توحيد المفضل

الصفحة السابقة الصفحة التالية

توحيد المفضل

فهرسة الكتاب

فهرس الكتب

ص 61

وخص مع ذلك بالذهن والفطنة التي بها يفهم عن سائسه ما يؤمي إليه ويحكى كثيرا مما يرى الإنسان يفعله، حتى أنه يقرب من خلق الإنسان وشمائله في التدبير في خلقته على ما هي عليه. أن يكون عبرة للإنسان في نفسه فيعلم أنه من طينة البهائم وسنخها (1) إذ كان يقرب من خلقها هذا القرب. وأنه لولا فضيلة فضله بها في الذهن والعقل والنطق كان كبعض البهائم على أن في جسم القرد فضولا أخرى تفرق بينه وبين الإنسان كالخطم (2) والذنب المسدل والشعر المجلل للجسم كله. وهذا لم يكن مانعا للقرد أن يلحق بالإنسان لو أعطي مثل ذهن الإنسان وعقله ونطقه والفصل الفاصل بينه وبين الإنسان - في الحقيقة - هو النقص في العقل والذهن والنطق.

 (إكساء أجسام الحيوانات وخلقة أقدامها بعكس الإنسان وأسباب ذلك)

 أنظر يا مفضل إلى لطف الله جل اسمه بالبهائم كيف كسيت أجسامها هذه الكسوة من الشعر والوبر والصوف لتقيها من البرد وكثرة الآفات البست الأظلاف والحافر والاخفاف لتقيها من الحفاء (3) إذ كانت لا أيدي لها ولا أكف ولا أصابع مهيأة للغزل والنسج فكفوا بأن جعل كسوتهم في خلقهم باقية عليهم ما بقوا لا يحتاجون إلى تجديدها واستبدال بها. فأما الإنسان فإنه ذو حيلة وكف مهيأة للعمل. فهو ينسج ويغزل ويتخذ لنفسه الكسوة ويستبدل بها حالا بعد حال. وله في ذلك صلاح من جهات. من ذلك أنه يشتغل بصنعة اللباس عن العبث وما تخرجه إليه

(هامش)

(1) السنخ - بالكسر - الأصل والجمع أسناخ وسنوخ. (2) الخطم من الدابة: مقدم أنفها وفمها. (3) الحفاء هو المشي بلا خف ولا نعل. (*)

ص 62

الكفاية. ومنها أنه يستريح إلى خلع كسوته إذا شاء ولبسها إذا شاء ومنها أن يتخذ لنفسه من الكسوة ضروبا لها جمال وروعة فيتلذذ بلبسها وتبديلها وكذلك يتخذ بالرفق من الصنعة ضروبا الخفاف (1) والنعال يقي بها قدميه. وفي ذلك معائش لمن يعمله من الناس ومكاسب يكون فيها معائشهم ومنها أقواتهم وأقوات عيالهم. فصار الشعر والوبر والصوف يقوم للبهائم مقام الكسوة والأظلاف (2) والحوافر والاخفاف مقام الحذاء.

 (مواراة البهائم عند إحساسها بالموت)

 فكر يا مفضل في خلقة عجيبة جعلت في البهائم، فإنهم يوارون (3) أنفسهم إذا ماتوا، كما يواري الناس موتاهم، وإلا فأين جيف هذه الوحوش والسباع وغيرها، لا يرى منها شيء، وليست قليلة فتخفى لقلتها؟ بل لو قال قائل: إنها أكثر من الناس لصدق. فاعتبر في ذلك بما تراه في الصحارى والجبال من أسراب الظباء (4) والمها (5) والحمير الوحش والوعول (6) والأيائل (7) وغير ذلك من الوحوش وأصناف السباع من الأسد والضباع والذئاب والنمور وغيرها، وضروب الهوام والحشرات ودواب الأرض، وكذلك أسراب الطير من الغربان

(هامش)

(1) الخفاف جمع خف - بالضم - وهو ما يلبس بالرجل. (2) الأظلاف - بالكسر - وهو لما اجتر من الحيوانات كالبقرة والظبي بمنزلة الحافر للفرس. (3) يوارون أنفسهم: يخفونها. (4) الظباء جمع ظبية وهي أنثى الغزال. (5) المها: جمع مهاة وهي البقرة الوحشية. (6) الوعول جمع وعل وهو تيس الجبل له قرنان قويان منحنيان كسيفين أحد بين. (7) الأيائل جمع أيل - بفتح فتشديد - حيوان من ذوات الظلف للذكور منه قرون متشعبة لا تجويف فيها، أما الإناث فلا قرون لها. (*)

ص 63

والقطا والإوز والكراكي (1) والحمام وسباع الطير جميعا، وكلها لا يرى منها إذا ماتت إلا الواحد بعد الواحد يصيده قانص أو يفترسه سبع، فإذا أحسوا بالموت كمنوا في مواضع خفية فيموتون فيها، ولولا ذلك لامتلأت الصحارى منها حتى تفسد رائحة الهواء وتحدث الأمراض والوباء. فانظر إلى هذا بالذي يخلص إليه الناس، وعملوه بالتمثيل (2) الأول الذي مثل لهم كيف جعل طبعا واذكارا (3) في البهائم وغيرها، ليسلم الناس من معرة (4) ما يحدث عليهم من الأمراض والفساد.

 (الفطن التي جعلت في البهائم: الأيل والثعلب والدلفين)

 فكر يا مفضل في الفطن التي جعلت في البهائم لمصلحتها، بالطبع والخلقة، لطفا من الله عز وجل لهم، لئلا يخلو من نعمة جل وعز أحد من خلقه بعقل وروية، فإن الأيل يأكل الحيات فيعطش عطشا شديدا فيمتنع عن شرب الماء، خوفا من أن يدب السم في جسمه فيقتله، ويقف على الغدير وهو مجهود عطشا، فيعج عجيجا عاليا، ولا يشرب منه، ولو شرب لمات من ساعته. فانظر إلى ما جعل من طباع هذه البهيمة، من تحمل الظمأ الغالب الشديد، خوفا من المضرة في الشرب، وذلك مما لا يكاد الإنسان العاقل المميز يضبطه من نفسه.

(هامش)

(1) الكراكي جمع كركي - بضم فسكون فسكر - طائر كبير أغبر اللون طويل العنق والرجلين أبتر الذنب قليل اللحم. (2) المراد بالتمثيل ما ذكره الله تعالى في قصة قابيل. (3) في الأصل المطبوع ادكارا بالدال المهملة، ولكن الاذكار أوضح وهو من قولهم ذكر الشيء: حفظه في ذهنه. (4) المعرة: الأمر القبيح والمساءة والإثم والأذى. (*)

ص 64

والثعلب إذا اعوزه الطعم، تماوت ونفخ بطنه، حتى يحسبه الطير ميتا، فإذا وقعت عليه لتنهشه، وثب عليها فأخذها. فمن أعان الثعلب العديم النطق والروية بهذه الحيلة، إلا من توكل بتوجيه الرزق له من هذه وشبهه. فإنه لما كان الثعلب يضعف عن كثير مما تقوى عليه السباع من مساورة الصيد، أعين بالدهاء والفطنة والاحتيال لمعاشه. والدلفين (1) يلتمس صيد الطير، فيكون حيلته في ذلك أن يأخذ السمك فيقتله ويسرحه (2) حتى يطفو على الماء ثم يكمن تحته ويثور الماء الذي عليه حتى لا يتبين شخصه، فإذا وقع الطير على السمك الطافي وثب إليها فاصطادها. فانظر إلى هذه الحيلة كيف جعلت طبعا في هذه البهيمة لبعض المصلحة.

 (التنين والسحاب)

 قال المفضل فقلت: أخبرني يا مولاي عن التنين (3) والسحاب، فقال عليه السلام، إن السحاب كالموكل به، يختطفه حيثما ثقفه (4)، كما يختطف حجر المغناطيس الحديد، فهو لا يطلع رأسه في الأرض خوفا من السحاب، ولا يخرج إلا في القيظ (5) مرة إذا صحت السماء فلم يكن فيها

(هامش)

(1) الدلفين - بضم فسكون - دابة بحرية كبيرة والجمع دلافين، واللفظ دخيل ومرادفه في العربية الدخس - بضم ففتح -. (2) في الأصل المطبوع يشرحه بالشين، لكن كلمة يسرحه هنا أكثر أداء للمعنى المقصود. (3) التنين - بالكسر - الحية العظيمة والجمع تنانين. (4) ثقفه: أدركه وظفر به. (5) القيظ: حميم الصيف وشدة الحر والجمع أقياظ وقيوظ. (*)

ص 65

نكتة (1) من غيمة قلت فلم وكل السحاب بالتنين يرصده ويختطفه إذا وجده؟ قال: ليدفع عن الناس مضرته (2).

 (في الذرة والنمل وأسد الذباب والعنكبوت وطبائع كل منهما)

 قال المفضل فقلت: قد وصفت لي يا مولاي من أمر البهائم ما فيه معتبر لمن اعتبر، فصف لي الذرة والنملة والطير، فقال عليه السلام يا مفضل تأمل وجه الذرة الحقيرة الصغيرة هل تجد فيها نقصا عما فيه صلاحها، فمن أين هذا التقدير والصواب في خلق الذرة؟ إلا من التدبير القائم في صغير الخلق وكبيره. أنظر إلى (النمل) واحتشاده في جمع القوت وإعداده، فإنك ترى الجماعة منها إذا نقلت الحب إلى زبيتها (3) بمنزلة جماعة من الناس ينقلون الطعام أو غيره، بل للنمل في ذلك من الجد والتشمير ما ليس للناس مثله.. أما تراهم يتعاونون على النقل كما يتعاون الناس على العمل، ثم

(هامش)

(1) النكتة: النقطة السوداء في الأبيض أو البيضاء في الأسود والجمع نكت ونكات. (2) الذي يظهر إن هذا الأمر الغريب كان معروفا عند العرب - الأوائل، وقد ورد ذكره في الشعر القديم، كالذي جاء في قصيدة للشاعر العباسي إسماعيل بن محمد المعروف بالسيد الحميري المتوفى سنة 173، فقال من تلك القصيدة التي يذكر فيها إحدى فضائل الإمام علي عليه السلام. - ألا يا قوم للعجب العجاب * لخف أبي الحسين وللحباب عدو من عدات الجن عبد * بعيد في المرادة من صواب كريه اللوم أسود ذو بصيص * حديد الناب أزرق ذو لعاب أتى خفا له فانساب فيه * لينهش رجله منها بناب فقض من السماء له عقاب * من العقبان أو شبه العقاب فطار به فحلق ثم أهوى * به للأرض من دون السحاب (3) الزبية - بضم فسكون: - الرابية لا يعلوها ماء جمعها زبى. (*)

ص 66

يعمدون إلى الحب فيقطعونه قطعا. لكيلا ينبت فيفسد عليهم، فإن أصابه ندى أخرجوه فنشروه حتى يجف، ثم لا يتخذ النمل الزبية إلا في نشز (1) من الأرض كيلا يفيض السيل فيغرقها، وكل هذا منه بلا عقل ولا روية، بل خلقة خلق عليها لمصلحة من الله جل وعز. أنظر إلى هذا الذي يقال له الليث (2) وتسميه العامة (أسد الذباب) وما أعطي من الحيلة والرفق في معاشه، فإنك تراه حين يحس بالذباب قد وقع قريبا منه. تركه مليا حتى كأنه موات لا حراك به، فإذا رأى الذباب قد أطمأن وغفل عنه، دب دبيبا دقيقا، حتى يكون منه بحيث تناله وثبته، ثم يثب عليه فيأخذه، فإذا أخذه اشتمل عليه بجسمه كله، مخافة أن ينجو منه، فلا يزال قبضا عليه، حتى يحس بأنه قد ضعف واسترخى ثم يقبل عليه فيفترسه، ويحيى بذلك منه. فأما (العنكبوت) فإنه ينسج ذلك النسج، فيتخذه - شركا ومصيدة للذباب، ثم يكمن (3) في جوفه، فإذا نشب فيه الذباب أحال (4) عليه يلدغه ساعة بعد ساعة، فيعيش بذلك منه. فذلك (5) يحكي صيد الكلاب والفهود، وهذا (6) يحكي صيد الاشراك والحبائل. فانظر إلى هذه الدويبة الضعيفة، كيف جعل في طبعها ما لا يبلغه الإنسان إلا بالحيلة واستعمال الآلات فيها، فلا تزدري بالشيء إذا كانت

(هامش)

(1) النشز - بفتحتين - المكان المرتفع جمعه نشاز وانشاز. (2) الليث: ضرب من العناكب والجمع ليوث ومليثة. (3) في الأصل المطبوع يتمكن وهو خطأ. (4) أحال: أقبل ووثب. (5) يعني به أسد الذباب. (6 ) يعني به العنكبوت وفي نسخة - هكذا -. (*)

ص 67

العبرة فيه واضحة كالذرة والنملة وما أشبه ذلك فإن المعنى النفيس قد يمثل بالشيء الحقير، فلا يضع منه ذلك (1) كما لا يضع من الدينار - وهو من ذهب أن يوزن بمثقال من حديد. (جسم الطائر وخلقته) تأمل يا مفضل جسم الطائر وخلقته، فإنه حين قدر أن يكون طائرا في الجو، خفف جسمه وادمج (2) خلقه، واقتصر به من القوائم الأربع على اثنتين، ومن الأصابع الخمس على أربع، ومن منفذين المزبل والبول على واحد يجمعهما، ثم خلق ذا جؤجؤ (3) محدد، ليسهل عليه أن يخرق الهواء كيف ما أخذ فيه، كما جعلت السفينة بهذه الهيئة، لتشق الماء وتنفذ فيه، وجعل في جناحيه وذنبه ريشات طوال متان، لينهض بها للطيران، وكسا (4)، كله الريش، ليتداخله الهواء فيقله (5)، ولما قدر أن يكون طعمه الحب واللحم يبلعه بلعا بلا مضغ، نقص من خلقة الإنسان وخلق له منقار صلب جاسي يتناول به طعمه، فلا ينسحج (6) من لفظ الحب، ولا يتقصف (7) من نهش اللحم، ولما عدم الأسنان، وصار يزدرد الحب صحيحا واللحم غريضا (8) أعين بفضل حرارة في الجوف تطحن له الطعم طحنا يستغني عن المضغ، واعتبر ذلك بأن عجم العنب (9)

(هامش)

(1) أي لا ينقص من قدر المعنى النفيس تمثيله بالشيء الحقير. (2) أدمج خلقه: لفه وأحسنه. (3) الجؤجؤ من الطائر والسفينة: الصدر والجمع جآجئ. (4) في الأصل كتبت بالألف المقصورة وهي خطأ. (5 ) يقله: يحمله ويرفعه. (6) ينسحج: أي ينتشر. (7) يتقصف: أي يتكسر. (8) الغريض: كل أبيض طرئ. (9) عجم العنب: ما كان في جوف العنب من النوى الصغير. (*)

ص 68

وغيره، يخرج من أجواف الأنس صحيحا، ويطحن في أجواف الطير لا يرى له أثر، ثم جعل مما يبيض بيضا، ولا يلد ولادة، لكيلا يثقل عن الطيران، فإنه لو كانت الفراخ في جوفه تمكث حتى تستحكم، لأثقلته وعاقته عن النهوض والطيران، فجعل كل شيء من خلقه مشاكلا للأمر الذي قدر أن يكون عليه ثم صار الطائر السائح في هذا الجو يقعد على بيضه فيحضنه أسبوعا وبعضها أسبوعين وبعضها ثلاثة أسابيع، حتى يخرج الفرخ من البيضة، ثم يقبل عليه فيزقه الريح لتتسح حوصلته للغذاء، ثم يربيه ويغذيه بما يعيش به. فمن كلفه أن يلقط الطعم والحب يستخرجه، بعد أن يستقر في حوصلته، ويغذو به فراخه..؟ ولأي معنى يحتمل هذه المشقة. وليس بذي روية ولا تفكر، ولا يأمل في فراخه ما يؤمل الإنسان في ولده من العز والرفد (1) وبقاء الذكر...؟ فهذا من فعله يشهدانه معطوف على فراخه، لعله لا يعرفها ولا يفكر فيها، وهي دوام النسل وبقاؤه لطفا من الله تعالى ذكره. (الدجاجة وتهيجها لحضن البيض والتفريخ) أنظر إلى (الدجاجة) كيف تهيج لحضن البيض والتفريخ، وليس لها بيض مجتمع ولا وكر موطى، بل تنبعث وتنتفخ وتقوى (2) وتمتنع من الطعم، حتى يجمع لها البيض، فتحضنه وتفرخ.. فلم كان ذلك منها إلا لإقامة النسل؟ ومن أخذها بإقامة النسل ولا روية لها ولا تفكير، لولا أنها مجبولة على ذلك؟

(هامش)

(1) الرفد - بالكسر - المعونة والعطاء والجمع إرفاد ورفود. (2) في الأصل كتبت الألف مشالة، وتقوى من القوى أي الجوع فكأن الدجاجة تبيت جائعة.. وفي نسخة تقوقي أي تصيح. (*)

ص 69

(خلق البيضة والتدبير في ذلك) إعتبر بخلق البيضة، وما فيها من المح (1) الأصفر الخاثر (2) والماء الأبيض الرقيق، فبعضه ينشو منه الفرخ، وبعضه ليغتذي به، إلى أن تنقاب عنه البيضة، وما في ذلك من التدبير، فإنه لو كان نشوء (3) الفرخ في تلك القشرة المستحفظة (4) التي لا مساغ لشيء إليها، جعل معه في جوفها من الغذاء ما يكتفي به إلى وقت خروجه منها، كمن يحبس في حبس حصين لا يوصل إلى من فيه، فيجعل معه من القوت ما يكتفي به إلى وقت خروجه منه. (حوصلة الطائر) فكر يا مفضل في حوصلة الطائر، وما قدر له فإن مسلك الطعم إلى القانصة (5) ضيق، لا ينفذ فيه الطعام إلا قليلا قليلا، فلو كان الطائر لا يلقط حبة ثانية، حتى تصل الأولى إلى القانصة، لطال عليه، ومتى كان يستوفي طعمه؟. فإنما يختلسه اختلاسا، لشدة الحذر، فجعلت له الحوصلة كالمخلاة (6) المعلقة أمامه، ليوعى فيها ما أدرك من الطعم بسرعة، ثم تنفذه إلى القانصة على مهل، وفي الحوصلة أيضا خلة أخرى، فإن من الطائر ما يحتاج إلى أن يزق فراخه فيكون رده للطعم من قرب أسهل عليه.

(هامش)

(1) المح - بالضم - صفر البيض، وفي بعض النسخ بالخاء المعجمة أي مخ. (2) خثر اللبن: ثخن واشتد فهو خاثر. (3) سقطت الهمزة من الأصل. (4) المستحفظة من استحفظه السر أو المال: سأله أن يحفظه. (5) القانصة للطير كالمعدة للإنسان جمعها قوانص. (6) المخلاة: ما يجعل فيه العلف ويعلق في عنق الدابة والجمع مخال. (*)

ص 70

(اختلاف ألوان الطير وعلة ذلك) قال المفضل فقلت: إن قوما من المعطلة يزعمون أن اختلاف الألوان والأشكال في الطير إنما يكون من قبل امتزاج الأخلاط، واختلاف مقاديرها المرج (1) والإهمال. قال: يا مفضل هذا الوشي الذي تراه في الطواويس والدراج (2) والتدارج على استواء ومقابلة، كنحو ما يخط بالأقلام، كيف يأتي به الامتزاج المهمل على شكل واحد لا يختلف، ولو كان بالإهمال لعدم الاستواء ولكان مختلفا.

 (ريش الطائر ووصفه)

 تأمل ريش الطير وكيف هو...؟ فإنك تراه منسوجا كنسج الثوب من سلوك (3) دقاق، قد ألف بعضه إلى بعض، كتأليف الخيط إلى الخيط والشعرة إلى الشعرة، ثم ترى ذلك النسج إذا مددته ينفتح قليلا ولا ينشق لتداخله الريح، فيقل الطائر إذا طار، وترى في وسط الريشة عمودا غليظا متينا قد نسج عليه الذي هو مثل الشعر ليمسكه بصلابته، وهو القصبة التي في وسط الريشة، وهو مع ذلك أجوف، ليخف على الطائر ولا يعوقه عن الطيران.

(هامش)

(1) المرج - بالتحريك - الاضطراب واللبس والفساد والاختلاط وفي بعض النسخ بالزاء المعجمة... والأول أظهر وأجلى للمعنى المقصود. (2) الدراج طائر تقدم ذكره. (3) السلوك جمع سلك وهو الخيط ينظم فيه الخرز ونحوه. (*)

ص 71

(الطائر الطويل الساقين والتدبير في ذلك)

 هل رأيت يا مفضل هذا الطائر الطويل الساقين (1) وعرفت ما له من المنفعة في طول ساقيه، فإنه أكثر ذلك في ضحضاح (2) من الماء فتراه بساقين طويلين، كأنه ربيئة (3) فوق مرقب (4) وهو يتأمل ما يدب في الماء، فإذا رأى شيئا مما يتقوت به، خطا خطوات رقيقا حتى يتناوله، ولو كان قصير الساقين وكان يخطو نحو الصيد ليأخذه، يصيب بطنه الماء، فيثور ويذعر منه، فيفرق عنه، فخلق له ذلك العمودان ليدرك بهما حاجته ولا يفسد عليه مطلبه. تأمل ضروب التدبير في خلق الطائر، فإنك تجد كل طائر طويل الساقين طويل العنق، وذلك ليتمكن من تناول طعمه من الأرض ولو كان طويل الساقين قصير العنق، لما استطاع أن يتناول شيئا من الأرض وربما أعين مع العنق بطول المناقير، ليزداد الأمر عليه سهولة وإمكانا أفلا ترى أنك لا تفتش شيئا من الخلقة إلا وجدته على غاية الصواب والحكمة. (العصافير وطلبها للأكل) أنظر إلى العصافير، كيف تطلب أكلها بالنهار فهي لا تفقده ولا تجده مجموعا معدا، بل تناله بالحركة والطلب، وكذلك الخلق كله فسبحان من

(هامش)

(1) ينطبق الوصف الذي ذكره الإمام الصادق للطائر الطويل الساقين على بعض الطيور المائية كالنحام والأنيس. (2) الضحضاح: الماء اليسير أو القريب القعر. (3) الربيئة: العين التي ترقب، أو الطليعة الذي ينظر للقوم لئلا يدهمهم عدو، ولا يكون إلا على جبل. (4) المرقب: الموضع المرتفع يعلوه الرقيب جمعه مراقب. (*)

ص 72

قدر الرزق كيف فرقه. فلم يجعل مما لا يقدر عليه، إذ جعل بالخلق حاجة إليه، ولم يجعل مبذولا ينال بالهوينا (1) إذ كان لا صلاح ذلك فإنه لو كان يوجد مجموعا معدا كانت البهائم تنقلب عليه، ولا تنقلع عنه حتى تبشم (2) فتهلك. وكان الناس أيضا يصيرون بالفراغ إلى غاية الأشر والبطر، حتى يكثر الفساد وتظهر الفواحش. (معاش البوم والهام والخفاش) أعلمت ما طعم هذه الأصناف من الطير التي لا تخرج إلا بالليل، كمثل البوم والهام (3) والخفاش؟... قلت: لا يا مولاي. قال: إن معاشها من ضروب تنتشر في الجو من البعوض والفراش وأشباه الجراد واليعاسيب (4). وذلك أن هذه الضروب مبثوثة في الجو لا يخلو منها موضع.. واعتبر ذلك بأنك إذا وضعت سراجا بالليل في سطح أو عرصة دار، اجتمع عليه من هذه الضروب شيء كثير.. فمن أين يأتي ذلك كله، إلا من القرب؟ فإن قال قائل: إنه يأتي من الصحارى والبراري، قيل له: كيف يوافي تلك الساعة من موضع بعيد، وكيف يبصر من ذلك البعد سراجا في دار محفوفة بالدور فيقصد إليه، مع أن هذه عيانا تتهافت على السراج من قرب، فيدل ذلك على أنها منتشرة في كل

(هامش)

(1) الهوينا: التؤدة والرفق، وهي تصغير الهونى، والهونى تأنيث الأهون... وقد كتبت الهوينا في الأصل هكذا: الهويني. (2) تبشم أي تتخم من الطعام. (3) الهام جمع هامة: نوع من البوم الصغير تألف القبور والأماكن الخربة وتنظر من كل مكان أينما درت أدارت رأسها، وتسمى أيضا الصدى. (4) اليعاسيب جمع يعسوب وهو ذكر النحل وأميرها. (*)

ص 73

موضع من الجو، فهذه الأصناف من الطير تلتمسها إذا خرجت فتتقوت بها. فانظر كيف وجه الرزق لهذه الطيور التي لا تخرج إلا بالليل من هذه الضروب المنتشرة في الجو، واعرف ذلك المعنى في خلق هذه الضروب المنتشرة، التي عسى أن يظن ظان أنها فضل لا معنى له.

 (خلقة الخفاش)

 خلق الخفاش خلقة عجيبة بين خلقة الطير وذوات الأربع، هو إلى ذوات الأربع أقرب، وذلك أنه ذو أذنين ناشزتين (1) وأسنان ووبر وهو يلد ولادا ويرضع ويبول، ويمشي إذا مشى على أربع، وكل هذا خلاف صفة للطير، ثم هو أيضا مما يخرج بالليل، ويتقوت بما يسري (2) في الجو من الفراش وما أشبهه، وقد قال قائلون إنه لا طعم للخفاش وإن غذاءه (3) من النسيم وحده، وذلك يفسد ويبطل من جهتين: أحدهما خروج الثفل (4) والبول منه، فإن هذا لا يكون من غير طعم، والأخرى إنه ذو أسنان، ولو كان لا يطعم شيئا لم يكن للأسنان فيه معنى، وليس في الخلقة شيء لا معنى له، وأما المآرب فيه فمعروفة، حتى أن زبله يدخل في بعض الأعمال، ومن أعظم الأرب فيه خلقته العجيبة الدالة على قدرة الخالق جل ثناؤه، وتصرفها فيما شاء كيف شاء لضرب من المصلحة.

(هامش)

(1) الناشز: ما كان ناتئا مرتفعا عن مكانه... وفي نسخة ناشر بالراء أي مبسوط. (2) يسري: يسير في الليل. (3) سقطت الهمزة في الطبعة الأولى. (4) الثفل - بالضم - الكدرة المستقرة في أسفل الشيء. (*)

ص 74

(حيلة الطائر أبو نمرة بالحسكة ومنفعتها)

 فأما الطائر الصغير الذي يقال له ابن نمرة (1) فقد عشش في بعض الأوقات في بعض الشجر، فنظر إلى حية عظيمة قد أقبلت نحو عشه فاغرة فاها، تبغيه لتبتلعه، فبينما هو يتقلب ويضطرب في طلب حيلة منها إذ وجد حسكة، فحملها فألقاها في فم الحية فلم تزل الحية تلتوي وتتقلب حتى ماتت. أفرأيت لو لم أخبرك بذلك، كان يخطر ببالك أو ببال غيرك أنه يكون من حسكة مثل هذه المنفعة، أو يكون من طائر صغير أو كبير مثل هذه الحيلة.. اعتبر بهذا وكثير من الأشياء يكون فيها منافع لا تعرف بحادث يحدث أو خبر يسمع به. ( النحل عسله وبيوته) أنظر إلى النحل واحتشاده في صنعة العسل، وتهيئة البيوت المسدسة وما ترى في ذلك من دقائق الفطنة، فإنك إذا تأملت العمل رأيته عجيبا لطيفا، وإذا رأيت المعمول وجدته عظيما شريفا موقعه من الناس، وإذا رجعت إلى الفاعل الفيتة غبيا جاهلا بنفسه (2) فضلا عما سوى ذلك، ففي هذا أوضح الدلالة على أن الصواب والحكمة في هذه الصنعة ليس للنحل بل هي للذي طبعه عليها، وسخره فيها لمصلحة الناس.

(هامش)

(1) في الأصل المطبوع أبو تمرة وهو غير صحيح، وفي نسخة البحار ابن تمرة... وتمرة أو ابن تمرة طائر أصغر من العصفور. (2) أي ليس له عقل يتصرف في سائر الأشياء على نحو تصرفه في ذلك الأمر المخصوص، فظهر أن خصوص هذا الأمر إلهام من مدبر حكيم أو خلقة وطبيعة جبله عليها في شأن مصلحته الخاصة، مع كون هذا الحيوان غافلا عن المصلحة أيضا، ولعل هذا يؤيد ما يقال إن الحيوانات العجم غير مدركة للكليات. (من تعليقات البحار). (*)

ص 75

(الجراد وبلاؤه)

 أنظر إلى هذا الجراد ما أضعفه وأقواه!. فإنك إذا تأملت خلقه رأيته كأضعف الأشياء وإن دلفت (1) عساكره نحو بلد من بلدان لم يستطع أحد أن يحميه منه.. ألا ترى أن ملكا من ملوك الأرض لو جمع خيله ورجله (2) ليحمي بلاده من الجراد لم يقدر على ذلك. أفليس من الدلائل على قدرة الخالق أن يبعث أضعف خلقه، إلى أقوى خلقه فلا يستطيع دفعه. (كثرة الجراد) أنظر إليه كيف ينساب على وجه الأرض مثل السيل فيغشى السهل، والجبل والبدو والحضر، حتى يستر نور الشمس بكثرته، فلو كان هذا مما يصنع بالأيدي، متى كان تجتمع منه هذه الكثرة؟ وفي كم سنة كان يرتفع؟ فاستدل بذلك على القدرة التي لا يؤدها شيء، ولا يكثر عليها.

 (وصف السمك)

 تأمل خلق السمك ومشاكلته للأمر الذي قدر أن يكون عليه، فإنه خلق غير ذي قوائم، لأنه لا يحتاج إلى المشي، إذ كان مسكنه الماء وخلق غير ذي رية، لأنه لا يستطيع أن يتنفس وهو منغمس في اللجة، وجعلت له مكان القوائم أجنحة شداد يضرب بها في جانبيه، كما يضرب الملاح

(هامش)

(1) دلف دلفا ودلفانا: مشى كالمقيد وقارب الخطو في مشيه. (2) الرجل - بالفتح - جمع راجل وهو من يمشي على رجليه لا راكبا. (*)

ص 76

بالمجاذيف من جانبي السفينة، وكسا (1) جسمه قشورا متانا متداخلة كتداخل الدروع والجواشن (2) لتقيه من الآفات، فأعين بفضل حس في الشم، لأن بصره ضعيف، والماء يحجبه، فصار يشم الطعم من البعد البعيد، فينتجعه (3) فيتبعه، وإلا فكيف يعلم به وبموضعه؟ وأعلم أن من فيه إلى صماخه (4) منافذ، فهو يعب الماء بفيه، ويرسله من صماخيه فيتروح إلى ذلك، كما يتروح غيره من الحيوان إلى تنسم هذا النسيم.

 (كثرة نسل السمك وعلة ذلك)

 فكر الآن في كثرة نسله وما خص به من ذلك، فإنك ترى في جوف السمكة الواحدة من البيض ما لا يحصى كثرة، والعلة في ذلك أن يتسع لما يغتذي به من أصناف الحيوان، فإن أكثرها يأكل السمك، حتى أن السباع أيضا في حافات الآجام (5) عاكفة على الماء أيضا كي ترصد السمك، فإذا مر بها خطفته، فلما كانت السباع تأكل السمك، والطير يأكل السمك، والناس يأكلون السمك، والسمك يأكل السمك كان من التدبير فيه أن يكون على ما هو عليه من الكثرة. (سعة حكمة الخالق وقصر علم المخلوقين) فإذا أردت أن تعرف سعة حكمة الخالق، وقصر علم المخلوقين،

(هامش)

(1) في الأصل كتبت الألف المقصورة. (2) الجواشن جمع جوشن وهو الدرع أو الصدر. (3) ينتجع: يطلب الكلأ في موضعه. (4) الصماخ - بالكسر - خرق الأذن الباطن الماضي إلى الرأس، والجمع صمخ وإصمخة. (5) الآجام جمع الجمع للأجمة: الشجر الكثير الملتف. (*)

ص 77

فانظر إلى ما في البحار من ضروب السمك ودواب الماء والأصداف والأصناف التي لا تحصى، ولا تعرف منافعها إلا الشيء بعد الشيء يدركه الناس بأسباب تحدث، مثل القرمز (1) فإنه لما عرف الناس صبغه، بأن كلبة تجول على شاطئ البحر فوجدت شيئا من الصنف الذي يسمى الحلزون (2)، فأكلته فاختضب خطمها (3) بدمه فنظر الناس إلى حسنه فاتخذوه صبغا (4)، وأشباه هذا مما يقف الناس عليه حالا بعد حال وزمانا بعد زمان. (5). قال المفضل: وحان وقت الزوال، فقام مولاي عليه السلام إلى الصلاة وقال: بكر إلي غدا إن شاء الله تعالى.. فانصرفت وقد تضاعفت سروري بما عرفنيه، مبتهجا بما منحنيه، حامدا لله على ما آتانيه، فبت ليلتي مسرورا مبتهجا.

(هامش)

(1) القرمز صبغ أحمر. (2) الحلزون: دويبة تكون في صدق وهي المعروفة بالبزاق. (3) الخطم مقدم أنف الدابة وفمها. (4) يظهر من كلام الإمام عليه السلام اتحاد القرز والحلزون، ويحتمل أن يكون المراد أن من صبغ الحلزون تفطن الناس بأعمال القرمز للصبغ، لما فيهما من تشابه. (5) ليس العجب من خالق أمثال هذه الذرة والدودة وأصناف الأسماك الغريبة، التي اختلفت أشكالها وتنوعت الحكمة فيها، وليس العجيب - أن يهتدي إلى الحكمة في كل واحد من تلك المصنوعات بعد وجودها وتكوينها، وإنما العجب ممن ينكر فاطر السماوات والأرض وما فيهن وما بينهن، مع اتقان الصنعة وأحكام الخلقة وبداعة التركيب، ولو نظر الجاحد إلى نفسه مع غريب الصنع وتمام الخلق، لكان أكبر برهان على الوجود ووحدانية الوجود. (الإمام الصادق للمظفر ج 1 ص 177). (*)

ص 78

 

(المجلس الثالث)

 فلما كان اليوم الثالث بكرت إلى مولاي فاستؤذن لي فدخلت فأذن لي بالجلوس فجلست فقال عليه السلام: - الحمد لله الذي اصطفانا ولم يصطف علينا، اصطفانا بعلمه (1)، وأيدنا بحلمه (2) من شذ عنا (3) فالنار مأواه، ومن تفيأ بظل دوحتنا فالجنة مثواه.. قد شرحت لك يا مفضل خلق الإنسان، وما دبر به، وتنقله في أحواله، وما فيه من الاعتبار، وشرحت لك أمر الحيوان... وأنا ابتدئ الآن بذكر السماء والشمس والقمر والنجوم والفلك والليل. والنهار والحر والبرد والرياح والجواهر الأربعة الأرض والماء والهواء والنار والمطر والصخر والجبال والطين والحجارة والنخل والشجر وما في ذلك من الأدلة والعبر.

 (لون السماء وما فيه من صواب التدبير)

 فكر في لون السماء وما فيه من صواب التدبير، فإن هذا اللون أشد الألوان موافقة وتقوية للبصر، حتى أن من صفات الأطباء لمن أصابه شيء أضر ببصره إدمان النظر إلى الخضرة وما قرب منها إلى السواد وقد وصف الحذاق منهم لمن كل بصره الاطلاع في إجانة (4) خضراء مملوءة ماء، فانظر كيف جعل الله جل وتعالى أديم السماء بهذا اللون الأخضر إلى السواد ليمسك الأبصار المتقلبة عليه، فلا ينكأ فيها بطول مباشرتها له فصار هذا الذي أدركه الناس بالفكر

(هامش)

(1) اصطفانا أي اختارنا وفضلنا على الخلق، بأن أعطانا من علمه ما لم يعطه أحدا. (2) أيدنا بحلمه أي قوانا على تبليغ الرسالة بما حلانا به من حلمه لنصبر على ما يلقانا من أذى الناس وتكذيبهم. (3) شذ عنا: ندر عنا وأنفرد. (4) الإجانة - بكسر فتشديد - إناء تغسل فيه الثياب والجمع أجاجين. (*)

ص 79

والروية والتجارب، يوجد مفروغا منه في الخلقة حكمة بالغة (1) ليعتبر بها المعتبرون، ويفكر فيها الملحدون، قاتلهم الله أنى يؤفكون (2).

 (طلوع الشمس وغروبها والمنافع في ذلك)

 فكر يا مفضل في طلوع الشمس وغروبها، لإقامة دولتي النهار والليل، فلولا طلوعها لبطل أمر العالم كله، فلم يكن الناس يسعون في معائشهم، ويتصرفون في أمورهم، والدنيا مظلمة عليهم، ولم يكونوا يتهنون بالعيش مع فقدهم لذة النور وروحه... والأرب في طلوعها ظاهر مستغنى بظهوره عن الإطناب في ذكره، والزيادة في شرحه... بل تأمل المنفعة في غروبها، فلولا غروبها لم يكن للناس هدوء ولا قرار مع عظم حاجتهم إلى الهدوء والراحة لسكون أبدانهم، وجموم حواسهم (3) وانبعاث القوة الهاضمة لهضم الطعام، وتنفيذ الغذاء إلى الأعضاء، ثم كان الحرص يستحملهم من مداومة العمل، ومطاولته على ما يعظم نكايته في أبدانهم، فإن كثيرا من الناس لولا جثوم (4) هذا الليل بظلمته عليهم، لم يكن لهم هدوء ولا قرار، حرصا على الكسب والجمع والادخار، ثم كانت الأرض تستحمي بدوام الشمس بضيائها، ويحمي كل ما عليها من حيوان ونبات، فقدرها الله بحكمته وتدبيره، تطلع وقتا وتغرب وقتا، بمنزلة سراج يرفع لأهل البيت تارة ليقضوا حوائجهم، ثم يغيب عنهم مثل ذلك ليهدؤا ويقروا، فصار النور والظلمة، مع تضادهما منقادين متظاهرين ما فيه صلاح العالم وقوامه.

(هامش)

(1) خبر مبتدأ محذوف أو بالنصب على الحالية أو لكونه مفعولا لأجله. (2) يؤفكون: يكذبون. (3) الجموم مصدر جم تقول جم القوم: استراحوا وكثروا. (4) الجثوم مصدر من قولهم جثم الليل. (*)

ص 80

(التدبير والمصلحة في الفصول الأربعة من السنة)

 ثم فكر بعد هذا في ارتفاع الشمس وانحطاطها لإقامة هذه الأزمنة الأربعة من السنة وما في ذلك من التدبير والمصلحة، ففي الشتاء تعود الحرارة في الشجر والنبات، فيتولد فيهما مواد الثمار، ويتكثف (2) الهواء فينشأ منه السحاب والمطر، وتشتد أبدان الحيوان وتقوى، وفي الربيع تتحرك وتظهر المواد المتولدة في الشتاء، فيطلع النبات، وتنور (3) الأشجار ويهيج الحيوان للسفاد، وفي الصيف يحتدم الهواء فتنضج الثمار، وتتحلل فضول الأبدان، ويجف وجه الأرض، فتهيأ للبناء والأعمال، وفي الخريف يصفو الهواء، وترتفع الأمراض، وتصح الأبدان، ويمتد الليل فيمكن فيه بعض الأعمال لطوله، ويطيب الهواء فيه إلى مصالح أخرى لو تقصيت لذكرها لطال فيها الكلام. (معرفة الأزمنة والفصول الأربعة عن طريق حركة الشمس) فكر الآن في تنقل الشمس في البروج الاثني عشر (4) لإقامة دور السنة وما في ذلك من التدبير. فهو الدور الذي تصح الأزمنة الأربعة من السنة الشتاء والربيع والصيف والخريف تستوفيها على التمام، وفي هذا المقدار من دوران الشمس تدرك الغلات والثمار، وتنتهي إلى غاياتهم ثم تعود فيستأنف النشو والنمو.. ألا ترى أن السنة مقدار مسير الشمس من الحمل إلى

(هامش)

(1) يريد بذلك الإمام عليه السلام الفصول الأربعة. (2) يتكثف الهواء - أي يغلظ ويكثر. (3) تنور الأشجار أي تخرج نورها - بفتح فسكون - أي زهرها أو الأبيض منه. (4) بروج السماء الاثني عشر هي الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت. (*)

 

الصفحة السابقة الصفحة التالية

توحيد المفضل

فهرسة الكتاب

فهرس الكتب