كتاب جواهر الكلام - ج13

الصفحة السابقة الصفحة التالية

جواهر الكلام

فهرسة الكتاب

فهرس الكتب

ص 201

ألزم نفسه بالمتابعة الظاهرة الموهمة للائتمام تحصيلا لبعض الاغراض أو دفعا لبعض الضرر أعاذنا الله من شر ذلك، والله أعلم.

 

وجوب متابعة المأموم للإمام في الأفعال

 

(و) مما يعتبر في الجماعة أيضا أنها (تجب المتابعة) فيها على المأموم (للامام) في الافعال بلا خلاف أجده فيه على الظاهر كما اعترف به في الروض والذخيرة والحدائق بل في المعتبر والمنتهى والذكرى والمدارك والمفاتيح وعن النجيبية والقطيفية وغيرهما الاجماع أو الاتفاق عليه، بل ظاهر الاول أنه كذلك بين المسلمين، بل هو صريح الثاني أو كصريحه، لظاهر الآية (1) والنبوي (2) (إنما جعل الامام إماما ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا) وإن كان هو عاميا على الظاهر إلا أنه رواه الاصحاب في كتبهم، بل وعملوا به، ولاشعار محافظة سائر المسلمين عليه في سائر الاعصار والامصار بوجوبه ولزومه أيضا، بل وإشعار سياق كثير من الاخبار المشتملة على لفظ الاقتداء ونحوه به، بل كاد يكون ظاهر فحوى ما تسمعه من المعتبرة (3) الآمرة بالرجوع لمن رفع رأسه من السجود أو الركوع قبل الامام لتحصيل الرفع معه وإن حصل مع ذلك زيادة ركن، بل وظاهر الاخبار (4) الآمرة باشتغال المأموم بتسبيح ونحوه عند الفراغ من القراءة قبل الامام انتظارا لركوع الامام كي يركع معه، إلى غير ذلك مما يمكن تصيده من الادلة حتى ما تسمعه من موثق ابن فضال (5) سؤالا وجوابا، فمن العجيب ما يظهر من بعض متأخري المتأخرين من انحصار دليل الاصحاب بعد دعوى الاجماع في النبوي العامي حتى أن بعض مشايخنا قال: إنه الاصل في هذا الباب.

(هامش)

(1) سورة البقرة الآية 40 (2) كنز العمال ج 4 ص 250 الرقم - 5224 (3) و(5) الوسائل الباب 48 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 0 - 4 (4) الوسائل الباب 35 من أبواب صلاة الجماعة (*)

ص 202

 

بيان المراد من المتابعة

 

وكيف كان فالمراد منها في المشهور كما في الرياض أن لا يتقدم المأموم الامام، بل هو معقد إجماع الذكرى السابق، كما أنه ظاهر غيرها أيضا، وقضيته جواز المقارنة كما نص عليه الفاضل والشهيدان على ما حكي عن أولهما وغيرهم، بل في ظاهر المفاتيح الاجماع عليه، وهو الحجة بعد صدق اسم الجماعة والركوع مع الراكعين، بل والمتابعة أيضا، ضرورة الاكتفاء في تحققها بقصد المأموم ربط فعله بفعل الامام، وبعد نص الصدوق عليه في المحكي من عبارته التي هي في الغالب متون أخبار، وبعد إشعار ما ورد (1) في المصليين اللذين قال كل منهما كنت إماما، وإن كان لا يخلو من تأمل يعرف فيما يأتي في مسألة التقدم إن شاء الله، مضافا إلى المروي (2) عن قرب الاسناد صحيحا عن موسى بن جعفر (عليهما السلام) (في الرجل يصلي أله أن يكبر قبل الامام؟ قال: لا يكبر إلا مع الامام، فان كبر قبله أعاد) بناء على إرادة تكبيرة الاحرام منه التي يجب المتابعة فيها كالافعال، بل لا قائل بجواز المقارنة فيها دون الافعال، مع احتمال إرادة غير تكبيرة الاحرام منه من تكبير الركوع والسجود على أنه يكون حينئذ كناية عن الفعل قبل الامام، إما لغلبة حصول الركوع مثلا بالتكبير، فمع فرض سبقه يحصل السبق بالركوع، وإما للتعبير به عنه كما وقع في غيره (3) من الاخبار السابقة في مسألة إدراك الامام وهو راكع، فيكون حينئذ عين ما نحن فيه. والمناقشة بمتروكية ظاهره من وجوب المقارنة يدفعها أولا منع اقتضاء المعية ذلك، بل هي تصدق علي المقارن وعلى المتأخر المتصل بالمتقدم، وثانيا الخروج عن ذلك بعد التسليم بمعلومية جواز التأخر المتصل نصا وفتوى، فيصرف الوجوب المزبور حينئذ

(هامش)

(1) الوسائل الباب 29 من أبواب صلاة الجماعة (2) الوسائل الباب 16 من أبواب صلاة الجنازة الحديث 1 من كتاب الطهارة (3) الوسائل الباب 44 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 3 (*)

ص 203

إلى إرادة الوجوب التخييري، كما أنه يصرف بعض مادل على وجوب التأخر من النبوي (1) المشتمل على فاء التعقيب، على أنه قد يناقش بعدم اقتضاء فاء الجزاء، بل قد يدعى ظهور الشرطية خصوصا إذا كانت الاداة نحو (إذا) الظرفية في المقارنة، إذ المراد اركعوا وقت ركوعه، نحو قوله: (وإذا قرئ.. وأنصتوا) (2)، نعم قد يناقش في الخبر المزبور بظهور إرادة نفي القبلية من المعية فيه، كما يؤمي إليه قوله (عليه السلام): (فان كبر قبله أعاد) ويدفع بمنع إرادة خصوص ذلك منه، بل الظاهر إرادة الاعم، ولذا نص فيه على خصوص ذلك، وإن كان قد يحتمل أنه لندرة المقارنة خصوصا في مثل المأموم الذي يريد ربط فعله بفعل إمامه لا أنه يفعل مستقلا عنه، فيقارن فعل إمامه اتفاقا، لامكان دعوى عدم جواز ذلك، لعدم تحقق التبعية فيه، بل أقصاه بناء على الجواز أن له الفعل الذي يعلم مقارنته لفعل إمامه، فيفعل بقصد التبعية لذلك، فتأمل جيدا. وعلى كل حال فما يظهر من المحكي عن إرشاد الجعفرية من تفسير المتابعة بالتأخر خاصة بل كأنه مال إليه في الحدائق ضعيف وإن كان هو الاحوط، بل في الروض والذخيرة وعن غيرهما أنه الافضل، بل عن الصدوق والشهيد الثاني في روضته انتفاء الفضيلة مع المقارنة رأسا إلا أنا لم نعرف لهم دليلا على ذلك، ولذا كان ظاهر المفاتيح تمامية الجماعة به لحصول السبب الذي يترتب عليه مع ذلك أحكام الجماعة من سقوط القراءة ونحوه، ودعوى اشتراط الفضيلة بأمر زائد على سببية تلك الاحكام لا نعرف لها شاهدا. ثم لا يخفى أن المتابعة كما يقدح في تحققها عرفا السبق كذلك التأخر الطويل عن

(هامش)

(1) كنز العمال ج 4 ص 250 الرقم 5224 (2) سورة الاعراف الآية 203 (*)

ص 204

وقوع الفعل بعد فعل الامام ركنا وغيره، خصوصا إذا أدى ذلك إلى فراغ الامام من فعله قبل فعل المأموم، ضرورة عدم صدق المتابعة حينئذ عرفا كما اعترف به المولى الاكبر في مطاوي كلماته على الظاهر بل يؤيده أيضا إرادة نحو ذلك منها في باب الوضوء وإن لم نقل بوجوبه، ولعل المتابعة غير التبعية عرفا، أو هما بمعنى ويقدح التأخر في صدقهما، أو أن المنساق من إطلاقهما مالا يشمل التأخر المعتد به، فكان من اللازم حينئذ إضافة ولا يتأخر تأخرا فاحشا إلى التفسير السابق لها، بل في المنتهى (أن الاقرب وجوب المتابعة في ترك الفعل المندوب أيضا، فلو نهض الامام من السجدة الثانية قبل أن يجلس نهض المأموم أيضا من غير جلوس، لان المتابعة واجبة فلا يشتغل عنها بسنة) إلى آخره وإن كان هو لا يخلو من نظر. ودعوى أن المتابعة لا يقدح فيها إلا السبق يدفعها - مضافا إلى العرف والآية (1) وظاهر لفظ الاقتداء والائتمام، وقوله (صلى الله عليه وآله) (2): (فإذا ركع فاركعوا) وإلى ما يفهم من المدارك والذخيرة والحدائق عند البحث في جواز مفارقة المأموم الامام لعذر وعدمه من الاجماع على ذلك، بل هو صريح الرياض هناك، ضرورة صدق المفارقة في الفرض - ما يشعر به المعتبرة المسفيضة الدالة على ترك المأموم القراءة عند ركوع الامام، منها ما مر (3) في المبحث السابق، إذ هي وإن كانت واردة في الائتمام بمن لا يقتدى به إلا أنه من المعلوم إرادة إظهار مراعاة أحكام الجماعة حقيقة كما هو واضح، ومنها صحيح معاوية (4) عن الصادق (عليه السلام) (في الرجل يدرك

(هامش)

(1) سورة البقرة الآية 40 (2) كنز العمال ج 4 ص 250 الرقم 5224 (3) الوسائل الباب 34 من أبواب صلاة الجماعة (4) الوسائل الباب 47 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 5 (*)

ص 205

آخر صلاة الامام وهو أول صلاة الرجل فلا يمهله حتى يقرأ فيقضي القراءة في آخر صلاته، قال: نعم) لكن قد يناقش بأنه ظاهر في الركوع الاول المتوقف انعقاد الجماعة عليه، وهو خارج عن محل البحث، ويمكن دفعها بالتأمل، ومنها صحيح زرارة (1) عن الباقر (عليه السلام) في المسبوق أيضا، قال فيه: (إن أدرك من الظهر أو العصر أو العشاء ركعتين وفاتته ركعتان قرأ في كل ركعة مما أدرك خلف الامام في نفسه بأم الكتاب وسورة، فان لم يدرك السورة تامة أجزأته أم الكتاب) الحديث، وعن الفقه الرضوي (2) (فان سبقك الامام بركعة أو ركعتين فاقرأ في الركعتين الاولتين من صلاتك الحمد وسورة، فان لم تلحق السورة أجزأك الحمد) وعن دعائم الإسلام (3) عن أبي جعفر محمد بن علي (عليهما السلام) (إذا أدركت الامام وقد صلى ركعتين فاجعل ما أدركت معه أول صلاتك، فاقرأ لنفسك بفاتحة الكتاب وسورة إن أمهلك الامام أو ما أدركت أن تقرأ). إذ من الواضح أن ذلك كله في جميعها محافظة على إدراك ركوع الامام، واحتمال إرادة الرخصة منها لا العزيمة بعيد، كيف وهي ظاهرة في أن قراءة السورة ليست من الاعذار المسوغة تفويت المتابعة، بل قد يظهر من الاخير أن إتمام الفاتحة كذلك أيضا فلا يندرج حينئذ في المحكي عن إرشاد الجعفرية من أنه لا خلاف في الصحة إذا تخلف عن الامام بركن أو ركنين لعذر، والظاهر إرادته عدم الاثم في التأخير أيضا، وإلا فنفس صحة الصلاة والاقتداء وإن أثم تحصل بالتأخير العمدي من غير عذر أيضا، ضرورة كونه من المتابعة التي ستعرف تعبدية وجوبها لا شرطيته لا في الصلاة ولا في

(هامش)

(1) الوسائل الباب 47 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 4 (2) فقه الرضا عليه السلام ص 14 (3) المستدرك الباب 38 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 4 (*)

ص 206

الائتمام، ولذا أطلق في المنتهى والموجز على ما حكي عنهما أنه إن تخلف بركن كامل لم تبطل، بل في الثاني منهما التصريح بالجواز وإن كانت المتابعة أفضل، بل قال في الذكرى ما نصه: (ولو سبق الامام المأموم بعد انعقاد صلاته أتى بما وجب عليه والتحقق بالامام سواء فعل ذلك عمدا أو سهوا أو لعذر، وقد مر مثله في الجمعة، ولا يتحقق فوات القدوة بفوات ركن ولا أكثر عندنا) وفى التذكرة توقف في بطلان القدوة بالتأخير بركن، والمروي بقاء القدوة رواه عبد الرحمان (1) عن أبي الحسن (عليه السلام) فيمن لم يركع ساهيا حتى انحط الامام للسجود يركع ويلحق به، وهو جيد إلا أنه أنكر في الحدائق بعد أن حكى عن الشهيد ما سمعت عليه ذلك، وكأنه فهم منه جواز ذلك للمأموم بمعنى عدم الاثم عليه، فأخذ يستنهض الاخبار السابقة على خلافه، وفيه أنه لا دلالة في كلامه على ما فهم منه من الجواز المزبور الذي هو صريح الموجز أو كصريحه بل أقصاه بقاء القدوة، فيكون كفوات المتابعة بالسبق. ودعوى ظهور الاخبار المزبورة في فوات القدوة ممنوعة على مدعيها كما لا يخفى على من لاحظها مع التأمل، فما في الحدائق من بطلان الاقتداء بفوات الركن ضعيف جدا، خصوصا إن أراد ما يشمل العذر من السهو، وعدم التمكن من الركوع والسجود لشدة الازدحام، ضرورة مخالفة الاول لخبر عبد الرحمن المزبور، والثاني لما ورد (2) في الجمعة فيمن زوحم عن الركوع والسجود، اللهم إلا أن يفرق بين الجمعة باعتبار وجوب الجماعة فيها وبين غيرها مما لا يجب فيه ذلك، بل المتجه فيه حينئذ إما نية الانفراد بناء على اعتبارها، أو القول بصيرورته منفردا قهرا، أو يحكم عليه باستئناف الصلاة، لكنه كما ترى ضعيف، والاقوى مساواة حكم المتابعة بالتأخر لحكمها بالتقدم، ضرورة كونهما من واد واحد.

(هامش)

(1) الوسائل الباب 64 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 1 (2) الوسائل الباب 17 - من أبواب صلاة الجمعة (*)

ص 207

نعم قد يتوقف في بقاء القدوة بالسبق أو التأخر إذا تفاحش بحيث سلب معهما صورة الجماعة والاقتداء، كما لو تأخر عنه في أفعال كثيرة أو سبقه كذلك، وإن أطلق في الذكرى عدم فوات الاقتداء بفوات الاكثر، بل قد تشعر عبارته بدعوى الاجماع عليه، إلا أن الاولى ما سمعت، ولعله يرجع إليه ما في كشف الالتباس من الحكم ببطلان الاقتداء مع التأخر بركنين لغير عذر بناء منه على فوات الصورة بذلك.

 

وجوب متابعة المأموم للإمام في تكبيرة الإحرام

 

 هذا كله في الافعال أما الاقوال فلا ريب بل ولا خلاف على الظاهر في وجوبها في تكبيرة الاحرام كما اعترف به في الذخيرة والكفاية، بل في الروض والحدائق والرياض الاجماع عليه، ضرورة عدم صدق الاقتداء بمصل مع فرض سبق المأموم بها، بل وعدم تحقق الجماعة المحفوظة عند المسلمين خلفا عن سلف ويدا عن يد، لا أقل من الشك في تناول الاطلاقات لمثل ذلك، بل لا يبعد إلحاق المقارنة بالسبق في الفساد هنا وإن لم نقل به في الافعال وفاقا للمدارك والذخيرة وغيرهما، بل ظاهر الرياض نسبته إلى فتوى أصحابنا، اقتصارا في العبادة التوقيفية على المعهود المتيقن في البراءة، خصوصا بعد ملاحظة النبوي (1) المتقدم سابقا بناء على ظهوره في التأخر، كخبر أبي سعيد الخدري (2) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) المروي عن المجالس مسندا إليه (إذا قمتم إلى الصلاة فاعدلوا صفوفكم وأقيموها وسووا الفرج، وإذا قال إمامكم: الله أكبر فقولوا: الله أكبر، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد) وحملا للمعية في صحيح قرب الاسناد السابق على نفي التقدم (3) خاصة، أو على غيره مما تقدم

(هامش)

(1) كنز العمال ج 4 ص 250 الرقم 5224 (2) الوسائل الباب 70 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 6 (3) وفي النسخة الاصلية " في صحيح الدعائم السابق على التقدم " والصحيح ما اثبتناه لعدم التعبير عن الدعائم بالصحيح مضافا إلى عدم روايته عن موسى بن جعفر (ع) وأما إضافة لفظة " نفى " فوجهه واضح (*)

ص 208

أو على التقية، لانه المحكي عن أبي حنيفة، خصوصا والمروي عنه فيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) المعروف حاله في زمانه، واستظهارا من الادلة انحصار الاقتداء بالمصلي الذي يمكن منع تحققه إلا بعد انتهاء التكبير الذي جعله الشارع افتتاح الصلاة مقابل اختتامها بالتسليم، واحتمال حصول الصدق بمجرد الشروع فيه لانه جزء من الصلاة قطعا فجزؤه جزء منها وإن كان تحريم القطع ونحوه مراعى بالاتمام يدفعه إمكان منع صدق الاقتداء بالمصلي عرفا قبل الاتمام، وإن صدق عليه أنه شرع في الصلاة بمجرد الشروع فيه، على أنه لا أقل من عدم انصراف الاطلاق إليه، على أنه يقتضي عدم صحة المقارنة بأول حرف منه أيضا، ضرورة ظهور السبق في تحقق وصف الصلاة بالمقتدى به لا المقارنة بل قد يدعى أيضا عدم جواز سبقه باتمام التكبير وإن تأخر عنه في ابتداء، لصدق السبق بها حينئذ عليه الذي قد عرفت انعقاد الاجماع على عدم الصحة معه. فلا ريب أن الاحوط بل الاقوى وجوب المتابعة فيها بمعنى عدم شروع المأموم فيها إلا بعد فراغ الامام منها، خلافا لما تشعر به بعض العبارات من جواز المقارنة فيها بل حكاه في الذكرى قولا، بل في مفتاح الكرامة نقله عن الشيخ في أوائل كتاب الصلاة من المبسوط، بل في التذكرة وعن نهاية الاحكام الاشكال فيه مشعرا بالتردد فيه.

 

عدم وجوب المتابعة في الأقوال

 

 وأما غيرها من الاقوال فيقوى في النظر عدم وجوب المتابعة فيها، فله السبق حينئذ فضلا عن المقارنة وفاقا لصريح بعضهم، وظاهر آخرين، بل في المفاتيح والرياض نسبته إلى الاكثر، بل في الحدائق الظاهر أنه المشهور، ولعلهم أخذوه من اقتصارهم على ذكر المتابعة في غير الاقوال، وإلا فعن الفاضل الشيخ إبراهيم البحراني في إيضاح النافع أني لم أقف فيه على نص ولا فتوى من القدماء، بل يمكن إرادة ما يعم الاقوال من الافعال المذكور فيها المتابعة في كلام الاصحاب، قلت: بل قد يدعى أنه ظاهر

ص 209

الكتاب والنافع والقواعد والتحرير والموجز حيث أطلق فيها المتابعة من غير ذكر الاقوال والافعال، كما عن اللمعة والنفلية والهلالية والغرية وغيرها، بل هو معقد إجماع أهل العلم في المنتهى وإن كان تفريع المصنف وغيره السبق في الركوع والسجود عليها قد يؤمي إلى إرادة الافعال منها، بل صرح في الدروس والبيان وكشف الالتباس بوجوبها فيها أيضا كما عن الجعفرية وإرشادها والميسية. لكن ومع ذلك فالاقوى ما عرفت للاصل وإطلاقات الجماعة وما تسمعه من أخبار التسليم (1) والسيرة وفحوى عدم وجوب الاسماع على الامام والاستماع على على المأموم، كفحوى عدم وجوب قراءته خصوص ما يفعله الامام في الركعتين الاخيرتين وفي ذكر الركوع والسجود وغيرهما حتى القنوت، إذ في الروض أن المتابعة كما تستحب أو تجب في الاقوال الواجبة فكذا في المستحبة، وهو صريح في اندراجها في البحث، والعسر والمشقة وتأديته إلى فوات الاقتداء في بعض الاحوال، وما يشعر به ما ذكر في النص (2) والفتوى من تسبيح المأموم أو إبقاء آية حتى يركع لو فرغ من القراءة قبل الامام، وإمكان المناقشة ببعض ذلك بأن من قال بوجوب المتابعة فيها يقيده بالسماع مع أنه له أن يقول في صورة عدمه أيضا بوجوب ترك القول عليه إذا علم عدم قول الامام أو بوجوب التأخير ما دام لم يظن قوله كما ترى تحكم من غير حاكم، وإلزام بدون ملزم.

 

هل يجب المتابعة في التسليم أم لا

 

 ومن الاقوال التسليم، فيجرى فيه البحث كما هو قضية عموم الاقوال في الفتاوى واحتمال اختصاصه بعدم جواز السبق فيه وإن قلنا بالجواز في غيره مراعاة لعدم خروج المأموم عن الصلاة قبل خروج الامام كما يؤمي إليه ما عن جماعة من تقييد جواز تسليمه بالعذر أو بقصد الانفراد يدفعه - مع ابتنائه على وجوب المتابعة في الاقوال كما في

(هامش)

(1) الوسائل الباب 64 من أبواب صلاة الجماعة (2) الوسائل الباب 35 من أبواب صلاة الجماعة (*)

ص 210

الروض نسبته إلى أهل هذا القول، أو احتمال أن ذلك ليس من حيث المتابعة المبحوث فيها - ظاهر صحيح الحلبي (1) عن الصادق (عليه السلام) (في الرجل يكون خلف الامام فيطيل الامام التشهد، فقال: يسلم من خلفه ويمضي لحاجته إن أحب) إذ لا ظهور فيه بحصول عذر يقضي بجواز ترك الواجب، بل هو ظاهر في عدمه، كما أنه لا ظهور فيه بوجوب قصد الانفراد قبل سبقه، وصحيح أبي المعزا (2) عنه (عليه السلام) أيضا المعمول به بين الاصحاب كما في الروض (في الرجل يصلي خلف إمام فسلم قبل الامام، قال: ليس بذلك بأس) وصحيحه الآخر (3) (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون خلف الامام فيسهو فيسلم قبل أن يسلم الامام، قال: لا بأس) إذ لو أن المتابعة واجبة لوجب عليه تكرار السلام مع الامام كالافعال على ما ستعرف، بل من هذه الاخبار يستفاد قوة القول بعدم وجوب المتابعة في باقي الاقوال زيادة على ما سمعت، ضرورة مساواتها له أو أولويتها، بل في الروض لا قائل بالفرق بينه وبينها.

 

وجوب المتابعة تعبدي لا شرطي

 

وكيف كان فوجوب المتابعة فيها من حيث كونها متابعة تعبدي لا شرطي لا في الصلاة ولا في إبقاء أحكام الجماعة كما هو المشهور بين الاصحاب نقلا وتحصيلا، بل عليه عامة المتأخرين كما اعترف به في الذكرى وعن إيضاح النافع والنجيبية، بل في المدارك نسبته إلى الاصحاب مشعرا بدعوى الاجماع عليه كظاهر التذكرة وعن نهاية الاحكام ومجمع البرهان وإرشاد الجعفرية وغيرها، ولعله كذلك، لاتفاق ما وصل الينا من فتاوى أساطين الاصحاب عليه من غير خلاف أجده فيه بينهم، وإن حكاه بعضهم عن ظاهر قول الصدوق لا صلاة له، وظاهر قوله في المبسوط: ومن فارق الامام لغير عذر بطلت صلاته. لكن فيه أن الظاهر إرادة الاول فوات فضيلة الجماعة رأسا على ما سمعته سابق

(هامش)

(1) و(2) و(3) الوسائل الباب 64 من أبواب صلاة الجماعة الحديث - 3 - 4 - 5 (*)

ص 211

منه ومن الشهيد الثاني كما يؤمي إليه ما ذكره في المقارنة بعده بلا فاصل، قال على ما حكي عنه إن من المأمومين من لا صلاة له، وهو الذي يسبق الامام في ركوعه وسجوده ورفعه، ومنهم من له صلاة واحدة وهو المقارن له في ذلك، ومنهم من له أربع وعشرون ركعة، وهو الذي يتبع الامام في كل شيء ويركع بعده ويسجد بعده ويرفع منهما بعده، فتأمل. والثاني المفارقة الانفرادية لا ما نحن فيه، وإلا فالمحكي عن نسختين صحيحتين منه أنه قال: (وينبغي أن لا يرفع رأسه من الركوع قبل الامام، فان رفع ناسيا عاد إليه ليكون رفعه مع رفع الامام، وكذلك القول في السجود، وإن فعل ذلك معتمدا لم يجز له العود إليه أصلا، بل يقف حتى يلحقه الامام) ونحوه في السرائر، وهو صريح في موافقة الاصحاب، فتأمل جماعة من متأخري المتأخرين حتى الفاضل في الرياض تبعا للمحكي عن جده في شرح المفاتيح في ذلك في الجملة في غير محله، ضرورة أن العمدة في إثبات أصل وجوبها كما عرفت الاجماع، وأقصى الثابت منه بقرينة اتفاقهم هنا التعبدي وإلا فلا نص فيها بالخصوص كي يظهر من إطلاق اعتبارها فيه الشرطية على نحو غيرها من الشرائط، مضافا إلى فحوى المعتبرة (1) المستفيضة الآتية التي أمر فيها بالرجوع إلى الامام أو النهي عنه، إذ لا يتصور إلا بعد إحراز بقاء الصحة مع المخالفة، بل فهم الاصحاب خصوص العمد من موثق غياث بن إبراهيم كما ستعرف، بل خبر ابن فضال صريح فيه، بناء على عدم إرادة العلم من الظن فيه، وعلى عدم الاكتفاء في امتثال خطاب المتابعة المتوقف على العلم بفعل الامام لا الظن، فتأمل. بل ينبغي القطع بذلك لو كان الترك لعذر كشدة تضايق الصف بحيث لا يتمكن

(هامش)

(1) الوسائل الباب 48 من أبواب صلاة الجماعة (*)

ص 212

من الركوع والسجود معهم ونحوه بملاحظة أخبار الجمعة (1) بناء على عدم الفرق بين كيفية الجماعتين، بل قد يستفاد منها زيادة على ما سمعت إلحاق الناسي ونحوه، لانه من الاعذار أيضا، ودعوى أن التأمل في صورة العمد خاصة لعدم الاتيان بالمأمور به على وجهه ولاقتضاء النهي الفساد في العبادة اقتضاء عقليا لا يمكن معارضته بدليل يدفعها أن كونه وجها موقوف على شرطيته التي هي محل البحث، وأن اقتضاء النهي الفساد عقلا فيما إذا تعلق بالعبادة نفسها أو جزئها مثلا لا في أمر خارجي عنها كمحل البحث، إذ السبق أو التأخر أمران خارجان عن مسمى الركوع قطعا، فلا قبح ولا منع في العقل لو صرح الشارع بوجوب مثلهما تعبدا لا مدخلية له في صحة الصلاة كما هو واضح، بل اعترف به بعض الخصوم، إلا أنه تأمل فيما يثبته من الادلة، وقد عرفتها وعرفت الفرق بين المتابعة وغيرها مما ذكروا اعتباره في الجماعة من التقدم في الموقف والعلو والحائل ونحوها، وأن الفساد هناك نشأ من جهة أنه ظاهر الادلة التي دلت على اعتبارها في الجماعة، بل في بعضها أنه لا صلاة له بخلافها، بل لعل الامر فيها بالعكس كما لا يخفى.

 

حكم ما لو رفع المأموم رأسه قبل الإمام عمدا

 

وعلى كل حال (فلو رفع المأموم رأسه عامدا استمر) كما في المبسوط والسرائر والنافع والمنتهى والتحرير والذكرى، وكذا الدروس والبيان وحاشية الارشاد للمحقق الثاني، بل عن سائر كتبه وكتب الشهيدين والنهاية وإيضاح النافع والميسية وغيرها، بل هو المشهور نقلا وتحصيلا، بل في الذكرى ما يقتضي نسبته إلى المتأخرين، بل في المدارك أنه مذهب الاصحاب لا أعلم فيه خلافا، كما أن في ظاهر التذكرة وعن نهاية الاحكام ما يشعر بنسبته إليهم أيضا، ولعله كذلك، إذ لا أجد فيه خلافا صريحا معتدا به سوى ما يحكى عن مقنعة المفيد (من صلى مع إمام يأتم به فرفع رأسه قبل الامام فليعد إلى الركوع حتى يرفع رأسه معه، وكذلك إذا رفع رأسه من السجود

(هامش)

(1) الوسائل الباب 17 من أبواب صلاة الجمعة (*)

ص 213

ليكون ارتفاعه عنه مع الامام) مع أنه لا صراحة فيه، لاحتمال إرادته السهو خاصة، بل في مفتاح الكرامة ليس له فيما عندنا من نسخ المقنعة عين ولا أثر، ولعلهم توهموا ذلك مما أصله في التهذيب، فظنوا أن ذلك كلام المفيد، وليس كذلك قطعا، وإنما هو من كلام الشيخ، وما دروا أن الشيخ أولا قصد شرح المقنعة ثم رأى أنه أهمل فيها كثيرا من المباحث المهمة فأصل لنفسه، ثم عدل عن ذلك كله، وأن ذلك لواضح. وأول من توهم ذلك صاحب المدارك واقتفاه الخراساني والكاشاني، ومع الاغضاء عن ذلك فهو ضعيف في نفسه وإن وافقه عليه الكاشاني أولا ثم استصوب استحباب الاعادة، بل قربه الخراساني أيضا في الكفاية في الرفع من السجود، ولم يستبعد التخيير في الركوع، كالمحدث البحراني تردد في وجوب الاعادة واستحبابها بعد أن جزم بخلاف ما عليه الاصحاب من وجوب الاستمرار، بل يشهد له ترك الاستفصال في صحيح الفضيل (1) سأل أبا عبد الله (عليه السلام) (عن رجل صلى مع إمام يأتم به ثم رفع رأسه من السجود قبل أن يرفع الامام رأسه من السجود، قال: فليسجد) وصحيح ابن يقطين (2) الذي هو كخبر الاشعري (3) سأل أبا الحسن (عليه السلام) (عن الرجل يركع مع الامام يقتدي به ثم يرفع رأسه قبل الامام، قال: يعيد ركوعه معه) بل قد يستفاد من موثق ابن فضال (4) الآتي خصوصا بناء على إرادة الراجح من الظن فيه، وعدم الاجتزاء به في امتثال خطاب المتابعة، فتأمل، وموثق محمد بن علي بن فضال (5) قال لابي الحسن (عليه السلام) أيضا: (أسجد مع الامام وأرفع رأسي قبله أعيد، قال: أعد واسجد). لكن بملاحظة ظهور اتفاق الاصحاب - الذين من أيديهم خرجت هذه الاخبار

(هامش)

(1) و(2) و(3) و(4) و(5) الوسائل الباب 48 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 1 - 3 - 2 - 4 - 5 (*)

ص 214

وهم أعرف من غيرهم بها، وما دل (1) على البطلان بزيادة الركن، بل ومطلق الزيادة في الصلاة عمدا، وتعارف عدم تعمد السبق وقصده في الجماعة، خصوصا بعد حرمته شرعا التي يبعد من المسلم الآتي لتحصيل فضيلة الجماعة واستحبابها ارتكابها - يجب تنزيلها على غير صورة العمد إلى مخالفة الامام بسبقه، بل لعل ذلك مع وجوب حمل فعل المسلم خصوصا مثل ابن فضال على غير المحرم هو الداعي إلى ترك الاستفصال في السؤال، لا إرادة التعميم في المقال سيما مع ملاحظة سؤال ابن فضال في الموثق الآخر (2) لابي الحسن (عليه السلام) (أيضا كتب إليه (في الرجل كان خلف إمام يأتم به فيركع قبل أن يركع الامام وهو يظن أن الامام قد ركع فلما رآه لم يركع رفع رأسه ثم أعاد ركوعه مع الامام أيفسد ذلك عليه صلاته أم يجوز تلك الركعة؟ فكتب يتم صلاته ولا تفسد صلاته بما صنع) إذ لعله منه يقوى في الظن إرادته بل وغيره من السؤال عن الرفع ونحوه ما لا يشمل العمد للسبق بل كان لسهو أو تخيل فعل الامام ونحو ذلك، وملاحظة النهي في موثق غياث بن إبراهيم (3) قال: سئل أبو عبد الله (عليه السلام) (عن الرجل رفع رأسه من الركوع قبل الامام أيعود فيركع إذا أبطأ الامام ويرفع رأسه معه؟ قال: لا) المتجه بسببه الجمع بينه وبين الاخبار السابقة بما عليه الاصحاب من تنزيله على العمد، والاولى على غيره، إذ هو أولى من الطرح قطعا، ومن حمله على رفع الوجوب والاولى على الندب أو الجواز، أو على كون الامام ممن لا يقتدى به، إذ الحكم فيه أنه لا يجوز العود إليه قطعا، كما أنه صرح به غير واحد، لانه بحكم المنفرد عنه، أو على التفصيل بين الركوع والسجود، فيرجع في الثاني دون الاول، لاستلزامه زيادة الركن دونه،

(هامش)

(1) الوسائل الباب 14 من أبواب الركوع والباب 19 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 2 (2) و(3) الوسائل الباب 48 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 4 - 6 (*)

ص 215

بل الاخير مع أنه كاد يكون خرق الاجماع المركب لا يتجه في مثل صحيح ابن يقطين السابق وخبر الاشعري، إلا أن يحملا على ما عليه الاصحاب من اغتفار ذلك سهوا وهو رجوع إلى ما فر منه، على أنه مع ذلك كله يمكن دعوى إشعار الموثق المزبور بالعمد لا لظهور قوله: (رفع) فيه بالقصد، إذ هو كالافعال في الاخبار السابقة المحمولة عند الاصحاب على السهو، والقصد أعم من العمد المراد منه هنا قصد سبق الامام بذلك لا مطلق القصد إلى الرفع الذي يمكن مجامعته للسهو عن الجماعة ونحوه، بل لايماء قوله فيه: (أبطأ الامام) إلى أن رفعه ذلك كان لتخيله قرب لحوق الامام به، وإلى أنه لم يمكث مع الامام زمانا معتدا به، ولذا أبطأ عليه، ولغير ذلك، لا أقل من أن يكون شهرة الاصحاب أو اتفاقهم شاهدا على الجمع المزبور، ضرورة عدم حصول الظن معهما بارادة صورة العمد من إطلاق الاخبار الاول ولا صورة السهو من الموثق المزبور، فيبقى كل منهما حجة في كل منهما.

 

حكم ما لو رفع المأموم رأسه قبل الإمام سهوا

 

(و) يتضح حينئذ وجه ما ذكره المصنف من أنه (لو كان) ذلك الرفع من الركوع والسجود (ناسيا) للمأمومية (أعاد) كما في جميع الكتب السابقة في صورة العمد للاخبار السابقة، وأولويته من ظن الركوع أو مساواته له، وبقاء خطاب المتابعة، وغير ذلك مما يستفاد مما قدمنا حتى ما سمعته أولا من إمكان الاستئناس له بأخبار جماعة الجمعة الدالة على اغتفار ترك المتابعة لعذر كالضيق ونحوه، ضرورة أنه من الاعذار أيضا، بل في بعضها (1) التصريح بأنه لا بأس بترك الركوع مع الامام سهوا فيركع ثم يلحق به، بل في آخر (2) التصريح بعدم البأس في الجملة بزيادة السجدتين فيمن لم يتمكن من السجود خاصة في الركعة الاولى، ولما قام الامام للثانية بقي قائما معه فلما ركع الامام لم يستطع أن يركع هو معه لكنه سجد معه، قال الصادق (عليه السلام)

(هامش)

(1) و(2) الوسائل الباب 17 من أبواب صلاة الجمعة الحديث 4 - 2 (*)

ص 216

(فان كان نوى بالسجدتين أنهما للاولى قام وجاء بركعة ثانية وتمت صلاته، وإن لم ينو أنهما للاولى أو الثانية لم يكونا لاحدهما، فيجئ بسجدتين جديدتين للاولى، ويقوم ويأتي بركعة ثانية وتمت صلاته) إذ هو صريح في اغتفار زيادة السجدتين اللتين هما ركن هنا للعذر، مضافا إلى ما سمعته من الاخبار السابقة، فالتفصيل حينئذ بين رفع الرأس في الركوع وبينه في السجود لاستلزام الاول زيادة ركن بخلاف الثاني اجتهاد في مقابلة النص والفتوى، على أنه قد يستلزم زيادة الركن في السجود أيضا لو فرض سبقة بالرفع في السجدتين. ثم من المعلوم أن ظاهر الكتاب والاصحاب والنصوص كما عرفت واعترف به غير واحد وجوب الاستمرار في الاولى والاعادة في الثانية، لكن في التذكرة وعن نهاية الاحكام عدم وجوب العود في الاخيرة، وكأنه مال إليه في المدارك، ولا ريب في ضعفه بعد ما سمعت من تلك الادلة المعتضدة بما عرفت السالمة عن المعارض بعد تنزيل موثق النهي (1) على صورة العمد، فلو ترك الاستمرار في الاول بطلت صلاته للنهي في الموثق المزبور بعد ضميمة عدم القول بالفصل بين الركوع وغيره، لاستلزامه الزيادة عمدا في الصلاة التي لم يثبت اغتفارها هنا، خصوصا لو كانت ركنا، بخلاف الاعادة في الثانية وإن استظهره في المدارك أيضا، لكن الاقوى خلافه، لصيرورته حينئذ كالعامد التارك للمتابعة، كما في الدروس والبيان والموجز وعن الجعفرية وشرحيها وفوائد الشرائع وتعليق النافع والفوائد الملية، فيأتم ولا تبطل صلاته كما صرح به في الهلالية والميسية والروضة على ما قيل، اللهم إلا أن يدعى الفرق بينهما بظهور الامر في النصوص هنا بالشرطية وتوقف الصحة عليه، بخلاف ترك المتابعة عمدا، وبأنه لما كان رفعه نسيان

(هامش)

(1) الوسائل الباب 48 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 6 (*)

ص 217

لم يكن هو الرفع المطلوب منه فيحتاج إلى الاعادة كي يحصل له الرفع المطلوب الذي هو مع الامام، وإن كان ضعف الثاني واضحا بمنع عدم كونه المطلوب بعد أن عرفت تعبدية وجوب المتابعة، ولذا لو أراد الناسي العود فرفع الامام رأسه سقط العود على الاقرب كما في البيان، واستجوده في كشف الالتباس، ومثله لو نسيه أيضا، بل وقد يناقش في الاول أيضا بتبادر إرادة المتابعة من هذه الاوامر، وقد عرفت تعبديتها. لكن ومع ذلك فالاحوط إعادة الصلاة خصوصا في الوقت، بل اقتصر في الكفاية والذخيرة على الجزم به، ونظر في القضاء، وظان الرفع من الامام كالناسي في الاحكام كما في الدروس والبيان وعن غيرهما ممن تأخر عنهما، للموثق المزبور بضميمة عدم القول بالفصل، لكن قد يناقش بعد التسليم باحتمال إرادة العلم هنا، فتأمل.

 

بيان حكم رفع الرأس قبل الذكر عمدا أو سهوا

 

هذا كله في السبق في الرفع من حيث كونه رفعا، أما إذا كان قد رفع رأسه عمدا قبل أن يذكر الذكر الواجب بطلت صلاته لا للسبق بل لتعمد تركه الذكر، وهو أمر غير ما نحن فيه، فما في التذكرة والموجز وعن نهاية الاحكام والهلالية - من التصريح هنا بأنه لو سبق إلى رفع من ركوع أو سجود فان كان بعد فعله ما يجب من الذكر استمر وإن كان لم يفرغ إمامه منه، وإن كان قبله بطلت وإن كان قد فرغ إمامه - لا مدخلية له في محل البحث. أما لو كان ناسيا فلا ريب في عدم البطلان، لكن لو عاد اليهما تحصيلا للمتابعة ففي وجوب الذكر عليه لرجوعه إلى محله وتنزيل تثنية الركوعين منزلة ركوع واحد بقرينة قوله عليه السلام (1): (يعود ويرجع) وعدمه لخروجه عنه، وحصول ركوع الصلاة الذي كان يجب الذكر فيه، ولذا لا يجب عليه فعله لو صادف الامام رافعا، ومنع كونهما ركوعا واحدا شرعا، إذا اغتفار الزيادة أعم من ذلك؟ وجهان أو قولان، أحوطهما الاول،

(هامش)

(1) الوسائل الباب 38 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 6 وفيه " أيعود فيركع " (*)

ص 218

وأقواهما الثاني.

 

حكم ما لو أهوى المأموم إلى الركوع أو السجود قبل الإمام

 

 (وكذا) الحكم (لو أهوى) المأموم (إلى ركوع أو سجود) قبل إمامه، فيستمر مع العمد وإن أتم كما هو المشهور بين الاصحاب نقلا وتحصيلا، بل عليه عامة المتأخرين كما اعترف به في الذكرى، بل في التذكرة وغيرها نسبته إلى الاصحاب مشعرا بدعوى الاجماع عليه، ولعله كذلك، إذ لا خلاف أجده فيه إلا من بعض متأخري المتأخرين، فتردد في صحة الصلاة معه أو جزم بالعدم نحو تردده أو جزمه فيما سبق، وربما حكي عن المبسوط، وهو وهم لما سمعته من عبارته، واستشعر أيضا من عبارة الصدوق المتقدمة، لكنه على كل حال ضعيف جدا، لما عرفت من تعبدية المتابعة لا شرطيتها، كضعف احتمال وجوب الرجوع عليه لاطلاق الاخبار السابقة في الرفع بناء على عدم القول بالفصل بينه وبين الركوع، إذ قد عرفت تنزيله على صورة النسيان جمعا بينه وبين الموثق السابق، فقضية عدم القول بالفصل وجوب الاستمرار عليه كما في الرفع المشترك مع ما نحن فيه ببعض الادلة السابقة من استلزام زيادة الركن التي لم يثبت اغتفارها هنا، أو زيادة غيره كذلك بناء على إفساد مطلق الزيادة في الصلاة. نعم قيد الصحة في التذكرة مع السبق إلى الركوع بعد أن اعترف باطلاق الاصحاب كالمتن والمبسوط والسرائر وغيرها بما لم يكن قبل فراغ الامام من القراءة، وإلا فسدت الصلاة، وتبعه الشهيد في الذكرى والدروس والحواشي المنسوبة إليه وأبو العباس في الموجز وغيرهما، بل والمحقق الثاني على ما حكي عنه وعن شيخه ابن هلال وتلميذيه شارحي الجعفرية، بل في المدارك بطلت قطعا، بل في الذكرى وإن كان قد قرأ المأموم في صورة يستحب له ذلك بناء على عدم إجزاء الندب عن الفرض، وهو جيد إن لم يثبت ضمان الامام لها على جميع أحوال المأموم، كما لعله الظاهر من إطلاق الادلة والفتاوى في المقام وغيره، فلا يعتبر حينئذ في المأموم ما يعتبر في القارئ حال

ص 219

القراءة من الطمأنينة والانتصاب ونحوهما، بل قد يؤمي إليه زيادة على ذلك إئتمامه في أثناء القراءة أو بعدها مع اكتفائه بقراءة الامام، بل وظاهر اتفاقهم في صورة السبق سهوا على عدم وجوب القراءة عليه بعد رجوعه إلى الامام إذا كان قد ركع في أثنائها، على أنه يجب تقييد ما ذكروه بما إذا لم يكن ذلك غفلة عن القراءة وإن كان هو قد تعمد السبق كما في الدروس، إذ لا منافاة بين تعمده ذلك وغفلته عنها، فيكون حينئذ كترك الطمأنينة حال قراءة الامام غافلا الذي لا يقدح في ضمان الامام عنه، ضرورة مساواة الانتصاب الفائت بسبب الركوع لها، وإن كان هو في الاول يجب الرجوع إليها إذا تنبه، لتمكنه منها، بخلافه في الثاني، لاستلزامه زيادة ركن وخروجه عن محل تدارك المنسي، فتأمل جيدا، ولتمام البحث في ذلك كله مقام آخر لكنه على كل حال هو غير ما نحن فيه، إذ الفساد هنا بترك القراءة أو ما في حكمها عمدا لا المتابعة. ويرجع إلى متابعة الامام مع السهو كما هو المشهور بين الاصحاب أيضا نقلا وتحصيلا، بل لا أجد خلافا معتدا به في عدم الفرق بينه وبين الرفع الذي عرفت حكمه والدليل عليه فيما مضى سوى ما في المنتهى فاستوجه الاستمرار هنا مع أنه رجع عنه في آخر كلامه، وقوى العود أيضا، وسوى ما وقع لبعض متأخري المتأخرين من التفصيل بين الركوع والسجود، فيرجع في الاول، وتفسد الصلاة أو يستمر في الثاني، والاقوى الاول لبعض ما سمعته في الرفع، بل جميعه بناء على عدم الفصل كما هو ظاهر الاصحاب نقلا وتحصيلا، ولذا ذكر بعضهم حكم السبق في الرفع دون الركوع والسجود، وآخر بالعكس، وثالث الامرين معا مفصلا فيهما بالعمد والسهو مع خلو الاخبار عنه في الركوع والسجود، وللموثق (1) (كتبت إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام) في رجل كان خلف إمام يأتم به فيركع قبل أن يركع الامام وهو يظن أن الامام قد ركع،

(هامش)

(1) الوسائل الباب 48 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 4 (*)

ص 220

فلما رآه لم يركع رفع رأسه ثم أعاد الركوع مع الامام أيفسد ذلك عليه صلاته أم يجوز تلك الركعة؟ فكتب يتم صلاته ولا يفسد بما صنع صلاته) بناء على مساواة النسيان له أو أولويته منه كما هو كذلك هنا قطعا، فتغتفر حينئذ زيادة الركوع فضلا عن غيره، ولكن الاحتياط باعادة الصلاة في سائر الصور الغير المنصوصة لا ينبغي تركه. ولو لم يرجع أو يستمر ففي صحة الصلاة وعدمها البحث السابق، نعم قد يقيد هنا القول بالصحة مع عدم الرجوع عن الركوع الذي سبق الامام فيه سهوا بما إذا لم يكن الامام في حال القراءة، وإلا بطلت الصلاة كما عن الغرية وفوائد الشرائع التصريح به إذ هو حينئذ كالركوع عمدا قبل فراغ الامام من القراءة، وفيه أنه لا عبرة بهذا الانتصاب للقراءة بعد فرض صحة ركوعه، وأنه الركوع الصلاتي، وأنه وجب عليه آخر للمتابعة، ضرورة أنه المعتبر فيها الانتصاب قبل الركوع لا بعده، فليس حينئذ في تركه الرجوع إلا ترك المتابعة التي عرفت تعبديتها لا شرطيتها، ودعوى أن الركوع الصلاتي الحاصل مع الامام لا ما قبله وإن كان هو مغتفرا مصادرة، بل قد يؤمي الاجتزاء به في صورة العمد إلى خلافها، إذ لا فرق بينهما إلا بالاثم وعدمه. ومنه ينقدح حينئذ بطلان الصلاة لو أنه أراد الرجوع إلى الامام بعد وصوله إلى حد الركوع وقبل الذكر، لما فيه من ترك الواجب في محله، اللهم إلا أن يدعى جعل الشارع للركوعين بمنزلة ركوع واحد، فلا بأس بتأخير الذكر للثاني، وفيه بحث أو منع كالبحث أو المنع في إيجاب الذكر في الثاني بعدما عرفت من أن وجوبه للمتابعة التي لا تقتضي وجوب الذكر، وإلا فركوع الصلاة قد حصل بالاول من غير فرق بين حصول الذكر في الاول أو نسيانه، بل وكذلك غير الذكر مما لا تقتضيه المتابعة لو كان من الطمأنينة وغيرها، فتأمل جيدا، فان المسألة غير محررة مع أنها كثيرة النفع جدا، إذ مما يتفرع عليها أيضا وجوب الركوع عليه لو نوى الانفراد بعد رجوعه منه وقبل

ص 221

ركوعه مع الامام، وغير ذلك، واحتمال احتسابه ركوعا صلاتيا تارة وزائدا أخرى لا دليل عليه في كلامهم. هذا كله في الرجوع، أما الاستمرار في صورة العمد فقد سمعت فيما سبق بطلان الصلاة بتركه، لكن المراد أنه لو ترك الاستمرار وتابع الامام فيما فعله، وإلا فان لم يستمر بأن رفع رأسه من الركوع مثلا ولم يركع مع الامام لم تبطل صلاته، لعدم المقتضي وإن أطلق الاصحاب وجوب الاستمرار المشعر بالبطلان مع عدمه وإن لم يتابع، لكن بقرينة تعليلهم البطلان بالزيادة يجب تنزيله على ما ذكرنا، إذ ليس في الفرض إلا ترك المتابعة بالرفع معه، وهو لا يقتضي البطلان وإن كان مسبوقا بترك المتابعة بالركوع كما سمعته فيما سبق من عدم الفرق في ذلك بين الركن والركنين ما لم يخرج عن هيئة الجماعة على إشكال فيه أيضا، لاطلاق الفتاوى، بل كاد يكون صريح بعضها، والله أعلم.

 

عدم جواز وقوف المأموم قدام الإمام

 

(و) مما يعتبر في صحة الصلاة جماعة أيضا أنه (لا يجوز أن يقف المأموم قدام الامام) بلا خلاف أجده بين الاصحاب، بل في التذكرة والمنتهى والذكرى والمدارك والمفاتيح وعن نهاية الاحكام والغرية وإرشاد الجعفرية وظاهر المعتبر الاجماع عليه من غير فرق بين الابتداء والاستدامة، كما هو صريح معقد بعضها، اقتصارا في العبادة التوقيفية على ما علم ثبوته من فعل النبي والائمة (عليهم الصلاة والسلام) والصحابة والتابعين وتابعي التابعين وسيرة سائر فرق المسلمين في جميع الاعصار والامصار بعد قصور الاطلاقات المساقة لغيره عن تناول مثل ذلك، ولظهور سياق كثير من أخبار الباب في ذلك، بل كاد يكون صريح بعضها، خصوصا بعض ما تسمعه فيها (منها خ ل) بل هو كذلك، ولذا استدل عليه في المفاتيح بعد الاجماع بالنصوص. فلو تقدم المأموم على الامام بطلت صلاته كما هو صريح معقد بعض الاجماعات

ص 222

السابقة، وظاهر آخر، لكن قد ينافيه على الظاهر ما ذكره بعد ذلك في الذكرى من أنه لو تقدم المأموم في أثناء الصلاة متعمدا فالظاهر أنه يصير منفردا، لاخلاله بالشرط، ويحتمل أن يراعى باستمراره أو عوده إلى موقفه، فان عاد أعاد نية الاقتداء، ولو تقدم غلطا أو سهوا ثم عاد إلى موقفه فالظاهر بقاء القدوة للحرج، ولو جدد نية الاقتداء هنا كان حسنا، وكذا الحكم لو تقدمت سفينة المأموم على سفينة الامام، فلو استصحب نية الائتمام بعد التقدم بطلت صلاته، وقال الشيخ في الخلاف: لا تبطل لعدم الدليل، اللهم إلا أن يريد صيرورته منفردا بالنية كما يؤمي إليه قوله: (أعاد نية الاقتداء) وإن كان ربما ينافيه ذكر الاحتمال بعده، أو يقيد البطلان الذي هو معقد الاجماعات السابقة بما لو بقي على نية الائتمام كما يؤمي إليه قوله أخيرا: (فلو استصحب) إلى آخره، وإلا صار منفردا قهرا وإن لم ينو الانفراد، بل لعل ذلك هو ظاهر غيره أيضا ممن ستعرفه في الجماعة في السفينة مع أن كلا منهما لا يخلو من نظر. أما الاول فلظهور معاقد الاجماعات والفتاوي في تحقق البطلان لاصل الصلاة بمجرد حصول التقدم، ضرورة لزوم مقارنته لتلبس المأموم في جزء من الصلاة، إذ ليس في أثناء الصلاة فترة، وهو منهي عن التقدم فيه، واحتمال اختصاص الفساد به فيتدارك غيره إن كان ممكنا أو ربما لا يكون فساده مقتضيا لفساد الصلاة كجلسة استراحة ونحوها - جيد لولا ظهور الاجماعات السابقة أو صراحتها بتحقق الفساد متى حصل التقدم في الصلاة، واحتمال إرادتهم شرطية ذلك في الجماعة دون الصلاة بعيد جدا بل باطل، بناء على كون الجماعة من المقومات للصلاة كالظهرية والعصرية لا أنها مستحب خارجي كالمسجدية ونحوها، بل لعله كذلك وإن لم نقل بالتقويم بناء على ظهور الادلة في أن الامور المزبورة من التقدم والحائل ونحوهما شرائط للصلاة في حال الجماعة، فهي حينئذ كاستقبال القبلة ونحوه وإن قلنا بكون الجماعة من الخوارج، نعم

ص 223

الشأن في إثبات ذلك في جميع هذه الشرائط من الادلة، نعم هو ثابت في مثل الحائل ونحوه مما وردت النصوص به مع احتمال إرادة شرطية الجماعة منها فيه فضلا عن غيره، إلا أن الذي يقوى في النظر إرادة شرطية الصلاة في هذا الحال، فنية الانفراد حينئذ أي بعد حصول المانع مثلا لا تجدي، نعم لو فرض تقدمها على التقدم اتجهت الصحة. وأما الثاني فلابتنائه على كون ذلك شرطا في الجماعة دون الصلاة، وانقلاب المنوي إلى غير ما نوي من دون دليل، وهما معا كما ترى، بل وكذا النظر والتأمل فيما ذكره من التقدم الغلطي والسهوي لعدم دليل عليه، بل ظاهر الادلة من الاجماعات وغيرها خلافه، والتعليل بالحرج من الواضح قصوره عن إثبات ذلك، ومعارضته لغيره، ضرورة عدم تصوره في مثل المقام، على أن قضيته الصحة وإن لم يعد إلى موقفه بأن استمر سهوه إلى الفراغ، وهو خلاف ظاهره فضلا عن ظاهر غيره من الاصحاب ممن خرط هذا الشرط في سلك باقي الشرائط من الحائل والتباعد ونحوهما.

 

جواز مساواة المأموم للإمام

 

 ثم إنه قد يظهر من المتن وما ماثله من عبارات الاصحاب كالقواعد والمنتهى وغيرهما جواز مساواة المأموم للامام، بل هو صريح التذكرة والذكرى والبيان وظاهر الدروس والروض وغيرها، بل في المدارك والمفاتيح نسبته إلى الاكثر، بل في الروض وعن المسالك وغيرها نسبته إلى الشهرة، بل في الرياض لا خلاف فيه إلا من الحلي، بل في التذكرة الاجماع عليه، وهو الحجة بعد الاصل وصدق الجماعة وإطلاق الامر (1) بوقوف المأموم الواحد عن يمين الامام والاذن له بالوقوف حذاء الامام إذا لم يجد مكانا في الصف يقوم به، وإشعار حكم أمير المؤمنين عليه السلام (2) بصحة صلاة المختلفين في دعوى كل منهما الامام، ضرورة تصوره إلا مع التساوى، إذ التقدم إن حصل فهو الامام

(هامش)

(1) الوسائل الباب 23 و57 من أبواب صلاة الجماعة (2) الوسائل الباب 29 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 1 (*)

ص 224

وإلا بطلت الصلاة، والامر بقيام المرأة وسطا لو صلت جماعة في النساء في عدة من أخبار (1) بعضها في الصلاة على الجنازة، وما ورد (2) في كيفية إمامة العاري العراة، وخبر الحسين ابن علوان (3) عن جعفر عن أبيه عن علي (ع) قال: (الرجلان صف، فإذا كانوا ثلاثة تقدم الامام) وما في خبر أبي علي الحراني (4) الوارد عن الصادق (عليه السلام) في منع الجماعة الذين دخلوا المسجد قبل أن يتفرق جميع من فيه عن الاذان، ثم قال فيه: (إن أرادوا أن يصلوا جماعة فليقوموا في ناحية المسجد ولا يبدو بهم إمام). إلا أنه يمكن المناقشة في الاجماع بأنا لم نعثر على مصرح بالحكم قبله، بل ولا حكي، نعم نسب إلى ظاهر الشيخ وابن حمزة والمصنف مع أنه في مفتاح الكرامة قال: قد يظهر من جمل العلم والعمل موافقة الحلي في المنع، فلا ظن حينئذ به، بل لعل الظن بخلافه، وفي الاصل بأنه إن لم يكن مقتضاه العكس باعتبار التوقيفية واستصحاب شغل الذمة ونحوهما فهو مقطوع بما ستسمع، وإطلاقات الجماعة - بعد تسليم صدق اسم الجماعة على الفرض، لاحتمال كونها إسما للصحيح منها الذي لم يعلم كون الفرض منه - غير مساقة لبيان ذلك كما سمعته بالنسبة إلى التقدم، وكذا إطلاق اليمين، بل هو أولى، ضرورة مقابلته بأنه إن كان المأموم أكثر من واحد فخلفه، بل وكذا الحذاء، وفى سؤال المتداعيين أولا بما في الذكرى من أنه لا اقتداء هنا حتى يتأخر المأموم، ومن أن تأخر المأموم شرط في صحة صلاته لا صلاة الامام، وثانيا بأن الامام (عليه السلام) أراد

(هامش)

(1) الوسائل الباب 20 من أبواب صلاة الجماعة والباب 25 من أبواب صلاة الجنازة من كتاب الطهارة (2) الوسائل الباب 51 من أبواب لباس المصلى (3) الوسائل الباب 23 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 13 وهو خبر أبى البختري (4) الوسائل الباب 65 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 2 (*)

ص 225

الجواب حتى لو تداعيا التقدم أو نسياه أيضا، وبما في حاشية الوسائل من احتمال اغتفار ذلك بالخصوص للتقية، لانه لا بد من فرض اقتدائهما بمخالف ظاهرا، وإلا لزم الدور فان ركوع كل واحد منهما مثلا متوقف على ركوع الآخر وإن كان هو لا يخلو من نظر ضرورة عدم التوقف في الامامية، وكأنه اشتبه بالمأمومية، وفي الامر بالوسط للامرأة بأنه - بعد الغض عن الطعن في هذه الاخبار بما اشتملت عليه من الجماعة في النافلة، والنهي عنها في المكتوبة، بل والنهي عن التقدم أيضا - يمكن دعوى إشعارها بعكس المطلوب، بل ظهورها فيه من حيث اشتمالها على الاستدراك المشعر بمعروفية التقدم في الامامة، والنهي المعلوم وروده في مقام توهم الوجوب، وتبادر إرادة الخصوصية للنساء بذلك كما لا يخفى على من لاحظها، على أنه لا صراحة في الوسطية بالمساواة، ضرورة صدقها مع التقدم اليسير على من في الجانبين، بل هذا هو المراد منها قطعا عند التأمل، وفي خبر الحسين باحتمال أو ظهور إرادة التقدم تماما منه إذا زاد المأمومون على واحد، فيكون المراد بالصف حينئذ في الاثنين خلافه الذي لا ينافيه التقدم اليسير، وفي خبر أبي علي بنحو ذلك من احتمال إرادة البدو تماما، بل يحتمل إرادة غير ما نحن فيه من البدو، بل يحتمل قراءته بالراء فيه كما هو إحدى النسختين وإن كان المحكي عن نسخة الفقيه الواو، فتأمل، وفي كيفية جماعة العراة بأن الموجود في صحيح ابن سنان (1) (أنه يتقدم الامام بركبتيه ويصلي بهم جلوسا) وفي خبر إسحاق بن عمار (2) (يتقدمهم إمامهم فيجلس ويجلسون خلفه، ويؤمي إيماء) إلى آخره، وهما كما ترى واضحان في الدلالة على خلاف ذلك. بل منهما يستفاد أولوية الحكم في غير العراة، ضرورة لزوم (3) مراعاة التقديم

(هامش)

(1) و(2) الوسائل الباب 51 من أبواب لباس المصلى الحديث 1 - 2 (3) هكذا في النسخة الاصلية ولكن حق العبارة " استلزام " (*)

ص 226

فيهم للتقديم في غيرهم، فيتجه حينئذ مختار الحلي من لزوم تقدم الامام ولو بقليل، بل قد يدعى إشعار لفظ الامام بذلك وإن لم أعرف من وافقه عليه عدا الكاشاني في مفاتيحه إلا أنه قوي جدا، خصوصا مع ملاحظة النبوي (1) (إنما جعل الامام إماما ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا) وملاحظة مطلوبية الاحتياط في العبادات التوقيفية زيادة على ما عرفت، والاقتصار على الثابت المعلوم من فعل النبي والائمة (عليهم الصلاة والسلام) والصحابة والتابعين وسائر المسلمين، وخبر محمد بن عبد الله الحميري (2) المروي عن احتجاج الطبرسي عن صاحب الزمان (عليه السلام) (عن الرجل يزور قبور الائمة (عليهم السلام) هل يجوز أن يسجد على القبر أم لا؟ وهل يجوز لمن صلى عند قبورهم أن يقوم وراء القبر ويجعل القبر قبلة ويقوم عند رأسه ورجليه؟ وهل يجوز أن يتقدم القبر ويصلي ويجعله خلفه أم لا؟ فأجاب وقرأت التوقيع ومنه نسخت - إلى أن قال -: وأما الصلاة فانها خلفه، يجعله الامام، ولا يجوز أن يصلي بين يديه ولا عن يمينه ولا عن شماله، لان الامام لا يتقدم عليه ولا يساوى) بناء على أن المراد من الامام فيه إمام الجماعة كما يرشد إليه استدلال المحدث البحراني بخبر الحميري - الذي هو عين هذا الخبر، إلا أن المروي عنه فيه الفقيه عليه السلام، وحذف منه (ولا عن يمينه ولا عن شماله ولا يساوى) على عدم جواز تقديم المأموم على الامام معرضا بالاصحاب حيث أنهم لم يذكروا دليلا للحكم المزبور من الاخبار، وادعى أنه لم يسبقه إلى هذا التنبه أحد عدا شيخنا البهائي، وكل ذلك مؤيد لارادة الامام فيه إمام الجماعة، فتأمل. وملاحظة ما في نصوص الباب (3) الكثيرة جدا من الامر بالتقدم والتقديم

(هامش)

(1) كنز العمال ج 4 ص 250 الرقم 5224 (2) الوسائل الباب 26 من أبواب مكان المصلى الحديث 2 (3) الوسائل الباب 23 من أبواب صلاة الجماعة (*)

ص 227

والخلف ونحوها حتى أنه في الحدائق استصوب ما عليه الحلي فيما لو كان المأموم أزيد من واحد، قال: للنصوص المتطابقة على الامر بالخلف في مثله السالمة عن المعارض، منها صحيح ابن مسلم (1) عن الباقر (عليه السلام) (عن الرجل يؤم الرجلين قال: يتقدمهما ولا يقوم بينهما) وإن كان قد يخدشه أنها محمولة على الاستحباب كالامر بكون الواحد إلى اليمين في جملة من الاخبار (2) أيضا كما ستعرف ذلك إن شاء الله مفصلا، لكن من المعلوم إرادة الندب بمعنى استحباب قيام المأموم إن كان متعددا خلف الامام، فغير المستحب حينئذ أن يكونوا في أحد جنبيه أو فيهما، بمعنى (3) استحباب كون المأموم الواحد إلى جهة يمين الامام وإن جاز كونه على جهة يساره أو خلفه لا أن المراد مساواتهم ومساواته في الموقف، ودعوى أن غير الخلف المساواة - إذ التقديم وإن كان يسيرا خلف، فيكون أمر الواحد بالكون على اليمين مقابل الخلف نصا في المساواة، كأخبار الخلف أيضا بناء على الاستحباب - واضحة الفساد، ضرورة إرادة كون تمام المأموم وراء الامام من الخلف بحيث يكون سجوده محاذيا لقدم الامام، وإلا فالتقدم اليسير ليس من الخلف عرفا قطعا، ولا ينافي صدق كونه على اليمين، كما هو واضح.

 

المدار في التقدم والمساواة العرف

 

وكيف كان فمدار التقدم والمساواة العرف كما صرح به في الذخيرة والرياض، وجعله في المدارك وجها قويا، وهو فيها (فيهما ظ) منقح لا اشتباه فيه، وكأن ما وقع للاصحاب من تقديرهما في حال القيام أو هو مع الركوع بالاعقاب أو بها والاصابع معا أو بالمناكب خاصة، أو بأصابع الرجل في حال السجود، وبمقاديم الركبتين والاعجاز في حال التشهد والجلوس، وبالجنب في حال النوم لارادة ضبط العرف، وإلا فليس في

(هامش)

(1) و(2) الوسائل الباب 23 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 7 - 0 (3) هكذا في النسخة الاصلية ولكن الصواب " وبمعنى " (*)

ص 228

نصوص المقام تعرض لشيء من ذلك عدا ما يشعر به ما ورد (1) في استحباب مساواة أهل الصفوف وعدم اختلافهم من تحقق التساوي بتحاذي المناكب، وما ورد (2) في كيفية جماعة العراة من تحقق التقدم في حال الجلوس بابراز الركبتين، لكن في التذكرة أنه لو تقدم عقب المأموم بطل عندنا، وفى المدارك (نص الاصحاب على أن المعتبر التساوي بالاعقاب، فلو تساوى العقبان لم يضر تقدم أصابع رجل المأموم أو رأسه، ولو تقدم بعقبه على الامام لم ينفعه تأخره عنه بأصابعه ورأسه) وفي الروض والمسالك الاكتفاء في البطلان بتقدم عقب المأموم أو أصابعه حاكيين له عن العلامة بعد أن حكيا عن الشهيد اعتبار العقب خاصة، قالا: (ولو فرض تقدم عقب المأموم مع تساوي أصابعه الاصابع الامام فظاهرهما معا المنع، لتقدم العقب الذي هو المانع عند الشهيد، والاكتفاء بأحد الامرين عند العلامة، وكذا لو تأخرت أصابع المأموم وتقدمت عقبه) وكأنهما أرادا ما حكي عن العلامة في نهاية الاحكام من أنه استقرب اعتبار التقدم بالعقب والاصابع معا بناء على إرادته بالمعية الاكتفاء بكل منهما في مقابلة اعتبار العقب خاصة، لا أن المراد شرطية البطلان بتقدمهما معا كما لعله الظاهر من هذه العبارة المحكية، وقال في الروض: إنه يمكن دخول الركوع في الموقف، فيعتبر فيه الاقدام حينئذ نسبة، وعدم الاعتبار بتقدم الرأس الذي حكي عن نهاية الاحكام التصريح به وفى المسالك إلى ظاهرهم، وقال فيه أيضا: (وأما حالة السجود والتشهد فيشكل عدم الاعتبار حالهما مطلقا، وينبغي مراعاة أصابع الرجل في حالة السجود، ومقاديم الركبتين أو الاعجاز في حالة التشهد) وعن الدروس والمسالك (لا يضر تقدم المأموم على الامام بمسجده إلا في المستديرين حول الكعبة) وعن الروضة (أن المعتبر العقب قائما والمقعد وهو الالية جالسا،

(هامش)

(1) الوسائل الباب 70 من أبواب صلاة الجماعة (2) الوسائل الباب 51 من أبواب لباس المصلى (*)

ص 229

والجنب نائما) وهو صريح في اعتبار عدم التقدم في أحوال المصلي جميعها كما هو ظاهر غيره من الاصحاب عدا المتن وما ماثله الذي قد يفهم منه اختصاص ذلك في الموقف. ولا ريب في أن الاول أقوى كما أنه لا ريب أيضا في أن الاوجه عدم الالتفات إلى شيء من ذلك وإيكال الامر إلى العرف الذي معرفة صدق التقدم والمساواة فيه من أوضح الاشياء، فلا حاجة حينئذ إلى ذكر ما سمعت الذي لا يخلو جملة منه من إشكال ونظر، بل قد يقطع بفساد بعضه، كما أنه لا حاجة أيضا إلى ما وقع من بعضهم من تفسير التقدم المانع لصحة الصلاة بأن لا يكون المأموم أقرب إلى القبلة من الامام، وكأنه إليه أومأ الشهيد بل وغيره أيضا على ما حكي عنه باشتراطهم عدم أقربية المأموم إلى الكعبة من الامام فيما صرحوا به من جواز الصلاة جماعة بالاستدارة على الكعبة مستدلا عليه في الذكرى بالاجماع عليه عملا في الاعصار السالفة، إذ قد يناقش فيه بأنه لا يتم في الصلاة جماعة في جوف الكعبة بناء على جوازها، ضرورة عدم تصور القرب فيه إلى القبلة والبعد إلا أن يراد خصوص ما استقبله الامام من الجدار مثلا، بل قد يدعى عدم تصور أصل التقدم والتأخر في بعض صور الجماعة فيه بناء على جوازها لو تخالفا في جهة الاستقبال فيه إما بأن يكون وجه أحدهما إلى الآخر أو قفا كل منهما إليه، بناء على أن الشرط في المسألة السابقة عدم الحائل بين الامام والمأموم لا المشاهدة على أنه يمكن فرض تحققها ولو بفرض التعاكس الناقص لا التام، لعدم إرادة المشاهدة الامامية منها، وإلا لما اكتفوا فيها بأطراف العيون في الصف الاول وفي جناحي الامام وفي الصف خلف الباب المفتوح وغير ذلك مما سمعت الاشارة إليه. اللهم إلا أن يمنع مثل هذه الكيفيات من الجماعة التوقيفية، لعدم معهوديتها بل معهودية خلافها، بل هي أولى بالمنع من الاستدارة التي استشكل فيها في المدارك والذخيرة، بل منعها العلامة في جملة من كتبه على ما حكي عنه، وخص الصحة بصلاة

ص 230

من هو خلف الامام أو إلى جانبه محتجا بأن موقف المأموم خلف الامام أو إلى جانبه، وهو إنما يحصل في جهة واحدة، فصلاة من غايرها باطلة، وبأن المأموم مع الاستدارة إذا لم يكن واقفا في جهة الامام يكون واقفا بين يديه، فتبطل صلاته. وإن كان قد يناقش أولا بالاجماع الذي سمعته في الذكرى، وثانيا بامكان دعوى صدق الخلف والجانب، إذ هما بالنسبة إلى كل واحد بحسبه ولو بملاحظة الدائرة البركالية ولعله محافظة على ذلك اعتبر المجوزون عدم أقربية المأموم إلى الكعبة من الامام، بل ينبغي على مختار الحلي من اعتبار تقدم الامام اشتراط أقربية الامام إلى الكعبة، لكن قد يشكل بأنه لا تلازم بين كون المأموم خلفا أو جانبا بحسب الدائرة البركالية وبين عدم أقربيته إلى الكعبة من الامام، ضرورة زيادة جوانب الكعبة فقد يكون قريبا جدا إليها وإن كان هو خلفا بحسب الدائرة كما هو واضح، وثالثا بامكان منع اعتبار الخلف والجانب في الجماعة، نعم يعتبر عدم تقدم المأموم مثلا على الامام وإن كان ذلك يلزمه حيث يكون الاستقبال إلى الجهة الخلف أو الجانب، ولعل اعتبارهما في كثير من الاخبار مبني على الغالب، ولا ريب في عدم صدق التقدم في الكيفية المفروضة، إلا أن المتجه على هذا التقدير سقوط الشرط المزبور أي عدم كون المأموم أقرب مطلقا، بل يكتفى حينئذ بعدم صدق التقدم، وكيف كان فالاقوى صحة الجماعة مع الاستدارة، والاحوط عدم أقربية المأموم فيها إلى الكعبة بحسب الدائرة، وأحوط منه ملاحظة الكعبة مع ذلك، وأحوط منه أقربية الامام إليها دائرة وعينا، والله أعلم.

 

لزوم نية الإقتداء للمأموم

 

 (ولابد) في صحة الجماعة للمأموم وجريان أحكامها عليه (من نية الائتمام) بلا خلاف نقلا وتحصيلا، بل هو مجمع عليه كذلك، بل في المنتهى أنه قول كل من يحفظ عنه العلم، إذ من أصول المذهب وقواعده توقف العبادات على النيات، فلو لم ينوه حينئذ كان منفردا كما صرح به غير واحد من الاصحاب كالفاضل في التذكرة والشهيدين

ص 231

وغيرهم، بل لا أجد فيه خلافا، ولا تبطل صلاته إلا بما تبطل به صلاة المنفرد حتى لو ألزم نفسه بمتابعة الامام وصار كالمأموم، إذ ليس فيه إلا أنه قرن فعله بفعل غيره، ولم يثبت إبطال مثل ذلك للصلاة، بل الثابت بظاهر الادلة خلافه، خلافا للشافعية في أصح وجهيها، لانه وقف صلاته على صلاة الغير لا لاكتساب فضيلة الجماعة، ولما فيه من إبطال الخشوع وشغل القلب، وهو كما ترى مقتض لفساد صلاة من اشتغل قلبه وسلب خشوعه، ولم يقل به أحد كما في الذكرى، نعم لو أدي ذلك الالزام إلى ما يبطل الصلاة الواقعة من المنفرد بأن ترك قراءة أو زاد ركوعا أو سجودا أو سكوتا طويلا للانتظار أو غير ذلك اتجه البطلان حينئذ لذلك لا للالزام المزبور، كما هو واضح لكن في القواعد (السابع نية الاقتداء، فلو تابع بغير نية بطلت صلاته) ولعله يريد جماعة أو إذا أدت المتابعة إلى ما عرفت، وإلا فقد عرفت أنه لا وجه لفساد الصلاة أصلا. فما في الرياض نقلا عن المنتهى ونهاية الاحكام والذكرى - من الاجماع على وجوب أصل نية الاقتداء، فلو لم ينوه أو نوى الاقتداء بغير معين فسدت الصلاة فضلا عن الجماعة، قال: وكذا لو نوى باثنين - في غاية العجب، إذ ليس في المنتهى سوى قوله: (مسألة ونية الاقتداء شرط، وهو قول كل من يحفظ عنه العلم) ومراده الشرطية في الجماعة قطعا، وفى الذكرى (الشرط الثاني من شروط الاقتداء نية الاقتداء لقوله (صلى الله عليه وآله) (1): (إنما لكل امرئ ما نوى) وعلى ذلك انعقد الاجماع - إلى أن قال -: فلو ترك نية الاقتداء فهو منفرد، فان ترك القراءة عمدا أو جهلا بطلت، وكذا لو قرأ لا بنية الوجوب، وإن قرأ بنية الوجوب وتساوقت أفعاله وأفعال الامام بحيث لا يؤدي إلى انتظار الامام صحت صلاته، ولم يضر ثبوت الجماعة

(هامش)

(1) الوسائل الباب 5 من أبواب مقدمة العبادات الحديث 10 (*)

ص 232

وإن تابع الامام في أفعاله وأذكاره، وإن تقدم عليه فترك بعض الواجب من الاذكار بطلت صلاته، لتعمده الاخلال بابعاضها الواجبة، وإن تقدم هو على الامام كأن فرغ من القراءة قبله والتسبيح في الركوع والسجود وبقي منتظرا فان طال الانتظار بحيث يخرج عن كونه مصليا بالنسبة إلى صلاته قيل يبطل، لان ذلك يعد مبطلا، ويمكن أن يقال باستبعاد الفرض - إلى أن قال -: وإن سكت اتجه البطلان، وإن لم يطل الانتظار فالاقرب الصحة، إذ ليس فيه إلا أنه قرن فعله بفعل غيره، ولم يثبت كون ذلك قادحا في الصلاة) ثم حكى عن بعض العامة البطلان وأفسده، وهو صريح فيما قلناه وإن كان في بعض ما ذكره مما لا مدخلية له فيما نحن فيه نظر وتأمل، وكذا صرح في التذكرة والروض والذخيرة وغيرها. بل الظاهر الصحة حتى لو اعتقد حصول الجماعة له وصيرورته مأموما من غير نية جهلا منه إذا لم يقع منه ما يخل بصلاة المنفرد، اللهم إلا أن يدعى اندراجه في التشريع وفيه - بعد الغض عن النظر في إبطال مثله هنا - تأمل أو منع، بل يقوى في النظر أنه ليس مما يخل قراءته بنية الندب بناء على عدم قدح مثل ذلك خصوصا في الاجزاء، نعم يتجه الحكم بفساد الصلاة مع عدم نية الجماعة فيما لو كانت صحة الصلاة موقوفة على الجماعة كالفريضة المعادة لادراك الجماعة، بناء على توقف صحة إعادتها على الجماعة كما هو ظاهر الاصحاب، فلو لم ينو حينئذ الجماعة بطلت الصلاة، لعدم إمكان صيرورتها فرادى ابتداء. ولو كانت الجماعة واجبة بالاصل كالجمعة أو بالعارض وجبت حينئذ نيتها شرعا زيادة على الوجوب الشرطي، واحتمال عدم الوجوب في مثل الجمعة لعدم انعقادها إلا جماعة فيستغني بنية الجمعة حينئذ عن الجماعة لا يخلو من وجه، وإن جزم في الذكرى

ص 233

بفساده لقوله (صلى الله عليه وآله) (1): (إنما الاعمال بالنيات). ولو شك في نية الاقتداء ففي التذكرة هو كالشك في النية، فيتلافى مع بقاء المحل ولا يلتفت بعد تجاوزه، وفي الذكرى يمكن أن يكون بناؤه على ما قام إليه، فان لم يعلم شيئا بنى على الانفراد، لاصالة عدم نية الائتمام، وهو جيد، إلا أنه يعتبر مع ذلك أيضا ظهور أحوال المأمومية عليه وعدمه، فتأمل.

 

لزوم الإقتداء بإمام معين

 

(و) كذا لا خلاف نقلا وتحصيلا في لا بدية (القصد إلى إمام) متحد (معين) بالاسم أو بالاشارة أو بالصفة أو بغيرها، بل يكفي القصد الذهني بعد إحراز جامعيته لشرائط الامامة في صحة الصلاة جماعة، بل كأنه مجمع عليه، لاصالة عدم ترتب أحكامها من سقوط القراءة ونحوها بعد الشك في تناول الاطلاقات أو القطع بالعدم، لعدم المعهودية، بل معهودية الخلاف، نعم لا يشترط استحضار هذا القصد حال نية الصلاة بل يكفي بناء المكلف على أنه زيد أو عمرو (فلو كان بين يديه إثنان ونوى الائتمام بهما أو بأحدهما ولم يعين لم تنعقد) صلاته قطعا لا لان التعيين شرط في سائر العبادات ضرورة أنه ليس مما نحن فيه، بل لما عرفت من عدم ثبوت مقتضي الصحة في النصوص والفتاوى، بل الاخيرة متطابقة على فساده تطابق فعل الامامين أو اختلف، بل يحتمل أنه كذلك حتى لو عين أحدهما بما يعينه في الواقع من الاسم أو الصفة لكن لم يعرف مصداقهما بأن قصد الصلاة خلف زيد أو العالم منهما وكان لا يعرف أن هذا أو هذا زيد أو العالم، إذ الترديد في المصداق كالترديد في المفهوم يشك في شمول الادلة له، وإطلاق الاصحاب الاجتزاء بالتعيين بالاسم أو بالصفة منزل على مفيد التشخيص عند المعين لا في الواقع كما هو المتبادر من اشتراط التعيين في الفتاوى، نعم لو اقتدى بامام جماعة ثبتت عدالته عنده وأشار إلى ذاته التي لم يعلم اسمها أو وصفها صحت الصلاة قطعا،

(هامش)

(1) الوسائل الباب 5 من أبواب مقدمة العبادات الحديث 10 (*)

ص 234

لتناول الادلة له، أما لو نوى الاقتداء باسمه ولكن لم يعرف مصداق اسمه من بين الذوات المتقدمة عليه الصالحة لان يكون كل واحد منها إماما له فالظاهر أنه كالترديد في المصداق، بل يمكن ذلك حتى لو عينه بامام هذه الجماعة، ضرورة احتماله كون هذه الذات إمام الجماعة أو هذه الذات، كاحتمال كون هذا زيدا أو هذا زيدا، لا أنه كالائتمام بهذا المحتمل أنه زيد أو عمرو أو بكر، إذ هو في الحقيقة ترديد في الاسماء خاصة أو ما يقرب منه مما لا مدخلية له في حصول تعيين الائتمام بتلك الذات المحتمل أنها زيد أو عمرو أو بكر، إنما الذي يقدح عدم التعيين في المفهوم كأحدهما أو الصدق فيما نواه بمعنى عدم علمه موضوعه الذي يحمل عليه، بخلاف مالو علم موضوعه وهو هذه الذات مثلا ولكن لم يعلم المحمول عليها من زيد أو بكر أو عمرو، هذا مع احتمال تصحيح الجماعة في سائر هذه الصور بحصول التعيين والتشخيص في الواقع وإن لم يشخصه عند المقتدي، فيراد من اشتراط الاصحاب التعيين إخراج مالا تعيين فيه أصلا خاصة، كأحدهما الصادق على كل منهما ونحوه لا غيره مما ذكرنا، لصدق الاقتداء بمن وثق بدينه وأمانته فيه دونه، بل لعله على ذلك عمل أغلب الناس.

 

حكم ما لو نوى الإقتداء بزيد مثلا فظهر أنه عمرو

 

 ولو نوى الاقتداء بزيد فظهر أنه عمرو بطلت وإن كان أهلا للامامة أيضا كما في التذكرة والذكرى والروض وعن نهاية الاحكام والروضة وإرشاد الجعفرية من غير فرق بين ظهور ذلك له بعد الفراغ أو في الاثناء، إذ نية الانفراد هنا كعدمها، لعدم وقوع ما نواه وعدم نية ما وقع منه، وفائدة التعيين التوصل به إلى الواقع لا أنه يكفي وإن خالف الواقع، نعم لو كان قد شك فيه في الاثناء اتجه له نية الانفراد وصحت صلاته ما لم يظهر له أنه خلاف ما عينه، وفي إيجاب البحث عنه عليه وجهان، بل قد يحتمل صحة صلاته وإن لم ينو الانفراد استصحابا لحكم التعيين الاول الذي لا يفسده إلا تخلفه لا احتمال تخلفه، وإن كان فيه أن التعيين كما أنه شرط في الابتداء كذلك

ص 235

شرط في الاستدامة إلا في خصوص استنابة الامام على احتمال كما ستعرف. ولو اقتدى بهذا الحاضر على أنه زيد فظهر أنه عمرو قاصدا التعيين فيهما - وإلا لو كان ذلك محض اعتقاد لا مدخلية له في تعيين مقتداه صحت صلاته، لحصول التعيين بالاشارة التي لا يقدح فيها خطأ الاعتقاد المزبور ففي صحة صلاته ترجيحا للاشارة، وبطلانها ترجيحا للاسم وجهان كما في الذكرى والمدارك والرياض، أحوطهما بل أقربهما الثاني كما عن كشف الالتباس وإن لم أجده فيه، واستوجهه في الروض حاكيا له عن العلامة، خلافا للذخيرة والكفاية فالاول، بل ينبغي الجزم به لو كان عمرو عنده غير عادل وإن استشكل فيه المولى الاعظم في شرح المفاتيح من ظهور عدم الاقتداء بعادل ومما ورد (1) من صحة صلاة من اقتدى بيهودي باعتقاد عدالته ثم ظهر فساده، لكن لا يخفى عليك ضعف الوجه الثاني، لوضوح الفرق بين تخلف الاعتقاد في الصفة بعد تشخص الذات وبين تخلفه بالنسبة للموصوف، بل هو أولى من المسألة الاولى في البطلان التي نوى الاقتداء فيها بزيد ثم ظهر أنه عمرو وإن كان عدلا، كما هو واضح. ومنه يعلم أنه لا وجه لنية الانفراد في الفرض وإن كان قبل ما يصدر منه ما يبطل صلاة المنفرد، لفساد أصل الصلاة التي هي شرط في جواز الانفراد، خلافا له أيضا فحكم بها قبل أن يصدر منه ما يبطل صلاة المنفرد كترك القراءة ونحوها بأن يكون ظهر له بعد التكبير، ولا ريب في ضعفه كما عرفت. إنما البحث لو ظهر أنه عمرو العدل عنده وقد سمعت أن الاقوى البطلان فيه أيضا إن كان أراد مصداق الحاضر الذي باعتقاده أنه زيد، فانه حينئذ لم تزد الاشارة في نظره على الاسم، بل هو المقصود منها، كقصد الفرد من الكلي، فيرجع حينئذ إلى عدم التعيين كما لو اقتصر على الاسم.

(هامش)

(1) الوسائل الباب 37 من أبواب صلاة الجماعة (*)

ص 236

أما إذا قصد من الاشارة مفهومها والاسم تعيين آخر مستقل لكنه تخيل اتفاق موردهما فقد يقال بالصحة، لحصول التعيين بالاشارة التي لم ينافها تبين فساد التعيين بالاسم، وتناول إطلاق الادلة له بصدق الامتثال فيه، وإشعار إطلاق مادل (1) على جواز استنابة الامام غيره إذا عرض له عارض في الجملة، خصوصا في مثل الجماعات المعظمة التي يغلب فيها عدم اطلاع جميع المأمومين على ذلك. وقد يقال بالبطلان لقبح الترجيح بلا مرجح، وكون أحدهما خطأ والآخر صوابا غير صالح للترجيح، بل كل منهما ينبغي تأثيره أثره، فيتعارضان، فلا يحصل مقتضي الصحة، وليس كل منهما مقتضي الصحة حتى يقال تخلف أحدهما لا ينافي اقتضاء الآخر مقتضاه إذ هو بمنزلة العدم حينئذ، بل هما مع اقتضائهما الصحة تخلفهما مقتضي البطلان، وللشك في تناول الاطلاقات لمثله إن لم نقل ظاهر مواردها خلافه، ولا إشعار في إطلاق الاستنابة به أصلا، إذ أقصاه إن لم ينزل على علم المأمومين بالنائب عدم قدح حدوث غير المعين ابتداء حتى لو علم المأموم بذلك ولم يعينه، لانه بمنزلة المنوب عنه، فيكفي التعيين الاول، كما أنه يكفي أصل نية الاقتداء به عن تجديدها كما صرح به في التذكرة لكن على إشكال، وهو على كل حال غير ما نحن فيه قطعا، كما هو واضح. فالقول بالبطلان حينئذ لا يخلو من قوة وإن أطنب المولى الاعظم في شرح المفاتيح في ترجيح الصحة، بل قال: (لا وجه للبطلان لو وقع الكشف في الاثناء قبل عروض ما يضر المنفرد، وكذا لو وقع الكشف بعد الفراغ من الصلاة، خصوصا بعد خروج الوقت) لكن لا يخفى على من لاحظ كلامه أنه لا ترجيح في شيء مما ذكره لذلك، بل منه ما هو خارج عن محل النزاع، ومنه ما هو ممنوع أو غير مجد، فلاحظ وتأمل، ولو أمكن التفصيل هنا بين ما كان الاسم والاشارة على حد سواء في نية التعيين

(هامش)

(1) الوسائل الباب 72 من أبواب صلاة الجماعة (*)

ص 237

بهما وبين ما كان العمد (العمدة خ ل) فيه أحدهما وذكر الآخر مكملا فيحكم بالبطلان في الاول والثاني إن كان هو الاسم، وبالصحة إن كان الاشارة كان وجها، والله أعلم. (ولو صلى اثنان فقال كل منهما: كنت إماما صحت صلاتهما) بلا خلاف أجده فيه، بل في ظاهر الروض والرياض الاجماع عليه، بل هو صريح المنتهى، لمساواة صلاة الامام صلاة المنفرد من كل وجه في القراءة وغيرها، ونية الامامة ليست منوعة بل هي كنية المسجدية، بخلاف نية المأمومية لاختصاصها بأحكام كثيرة، ولخبر السكوني (1) المعمول به هنا بين الاصحاب كما اعترف به غير واحد عن أبي عبد الله عن أبيه عن آبائه عن علي (عليهم السلام) أنه قال (في رجلين اختلفا فقال أحدهما: كنت إمامك وقال الآخر: كنت إمامك: إن صلاتهما تامة، قال: قلت: فان قال كل واحد منهما: كنت أءتم بك قال: فصلاتهما فاسدة ليستأنفا) نعم ينبغي تقييد الصحة بما إذا لم تكن صحة الصلاة موقوفة على الجماعة كالمعادة مثلا، فان فرض نية كل منهما الامامة يوجب انفرادهما، وهو مقتض للبطلان.

 

حكم ما لو صلى اثنان فقال كل منهما : كنت إماما أو قال كل منهما : كنت مأموما

 

(و) أما (لو قال) كل منهما: (كنت مأموما) بحيث علم صحة قولهما (لم تصح صلاتهما) بلا خلاف أجده فيه، بل ظاهر جماعة الاجماع، بل هو صريح التذكرة للاخلال بالقراءة، وللخبر (2) المتقدم المنجبر ضعفه بعمل الاصحاب، ولانهما إن اقترنا في النية لم يكن أحدهما صالحا للامامة كما لو سبق أحدهما، لفساد صلاته بنية الائتمام بلا إمام بناء على أن ذا ليس من الفساد الذي لا يقدح في صلاة المأموم كتبين الحدث ونحوه، مع احتماله، إلا أن الظاهر فرض المسألة في الاقتران الذي من الواضح فيه البطلان لما عرفت، ولاستلزام صحة صلاتهما عدمها، ضرورة عدم جواز الائتمام بالمأموم كما حكي في التذكرة والذكرى الاجماع عليه، بل فيهما التصريح بأنه لا فرق بين أن

(هامش)

(1) و(2) الوسائل الباب 29 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 1 (*)

ص 238

يكون عالما بأنه مأموم أو جاهلا. أما إذا لم يعلم صحة قولهما بل كان كل منهما مدعيا محضا ففي حاشية الارشاد للمحقق الثاني وعن فوائد الشرائع في قبول قول كل منهما في حق الآخر بعد الصلاة تردد، وعلله في الثاني بأن الامام لو أخبر بحدثه أو عدم تستره أو عدم قراءته لم يقدح ذلك في صلاة المأموم إذا كان قد دخل على وجه شرعي، وقضية المزبور جريان التردد في الصورة الاولى أيضا التي علم فيها ذلك حتى مع الاقتران، لان الحدث ونحوه لا يقدح في صحة صلاة المأموم وإن علم صحة دعوى الامام في حصوله منه قبل الصلاة، إذ تكليف المأموم العمل بالظاهر المقتضي لتحقق الاجزاء كتبين الفسق وغيره، ولعله مراده. لكن قد يناقش على كل حال أولا بأنه اجتهاد في مقابلة النص المعمول به بين الاصحاب، وثانيا بما في الروض من أنه يمكن أن يكون شرط جواز الائتمام ظن صلاحية الامام لها، ولهذا لا يشترط أن يتحقق المأموم كون الامام متطهرا ولا متصفا بغيرها من الشروط الخفية بعد الحكم بالعدالة ظاهرا، وحينئذ إن تحققت الامامة والائتمام لم يقبل قوله في حقه كما في الحدث ونحوه، وإن حكم بهما ظاهرا ثم ظهر خلافه قبل قول الامام، لعدم تيقن انعقاد الجماعة، والبناء على الظاهر مشروط بالموافقة. وهذا هو مقتضى النص في الموضعين وإن كان قد يخدش الاول بامكان تنزيل النص على إرادة بيان حكم من إئتم بمن إئتم به في الواقع من دون نظر إلى نفس الدعوى بناء على أن التردد المزبور في الثاني خاصة، والثاني بامكان الاكتفاء في هذا الشرط في الجماعة، وهو أن لا يكون قد نوى الائتمام به بالظن أيضا كاحراز الوضوء ونحوه، فتتحقق الامامة حينئذ وإن كان في الواقع قد نوى الائتمام به، فضلا عن أن يكون ذلك مجرد دعوى منه، بل قد يؤيد ذلك في الجملة بما دل على عدم الالتفات إلى الشك بعد

ص 239

الفراغ، بل هو كدعوى الامام بعد الفراغ بأنه لم ينو الصلاة أو أنه كان في نافلة أو نحو ذلك. والتحقيق أنه لا ريب في البطلان لو علم نية كل منهما الائتمام بالآخر ولو بعد الفراغ، لما عرفت من الخبر المعتضد بفتوى الاصحاب، وإصالة الواقعية في الشرائط السالمة عما يقتضي خلافها هنا عدا القياس على الحدث ونحوه المعلوم حرمته عندنا، أما مع عدم العلم بل كان مجرد دعوى كل منهما ذلك فظاهر النص والفتوى البطلان أيضا، وهو الاحوط خصوصا في مثل العبادة التوقيفية وحصول الشك في الفراغ هنا، بل الاقوى وإن كان الجزم به لا يخلو من نظر، لامكان تنزيل النص والفتوى على الصورة الاولى وإن اشتملا على قول كل منهما، لكن من المحتمل إرادة معلوم الصدق منه عندهما كما هو الغالب، وربما يؤمي إليه فرض الفاضل وغيره المسألة في الصورة الاولى، ومن المعلوم كون الخبر في نظرهم، اللهم إلا أن يدعى تساوي المسألتين عندهم، ومن هنا فرضها المصنف بمضمون الخبر، والفاضل بما عرفت مع عدم معرفة أحد خلافا بينهم في ذلك، والله أعلم.

 

حكم ما لو صلى اثنان وشكا فيما اضمراه

 

(وكذا) تبطل صلاتهما (لو شكا فيما أضمراه) لاصالة الشغل السالمة عن معارضة ما يقتضي البراءة، وإطلاق العبارة والتحرير والموجز وعن المبسوط والمعتبر يقتضي أنه لا فرق في ذلك بين كونه في أثناء الصلاة قبل القراءة أو بعدها أو بعد الفراغ منها، علما ما قاما إليه من الامامة أو الائتمام أو لا، بل علما فعل القراءة أو تركها أو لم يعلما إذ هو لا يفيد تشخيص أحدهما، لاحتمال السهو والنسيان، لكنه قد يشكل فيما بعد الفراغ بأنه شك في الصحة بعد الفراغ، فلا يلتفت إليه، ولذا اختاره في الروض والمسالك وحكي عن المحقق الثاني أنه قواه وجعله مقتضى النظر، واحتمله في التذكرة، بل في المدارك لا بأس به إذا كان كل منهما قد دخل في الصلاة دخولا مشروعا، وهو قوي

ص 240

جدا حتى لو علما أنهما قاما إلى الائتمام لكنهما احتملا وقوع غيره، بل ولو علما ترك القراءة أيضا، إذ لعله سهوا لا لنية الائتمام، فيكون المدار حينئذ على احتمال الصحة، بل قد يتجه ذلك أيضا في الاثناء فيحكم على ما سبق بالصحة بمجرد احتمالها، ويراعي في الباقي ما يراه من تكليفه. ولعله إلى ذلك في الجملة أشار في الذكرى والمسالك والروض، قال في الاولى: (يمكن أن يقال: إذا كان الشك في الاثناء وهو في محل القراءة لم يمض ما فيه إخلال بالصحة، فينوي الانفراد وصحت صلاته، لانه إن كان نوى الامامة فهي نية الانفراد وإن كان قد نوى الائتمام فالعدول عنه جائز، وإن كان بعد مضي محل القراءة فان علم أنه قرأ بنية الوجوب أو علم القراءة ولم يعلم نية الندب انفردا أيضا، لحصول الواجب عليه، وإن علم ترك القراءة بنية الندب أمكن البطلان، للاخلال بالواجب، وينسحب البحث في الشك بعد التسليم، ويحتمل قويا البناء على ما قام إليه، فان لم يعلم ما قام إليه فهو منفرد) واعترضه في المدارك بجواز أن يكون كل منهما قد نوى الائتمام بصاحبه، فتبطل الصلاتان، ويمنع العدول، وفيه أن مجرد احتمال ذلك لا يمنع حمل الفعل على الوجه الصحيح مهما أمكن، والمراد بالانفراد هنا مراعاته في الباقي من صلاته ما يراعيه المنفرد، بل لا بأس في نية الانفراد مع ذلك تخلصا من احتمال كون أحدهما إماما والآخر مأموما إن كان هو أحد أفراد الشك، نعم في عبارة الذكرى نظر من وجوه أخر تعرف بالتأمل فيما قدمناه، فتأمل جيدا.

 

جواز ائتمام المفترض بالمفترض وإن اختلف الفرضان

 

(ويجوز أن يأتم المفترض بالمفترض وإن اختلف الفرضان) عددا كالقصر والتمام، ونوعا كالظهر والعصر والمغرب والعشاء، وصنفا كالاداء والقضاء للنصوص (1)

(هامش)

(1) الوسائل الباب 53 و55 من أبواب صلاة الجماعة (*)

ص 241

المعمول بها بين معظم الاصحاب، بل لا أجد خلافا في شيء من ذلك سوى ما يحكى عن والد الصدوق من منع اقتداء المسافر بالحاضر والعكس، وعنه من منع اقتداء مصلي الظهر بمصلي العصر إلا أن يتوهمها العصر ثم يعلم أنها كانت الظهر، وهما بعد الاغضاء عن ثبوتهما عنهما خصوصا ما عن الثاني منهما نادران شاذان كما اعترف به في المفاتيح والرياض، بل لا أعلم مأخذا لثانيهما كما اعترف به في الذكرى والبيان أيضا، إذ ليس إلا ما قيل من أن العصر لا يصح إلا بعد الظهر، فلو صلاها خلف من يصلي الظهر فكأنه قد صلى العصر مع الظهر مع أنها بعدها، وهو كما ترى ضعيف جدا، ضرورة ترتب عصر المصلي على ظهر نفسه لا على ظهر إمامه، على أنه إن تم يقتضي المنع أيضا في العكس وفي العشاء والمغرب. ومن صحيح علي بن جعفر (1) سأل أخاه (عليه السلام) (عن إمام كان في الظهر فقامت امرأة بحياله تصلي معه وهي تحسب أنها العصر هل يفسد ذلك على القوم؟ وما حال المرأة في صلاتها معهم وقد كانت صلت الظهر؟ قال: لا يفسد ذلك على القوم وتعيد المرأة صلاتها) وهو - مع أنه مناف لما ذكره الصدوق، وموافق للتقية، بل في الوسائل لاشهر مذاهب العامة - محتمل لكون الامر بالاعادة فيه للمحاذاة والتقدم على الرجال المذكورين فيه حتى على القول بكراهتهما، إذ لعلها للايقاع على الوجه الاكمل نحو الامر باعادة الجمعة لمن صلاها بغير الجمعة والمنافقين وغيره، ولان لاعتقادها مدخلية بل لعلها فوت صلاة الامام التي هي الظهر، نعم في الكافي أنه في حديث (2) (إن علم أنهم في صلاة العصر ولم يكن صلى الاولى فلا يدخل) لكنه - مع إرساله وإعراض المشهور نقلا وتحصيلا عنه، بل في المنتهى الاجماع على عدم شرطية تساوي الفرضين قال: (فلو صلى ظهرا مع من يصلي العصر صح، ذهب إليه علماؤنا أجمع) ونحوه في

(هامش)

(1) و(2) الوسائل الباب 53 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 2 - 5 (*)

ص 242

التذكرة وعن المعتبر لكن بدون (أجمع) واحتماله للتقية، والدخول بنية العصر كما في الوسائل، والكراهة - قاصر عن معارضة النصوص المعتبرة المستفيضة الصحيحة الصريحة الوارد بعضها (1) في إئتمام المسافر ظهرا وعصرا بظهر الحاضر، بل ولا لاولهما أيضا بعد الاغضاء عما يدل على خلافه من النصوص المستفيضة حد الاستفاضة، وفيها الصحيح الصريح والمعتضدة بالشهرة القريبة من الاجماع، بل هي كذلك عن الفاضلين، نعم ظاهر بعضها الكراهة، كخبر البقباق (2) عن الصادق (عليه السلام) وغيره كما ستعرف ذلك عند تعرض المصنف له، ولعله هو دليله، إلا أنه لا يخفى على من لاحظه ظهوره في الكراهة أو صراحته كما قيل وإن اشتمل صدره على النهي الظاهر في الحرمة لولا التصريح بالصحة والجواز فيه التي لا تجامع الحرمة عند الامامية، والامر سهل، هذا. وقد يظهر من إطلاق المتن بناء على عدم رجوع القيد الآتي في كلامه إلى الجميع جواز الائتمام في أي فرض بأي فرض بعد تساوي النظم، لكن في الدروس الاقرب المنع من الاقتداء في صلاة الاحتياط وبها إلا في الشك المشترك بين الامام والمأموم، ولعله لانها معرضة للنفل والاتمام فينبغي ملاحظة الصحيح على كل منهما، لكن فيه أولا أنه لا فرق في ذلك بين الشك المشترك وغيره، وثانيا أنه لا يقدح احتمال النفل بعد أن كانت واجبة في الظاهر لا أقل من أن تكون كالنافلة المنذورة بناء على صحة الائتمام فيها وبها، فالاولى التمسك له بالشك في تناول إطلاقات الجماعة له التي لم تسق لمثل ذلك وإن كان فيه تأمل. نعم قد يقال هو في محله بالنسبة إلى النافلة المنذورة إذا أريد الائتمام فيها بفريضة يومية أو العكس وإن كان ظاهر من جوز الاجتماع فيها بالنذر مساواتها للفرائض، فيصح الائتمام بها وفيها من غير فرق بين مجانسها ومخالفها، ولعله لا يخلو من وجه.

(هامش)

(1) و(2) الوسائل الباب 18 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 0 - 6 (*)

ص 243

 

عدم مشروعية الجماعة مع اختلاف النظم كاليومية والجنائز و الكسوف والعيدين

 

أما مع اختلاف النظم كاليومية والجنائز والكسوف والعيدين فلا خلاف أجده بين الاصحاب في عدم مشروعية الجماعة فيها، بل في كلام بعضهم دعوى الاجماع عليه بل لعله من بديهيات المذهب أو الدين كما قيل، لا لعدم إمكان المتابعة، إذ يمكن بنية الانفراد عند محل الاختلاف، أو الانتظار إلى محل الاجتماع، أو الائتمام بالركوع العاشر مثلا من صلاة الكسوف كما عن النجيبية احتماله، وأحد قولي الشافعي جوازه حتى في صلاة الجنازة، بل لان العبادة توقيفية ولم يثبت مثل ذلك فيها، بل لعل الثابت خلافه، والاطلاقات واضحة القصور عن التناول لمثله، كوضوح قصورها عن تناول مثل الائتمام في صلاة العيدين بالاستسقاء المتوافقين في النظم وبالعكس حتى لو نذر وإن كان الاجتماع مشروعا فيها، إلا أنه فيها نفسها لا في المتخالفين. أما الائتمام في ركعتي الطواف الواجب باليومية وبالعكس فغير بعيد كما نص على أولهما في البيان وإن كان هو أيضا لا يخلو من تأمل باعتبار توقيفية العبادة، وقصور الاطلاقات عن تناول مثله، بل وعبارات الاصحاب التي قد يدعى الاجماع عليها، لاحتمال إرادة القضية المهملة منها، بل ينبغي القطع به في عبارة الكتاب وما شابهها بناء على رجوع القيد الآتي في كلامه إلى الجميع، فتأمل جيدا.

 

جواز ائتمام المنتفل بالمفترض

 

(و) كذا يجوز أن يأتم (المتنفل) باعادة صلاته احتياطا مندوبا أو قضاء كذلك، أو لارادة الجماعة، أو كان صبيا أو تبرعا عن ميت (بالمفترض) للاصل فيها، أو في بعضها، وإطلاق الادلة، بل في بعضها الائتمام بالاسماء التي لا مدخلية للفرض والنفل فيها، مع اعتضاد ذلك كله بنفي الخلاف المعتد به في شيء منه نقلا في الرياض إن لم يكن تحصيلا، وإن كان معقده فيه إئتمام المتنفل بالمفترض من غير تنصيص على ما ذكرنا، كمعقد إجماع الخلاف، ونفي الخلاف بين أحد من أهل العلم في المنتهى وعند علمائنا في التذكرة، إلا أن ذلك ونحوه مرادهم قطعا، وإلا فقد سمعت سابقا

ص 244

عدم مشروعية الجماعة في النافلة عدا العيدين والاستسقاء والغدير على قول ضعيف، واحتمال إرادة الاولين هنا يمنعه ما عرفته من اشتراط توافق النظم في الجماعة، فلا يتصور فيهما الائتمام بالفريضة اليومية التي هي مراد المصنف من المفترض هنا، أو هي والمنذورة في وجه ينقدح منه إمكان إرادة ما يشملهما بالمتنفل إذا فرض وجوبهما على الامام بنذر ونحوه، فيكون حينئذ مفترضا ومأمومه متنفلا بهما. كما أنه ينقدح أيضا شموله لنافلة الغدير إن قلنا بجواز الجماعة فيها وقلنا بجواز فعلها كذلك ولو بغير مجانسها من الفرائض وإن كان هو محلا للنظر والتأمل، إذ لو سلمنا صحة الجماعة فيها فالظاهر اختصاصها بمجانسها، اقتصارا في العبادات التوقيفية، فلا تندرج حينئذ في صورة إئتمام المتنفل بالمفترض إلا إذا نذرها الامام كما عرفت. نعم قد يندرج فيها الاقتداء في ركعتي الطواف المندوب بركعتي الواجب منه وبالفريضة بناء على استثنائها من عدم مشروعية الجماعة في النافلة، فتأمل. وكيف كان فالنصوص المعتبرة المستفيضة جدا فيما ذكره المصنف بالنسبة إلى إعادة الصلاة جماعة إذا كان قد صلاها فرادى، بل أو جماعة كما في الذكرى وسيمر عليك جميعها أو أكثرها عن قريب إن شاء الله، لكن في بعضها (1) يجعلها الفريضة وفي آخر (2) (إن شاء) وفى ثالث (3) يختار الله أحبهما إليه) وفي رابع (4) (يجعلها سبحة) وعلى الاول يخرج عن موضوع الصورة التى ذكرها المصنف، بل وعلى الثالث في وجه، ويأتي إن شاء الله تحقيق البحث في ذلك.

 

حكم ائتمام المنتفل بالمنتفل

 

(و) أما إئتمام المتنفل ب‍ (المتنفل) فاني وإن لم أجد فيه خلافا أيضا كما اعترف به في الرياض إلا أني لم أجد نصا على صورة من صوره عدا العيدين والاستسقاء منه،

(هامش)

(1) و(2) و(3) و(4) الوسائل الباب 54 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 11 - 1 - 10 - 8 (*)

ص 245

لكنه مقتضى الاصل في بعضه، والاطلاقات في الجميع، خصوصا في مثل المتبرع به من اليومية، والمعاد منها تحصيلا للامامة أو المأمومية أو للاحتياط، لقرب انسياقها إلى الذهن منها، وليس المراد التعميم في المتن وما شابهه من عبارات الاصحاب قطعا، إذ قد عرفت عدم مشروعية الجماعة في النافلة عندنا، بل المراد الجنسية التي تتحقق بالعيدين والاستسقاء والمعادة والمتبرع بها والمحتاط فيها بعضها ببعض وبركعتي الطواف المندوب بها وباليومية الندبية، بناء على جواز الجماعة فيها وإن كان لا يخلو من منع، بل في الذكرى أنه يجوز اقتداء المتنفل بمثله في الاعادة إذا كان في المأمومين مفترض. أما لو صلى اثنان فصاعدا فرادى أو جماعة ففي استحباب إعادة الصلاة لهم جماعة نظر، من شرعية الجماعة، ومن أنه لم يعهد مثله، فالنهي عن الاجتماع في النافلة يشمله، وهو جيد، بل في التذكرة (الوجه منع صحة صلاة المتنفل خلف مثله إلا في مواضع الاستثناء كالعيدين المندوبين والاستسقاء) وظاهره عدم جواز الاعادة بالاعادة من صوره فضلا عن غيرها وإن كان الاقوى خلافه.

 

جواز ائتمام المفترض بالمنتفل

 

(و) أما (المفترض بالمتنفل) فلا خلاف فيه أيضا نقلا وتحصيلا، بل في الخلاف وظاهر التذكرة والمنتهى الاجماع عليه، والنصوص (1) بعد الاصل والاطلاقات دالة على بعض صوره، وهي اقتداء المؤدي فرضه بمن أعاد تحصيلا لفضيلة الجماعة، وأما باقي الصور كاقتداء مصلي اليومية أداء أو قضاء بالمتبرع عن غيره أو المحتاط وبالناذر للنافلة وبركعتي الطواف الواجب، أو ذي النافلة المنذورة بمصلي اليومية ندبا لاعادة أو تبرع أو احتياط وبالمتنفل نافلة يجوز الجماعة فيها كالغدير على قول، أو من نذر العيدين والاستسقاء والغدير بغير الناذر فلم أجد بها نصا بالخصوص، لكنه مقتضى إطلاق الادلة وإن كان بعضها محلا للنظر والتأمل، كالنافلة المنذورة ولو الغدير باليومية كم

(هامش)

(1) الوسائل الباب 54 من أبواب صلاة الجماعة (*)

ص 246

سمعته سابقا، ولعله إلى هذه الاماكن في هذه الصورة وما تقدمها أشار المصنف بقوله: (في أماكن) معلقا له بقوله: (يجوز). ثم قال: (وقيل) بجواز الائتمام (مطلقا) أي كل متنفل بكل مفترض ومتنفل وكل مفترض بكل مفترض ومتنفل بعد توافق النظم، لكنه مجهول القائل، مبناه جواز الاجتماع في النوافل الذي قد عرفت بطلانه بما لا مزيد عليه، على أنه لو سلم فلا يقتضي جواز الاقتداء في الفرائض بها أو بالعكس، بل أقصاه بعضها ببعض، فلا ريب حينئذ في أن الاقوى الاقتصار على ما سمعت من الصور التي يمكن استخراجها من الادلة لا مطلقا، بل في التذكرة أن الاقرب عندي منع اقتداء المفترض بالمتنفل إلا في صورة النص، وهو ما إذا قدم فرضه، وإن كان النظر فيه واضحا بالنسبة إلى بعض الصور المتقدمة، ولعله لا يريد ما يشملها، نعم ما فيها - من أن الاقرب منع صحة صلاة الجمعة خلف متنفل بها كالمعذور إذا قدم ظهره، أو خلف مفترض بغيرها مثل من يصلي صبحا قضاء أو ركعتين منذورة - لا يخلو من وجه، مع أنه قال في الذكرى - بعد أن حكى ذلك عن الفاضل وذكر أنه يتصور فيما إذا خطب وانقضى العدد ثم تحرم واحد بصلاة واجبة فاجتمع العدد سواء كان المتحرم الخطيب أو غيره إن جوزنا مغايرة الامام للخطيب - قال: (وفي هذا المثال مناقشة، لان الظاهر إذا اجتمع العدد بعد الخطبة وجوب الجمعة وفساد صلاة المتلبس بها إذا كانت ظهر اليوم، نعم لو كان قد صلى الظهر وتلبس بالعصر ثم حضر العدد أمكن أن يقال بصحة الفرض، وأبلغ منه في الصحة أن يكون مسافرا أو أعمى وقد صلى فرضه وشرع في آخر واجتمع العدد) انتهى، ولتمام البحث في تنقيح ذلك والحكومة بينهما مقام آخر.

 

استحباب وقوف المأموم عن يمين الإمام إن كان رجلا واحدا وخلفه إن كانوا جماعة

 

(ويستحب أن يقف المأموم عن يمين الامام) لا خلفه ولا يساره (إن كان رجلا واحدا) على المشهور بين الاصحاب نقلا وتحصيلا، بل في المنتهى (أنه مذهب

ص 247

أكثر أهل العلم) بل في التذكرة نسبته إلى علمائنا، بل عن المعتبر إلى العلماء، مشعرين بدعوى الاجماع عليه، بل في الخلاف (أن عليه إجماعنا وجميع الفقهاء إلا النخعي وسعيدا) وفى المنتهى (لو وقف المأموم الواحد عن الخلف أو الشمال والمتعدد عنه وعن اليمين جاز على كراهة إجماعا) ونحوه ما في التذكرة لكن مع ترك الخلف في معقد إجماعها (وخلفه) لا يمينه ولا يساره (إن كانوا جماعة) على المشهور بين الاصحاب أيضا كذلك، بل في التذكرة نفي الخلاف فيه، كما عن المنتهى وإرشاد الجعفرية الاجماع عليه، وفي الخلاف (إذا وقف اثنان عن يمين الامام ويساره فالسنة أن يتأخرا خلفه) مستدلا على ذلك باجماع الفرقة، خلافا لظاهر المحكي عن أبي علي من إيجاب الموقف المزبور في الواحد والجماعة في صحة الصلاة، ولم أجد من وافقه عليه، بل ولا من حكي عنه عدا ما في مفتاح الكرامة أنه قد يلوح من الجمل والعقود وجمل العلم والعمل وجوب الوقوف عن اليمين، مع أن الذي أظنه إرادتهم الندب وإن عبروا بما ظاهره الوجوب خصوصا من مثل القدماء في المعروف استحبابه، بل يمكن دعوى إرادة أبي علي الكراهة من قوله: (لا يجوز صلاته لو خالف) كما هو ديدن القدماء في التعبير عنها بمثله. ومع ذلك كله فقد أنكر في الحدائق على الاصحاب مبالغا في إظهار العجب وإساءة الادب تمسكا بظاهر الامر بقيام الواحد عن اليمين والاكثر خلفا في النصوص المستفيضة التي فيها الصحيح والحسن وغيرهما، قال أحدهما (عليهما السلام) في صحيح ابن مسلم (1): (الرجلان يؤم أحدهما صاحبه يقوم عن يمينه، فان كانوا أكثر من ذلك قاموا خلفه) والصادق (عليه السلام) في الحسن لزرارة (2) في حديث (نعم ويقوم الرجل عن يمين الامام) جواب سؤاله (عن الرجلين يكونان جماعة) وليت

(هامش)

(1) الوسائل الباب 23 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 1 (2) الوسائل الباب 4 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 1 (*)

ص 248

شعري ما أدري إنكاره على من حصل الاجماع على إرادة الندب من هذه الاوامر التي ليست بصيغها، بل يمكن دعوى ظهورها هنا في مطلق الطلب في مثل هذه الاخبار الخارجة من بين أيديهم، أو على من كان المنقول منه حجة عنده. على أنه مع الاغضاء عن ذلك يمكن استفادة الندب منها بمعونة الشهرة العظيمة المعتضدة بالاطلاقات الكثيرة، ومرفوع علي بن إبراهيم الهاشمي (1) المروي في الكافي قال: (رأيت أبا عبد الله (عليه السلام) يصلي بقوم وهو إلى زاوية في بيته بقرب الحائط وكلهم عن يمينه وليس على يساره أحد) واحتمال إرادة الخلف الذي على جهة اليمين منه بعيد جدا، خصوصا وأخبار الخصم بمثل هذه العبارة، وإطلاق خبري أبي الصباح (2) وموسى بن بكر (3) عن الكاظم والصادق (عليهما السلام) (عن الرجل يقوم في الصف وحده فقال: لا بأس إنما يبدو الصف واحد بعد واحد) وصحيح سعيد الاعرج (4) (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يأتي الصلاة فلا يجد في الصف مقاما أيقوم وحده حتى يفرغ من صلاته؟ قال: نعم لا بأس يقوم بحذاء الامام) وخبر السكوني (5) عن أبي جعفر عن أبيه (عليهما السلام) قال: (قال أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا تكونن في العثكل، قلت: وما العثكل؟ قال: أن تصلي خلف الصفوف وحدك، فان لم يمكن الدخول في الصف وقام حذاء الامام أجزأه، فان هو عاند الصف فسدت عليه صلاته) ضرورة ظهوره كسابقه والمرفوع المتقدم في عدم وجوب القيام خلف الامام مع فرض

(هامش)

(1) الوسائل الباب 23 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 6 (2) و(3) و(4) الوسائل الباب 57 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 2 - 4 - 3 (5) الوسائل الباب 58 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 1 عن السكوني عن جعفر عن أبيه عليهما السلام الخ (*)

ص 249

تعدد المأمومين، كظهور الاولين قبلهما في عدم وجوب قيام الواحد عن اليمين، مضافا إلى إمكان دعوى إيماء التعليل في خبر أحمد بن رباط (1) عن الصادق (عليه السلام) إلى الندب في الجملة أيضا، قال: (قلت له: لاي علة إذا صلى اثنان صار التابع على يمين المتبوع؟ قال: لانه إمامه، وطاعة للمتبوع، وإن الله جعل أصحاب اليمين المطيعين فلهذه العلة يقوم على يمين الامام دون يساره). خصوصا بعد تعارف مثل هذه التعليلات للمندوبات، كايماء الامر بالتحويل من اليسار إلى اليمين في أثناء الصلاة في خبري ابني سعيد (2) وبشار (3) إلى الصحة، ضرورة أنه لو كان القيام إلى اليمين شرطا في الصحة كما يدعيه الخصم لاتجه الامر بالاستئناف ولم يجز التحويل، قال في أولهما: (عن أحمد بن محمد في الصحيح ذكر الحسين ابن سعيد أنه أمر من يسأله عن رجل صلى إلى جانب رجل فقام عن يساره وهو لا يعلم ثم علم وهو في صلاته كيف يصنع؟ قال: يحوله عن يمينه) وقال في ثانيهما: (أنه سمع من يسأل الرضا (عليه السلام) عن رجل صلى إلى جانب رجل فقام عن يساره وهو لا يعلم كيف يصنع ثم علم وهو في الصلاة؟ قال: يحوله إلى يمينه) فيبقى حينئذ احتمال الوجوب التعبدي الذي لا يقوله الخصم، ويمكن نفيه بالاصل وغيره. على أنه قد يبعد الوجوب أيضا زيادة على ما سمعت وعلى السيرة والطريقة إغفال التعرض في الادلة لما هو الغالب من فروعه، كتجدد التعدد أو الاتحاد في الاثناء، وأنه هل يتقدم الامام عليهما أو يتأخران هما عنه في الاول، أو يتأخر الامام إليه أو يتقدم هو إلى الامام في الثاني، ولو فرض التعذر فهل يجب الانفراد أو يغتفر، ولو كان المأموم واحدا ثم جاء آخر فهل يقف خلف أولا وينوي ثم يتأخر إليه المأموم أو أنه يتأخر

(هامش)

(1) الوسائل الباب 23 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 10 (2) و(3) الوسائل الباب 24 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 2 1 (*)

ص 250

القديم أولا ثم ينوي الجديد، إلى غير ذلك، واحتمال جريان مثله على تقدير الندب أيضا يدفعه معلومية تفاوت حال الوجوب والندب، وأنه يكتفى في إثبات الثاني بمالا يكتفى به في الاول بأن يقال إنه يؤمي تحويل الامام من كان على يساره إلى يمينه وعدم تحويله نفسه إلى الحكم في بعض ما ذكرنا، كاستحباب انتقال المأموم إلى اليمين عند عروض الاتحاد له بعد أن كان متعددا، وبه صرح في المنتهى، بل واستحباب تأخره عنه عند عروض التعدد كما صرح به أيضا في الكتاب المزبور والبيان، ولا فرق بين سبق إحرام الجديد أو تأخر القديم على الظاهر، كما أنه من الواضح عدم وجوب نية الانفراد عندنا مع التعذر، لكون الحكم مندوبا وتركه مكروها، لما سمعته من إجماع المنتهى، بل منه ومن غيره أيضا بل ومن النصوص أيضا يظهر إرادة الاكثر من واحد من الجماعة هنا كما صرح به بعضهم، والصبي كالبالغ في هذه الاحكام بناء على شرعية عباداته، فلو اجتمع معه رجل تأخرا، وإن اتحد وقف عن يمين الامام كما أشارت إليه النصوص (1) أيضا. ثم لا يخفى أنه لا منافاة بين ما سمعته هنا من استحباب قيام الجماعة خلف وبين ما ذكره الفاضل من استحباب قيام الامام وسطا ليتساوى نسبته إلى المأمومين ليتمكنوا من المتابعة، ولما رواه الجمهور (2) عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: (وسطوا الامام وسدوا الخلل) ضرورة إرادة ما لا ينافي الخلف من الوسط. نعم قد يناقشون بعدم صلاحية ما ذكروه دليلا لاثباته فضلا عن أن يعارض مادل على استحباب اليمين، وخصوص مرفوع علي بن ابراهيم الهاشمي (3) المتقدم سابقا خصوصا لو أريد منه جهة اليمين وإن كانوا خلفه، وحمله على الضرورة كما في الذكرى

(هامش)

(1) و(3) الوسائل الباب 23 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 0 - 6 (2) كنز العمال ج 4 ص 133 الرقم 2906 (*)  

الصفحة السابقة الصفحة التالية

جواهر الكلام

فهرسة الكتاب

فهرس الكتب