوع والسجود وفي القيام من الركوع وفي الجلوس بين السجدتين. أما الفاتحة فهي مخصوصة من عموم القراءة لأنها ركن في الصلاة والإمام يتحمل المندوبات فقط، ولا يتحمل الأركان كما هو معلوم بالضرورة من كتب الشريعة الإسلامية. الخامس علم مما ذكرنا أن دعوى النسخ باطلة، نشأت عن ضيق أفق وضعف في الفهم، والألباني يتحمل إثمها وإثم من قلده فيها وعليه ينطبق حديث: ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء . وهل أسوأ من إبطال حديث صحيح وإلغائه من درجة الحجية والعمل بدعوى خاطئة جريئة لا مخطئة، ولا لصاحبها عذر مقبول. وغلطاته كثيرة متنوعة في الرجال، وفي التصحيح والتضعيف، وفي فهم الحديث، وفي الاستنباط منه، وفي الجرأة على الأئمة الأعلام، وفي لمز كل من خالفه بالابتداع، أما الإنصاف وعفة اللسان فيسمع عنهما ولا يحسهما من نفسه، نسأل الله الهداية والتوفيق. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله الأكرمين، ورضي الله عن صحابته والتابعين. أبو الفضل عبد الله بن محمد ابن الصديق عفي عنه

 

الصفحة السابقة

القول المقنع في الرد على الألباني المبتدع

فهرسة الكتاب

فهرس الكتب